47/12/02
الإخراج من الظلمات إلى النور في ضوء آية الكرسي/ولاية الله و ولاية الطاغوت /تفسیر آية الكرسي
الموضوع: تفسیر آية الكرسي/ولاية الله و ولاية الطاغوت /الإخراج من الظلمات إلى النور في ضوء آية الكرسي
ولاية الله: الإخراج من الظلمات إلى النور في ضوء آية الكرسي
وتُبيّن الآية الأخيرة أن موالاة الله تعالى تتحقق بموالاة من أمر الله بموالاتهم، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[1] ، وهي النتيجة الملكوتية الحاصلة من هذه الولاية. وأما الكفار فمآلهم على العكس من ذلك، كما في تتمة الآية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [2] .
دلالات النور المفرد والظلمات المجموعة
ومما يلفت النظر أن كلمة (النور) في القرآن الكريم لم ترد بصيغة الجمع (أنوار) قط، بل جاءت دوماً بصيغة المفرد، إما على نحو الإشارة إلى الجنس أو إلى الموحّد الحقيقي. وفي المقابل، جُمعت (الظلمات)، ولم تُفرد بـ(الظلمة) في سياقات الخروج منها. أما النور فهو موحّد دائماً، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [3] ، وقولهم: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾[4] ، وقوله سبحانه: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾[5] فالنور دائماً يأتي بصيغة المفرد، وإن عُدّدت تجلياته كالمصباح والزجاجة، لكن حقيقته واحدة.
ويتفرّع على ذلك، بادئ ذي بدء، أن هذه الآية الكريمة من آية الكرسي تُشير إلى أن المؤمن، على الرغم من إيمانه وإسلامه، لا يزال يحتفظ في طيّات نفسه بظلمات لا بد له أن يخرج منها؛ فمجرد الإيمان والإسلام لا يكفي. وعليه، فإن فلسفة الولاية لله وللرسول ولقرباه (صلوات الله عليهم) هي أن يستنقذ الإنسان نفسه من طيّات الظلمات التي فيه، وصولاً إلى تكامل النور لديه.
رحلة التكامل الروحي: من الأجر إلى النور
وقد ورد في آية أخرى ما يميز بين الأجر والنور، حيث قال تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾[6] .
فما هو الأجر؟ وما هو النور؟ إنَّ النور أرفع من أن يُقال له أجر، بل هو أرفع شأناً من الأجر والجزاء، وإن كان هو غاية الجزاء. ففي قوله تعالى: ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [7] ، ليس المقصود باليمين مقابل الشمال، بل هو إشارة إلى المراتب العليا من وجود الإنسان، كما في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [8] .
ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [9] .
فالرضوان أكبر من الجنات، وكذلك النور هو أعلى شأناً من الجزاء، بل حتى من الجنة نفسها.
بل إنَّ هذا النور مسير يتكامل، حتى إنَّ لدينا روايات، لعلها مستفيضة عند الفريقين، تفيد بأن التكامل لا يقف حتى في الجنة، بل هو مستمر في كبد الجنة، والتكامل بالنور هو أعظم صور التكامل.[10]
وفي المقابل، فإنَّ الظلمات في جهنم أشد عذاباً من النار والحريق. فكما أن النور أشد بهجةً وسروراً وكمالاً من الجنان، فإنَّ الظلمات أشد عذاباً لأهل النار من سائر العذابات كالحريق والغسلين.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾[11] يؤكد ما مرّ من أن المؤمن نفسه، في طيّاته ظلمات لا بد أن يخرج منها. فليس مجرد الإيمان والعمل الصالح والإسلام كافياً لإخراجه من كل الظلمات، بل لا تزال بقاياها مطويةً فيه، وتحتاج إلى مسيرة طويلة.
والشاهد على ذلك: ما ورد في دعاء يوم الغدير المذكور في كتب الأدعية، ككتب السيد ابن طاووس، [12] من أن المؤمن فيه طيّات من الرذائل كالكبر والشرك والكفر والغلو والتقصير والعناد، فضلاً عن رذائل القصور في العقل والرذائل القلبية، وكلها طبقات في وجوده لا يتخلص منها إلا تدريجياً. ويُستحب قراءة هذا الدعاء والمداومة عليه، لا في يوم الغدير فحسب.
المناسبات الدينية كمقامات روحية
فالمناسبات الدينية كيوم الغدير وأعماله ومعارفه، ليست مجرد ذكرى زمانية، بل هي مقام روحي ينبغي للمؤمن أن يمكث فيه على الدوام. وهذه المناسبات كلها مقامات، فالصوم مثلاً يمكن للإنسان أن يصومه صوماً قلبياً ونفسانياً على الدوام لا إفطار فيه. والزكاة التي بيّنها الأئمة (عليهم السلام) لها مراتب باطنية دائمة. وكذلك جهاد النفس، فإنه لا تعطيل فيه ليلاً أو نهاراً. فكل هذه المناسبات كالغدير وعاشوراء وشهر رمضان، هي مقامات روحية، وإن كانت ذات طابع زماني، إلا أنَّها بوابات يصعد المؤمن من خلالها إلى المقام الروحي ليمكث فيه.
لذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾[13] . ومن تفاسير هذه الآية الكريمة، والمستفاد من روايات مستفيضة عن الأئمة (عليهم السلام)، أن قلب المؤمن يكون في حالة طواف دائم. فالطواف البدني حول الكعبة هو نافذة ومنفذ جغرافي للوصول إلى مقام الطواف القلبي الدائم. والصيام في شهر رمضان هو نافذة زمانية للوصول إلى مقام الصيام القلبي والنفسي الدائم. وهذه المعاني مبثوثة في الروايات، لا سيما في أبواب العبادات من كتب الحديث كالوسائل.[14]
فالزكاة ليست مجرد شأن مادي، بل هي نافذة للوصول إلى الزكاة القلبية الدائمة. وزيارات المناسبات كزيارة عاشوراء والغدير، لا ينبغي أن تُقرأ في مناسبتها الزمانية فقط، بل هي نوافذ لكمالات ينبغي للإنسان أن يبنيها في نفسه على الدوام.
تحذير: الإيمان بداية الطريق لا نهايته
تنبيه: من الخطر أن ينخدع الإنسان ويظن أنه بمجرد الإيمان والعمل الصالح قد بلغ الغاية، فإنَّ هذه من أكبر الغفلات التي قد يقع فيها. بل إنَّ الإيمان هو بداية مسيرة التطهير الدائم. وقد ورد في بعض الآثار أن بعض الرذائل لا يتخلص منها المؤمن إلا عند باب الجنة. فلا بد أن نخاطب أنفسنا قائلين: إنَّ المسير طويل، و”آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق”.[15] فبعض الرذائل لا يتخلص منها أصحاب الجنة إلا قبيل دخولهم بابها.
فدخول المؤمن في الإيمان أو الإسلام هو بداية الطريق فحسب. والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ﴾ [16] ، ولم يقل “لو انتهجوا الطريقة”، فالأمر يقتضي الاستقامة والاستمرار.
والاستمرار أصعب من البدء، وأشد مرارةً وصعوبةً. وقد وصل بلعم بن باعوراء إلى مراتب عالية ثم انتكس، ووصل إبليس إلى ما وصل إليه ثم هوى. وكما يُقال: إنَّ الحفاظ على رأس المال أصعب من اكتسابه.
والحاصل: أنَّ هذه الآية الثالثة من آية الكرسي تتقاطع مع علوم متعددة كعلم الأخلاق، وعلم الكلام، وعلم الرياضات الروحية، وفقه القلوب، وفيها من الأسرار والمعارف الشيء الكثير.
البعد الملكوتي للإمامة والولاية
وكما فسّر العلامة الطباطبائي[17] الإمامة بتفسير ملكوتي، لا بتفسير كلامي محض. وهذه مؤاخذة تُسجّل على تعريف المتكلمين للإمامة الإلهية، حيث حصروا أبعادها في الجانب السياسي غالباً.
أما هنا، في الآية الثالثة من آية الكرسي، فتُفسّر الإمامة بوصفها تجلياً لولاية الله. فقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قد صرّح القرآن بأن هذه الولاية تمتد طولياً لتشمل الرسول ومن نصّبه الرسول، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[18] .
فالقرآن أفصح عن أولي الأمر في آيات عديدة كآية التطهير وآية الخمس وآية الولاية هذه.
وعليه، فالله ولي، والرسول ولي، والإمام ولي الذين آمنوا. وكل ما جُعل لله من ولاية، يتبعه في طوله وامتداده ولاية الرسول وولاية القربى. فالله والرسول والأئمة هم أولياء الذين آمنوا ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
وهذا، كما يبيّنه العلامة الطباطبائي في مواضع من تفسيره، هو البعد الملكوتي للإمامة الذي لم يتعرض له علماء الكلام للأسف. ولذلك يفسّر الإمامة الإلهية بأن الإمام هو قائد قافلة الأرواح ملكوتياً، يخرجهم من الظلمات إلى عوالم النور، وهو ما يربط معنى الإمامة ببداية آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [19] . فالتوحيد معرفة وولاية، والنبوة معرفة وولاية، والإمامة معرفة وولاية.
فإذاً، قد تعرضت آية الكرسي في جزئها الثالث إلى حقيقة الإمامة والولاية بوصفها سيراً ملكوتياً، وهو مطلب جليل لم يحظَ بعناية كافية من المتكلمين.
وهذا مطلب لم يتعرض له المتكلمون، وهو من المؤاخذات عليهم؛ فإننا نريد إماماً يقودنا في الملكوت.
أما الصوفية، فعلى الرغم مما لديهم من انحرافات كثيرة لا ريب فيها في الفروع وغيرها، إلا أنهم قد تنبهوا لهذا الجانب، وهو أن إمامة الأئمة الاثني عشر هي إمامة ملكوتية وليست سياسية فحسب. وهذا من مصاديق العدل في التقييم الذي يأمر به قوله تعالى: ﴿﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۖ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[20] . فهم يؤكدون على اعتقادهم بإمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام ملكوتياً، حتى إن فرقهم كافة تتفق على أن أئمة الآخرة والقيامة والجنة هم أئمة أهل البيت.
والحال أن هذا البعد الملكوتي للإمامة قد حظي بتركيز كبير وواضح في بيانات القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، بخلاف ما قد يُتوهم من الاقتصار على البعد السياسي والاجتماعي. فمما ورد في هذا السياق أن نور الإمام في قلوب المؤمنين أضوأ من نور الشمس، وهذا هو البعد الملكوتي بعينه.
الإمامة: إيصال إلى المطلوب
والفرق بين الإمامة والنبوة، كما ذكر اللغويون وعلماء الكلام، هو أن النبوة هداية من قبيل إراءة الطريق، أما الإمامة فهي هداية من قبيل الإيصال إلى المطلوب؛ فالإمام يأخذ بيدك ملكوتياً ودنيوياً، في موازاة للسير الدنيوي الظاهري، ومصداقه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [21] [البقرة: 257].
والحاصل: أن هذا البحث المهم والحساس قد أخفق فيه المتكلمون، بينما أكّده الوحي وبسطه. وحتى الصوفية مع ما فيهم من انحرافات وأباطيل قد تعرضوا له، ولكن البحث الأعظم والأتمّ في حقيقته موجود في الآيات القرآنية وروايات أهل البيت.
وهذا نظام بحث يجب الالتفات إليه، وهو أن الإمامة ليست مجرد بُعد أرضي دنيوي، بل هي أيضاً: - بُعد قيامة. - وبُعد جنة. - وبُعد ملكوت. - وبُعد برزخ.
وهو البعد الذي سنسأل عنه أول ما ندخل باب البرزخ. ومن لوازم حقيقة الإمامة ما ورد في خطاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لحارث الهمداني، [22] من أن الإمام هو القيم على باب البرزخ. وحين يُغفل عن هذا البعد ويقتصر البحث على الإمامة السياسية، تقع الإخفاقات الكبرى؛ إذ يُقال حينئذ إن الخلاف في السقيفة قد مضى وانتهى، ويُسهِّل ذلك القول بأن الإمامة مرتبطة فقط بالإدارة السياسية.
فإن قيل: إن ذلك حدث قد مر ومضى. قلنا: إن ما سيأتي من ميادين الإمامة أعظم بكثير مما مضى، فكيف يصح القول بأن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) حدث تاريخي قد انقضى؟
والسبب في ذلك هو التعريف القاصر الذي قدمه المتكلمون للإمامة، وهو قصور يشبه تعريفهم للنبوة أيضاً -مع شكرنا لسعيهم-، لكنه تعريف يفتح الباب واسعاً أمام شبهات العلمانيين والحداثويين وغيرهم. فبمقتضى هذا التصور القاصر، يصبح النبي (صلى الله عليه وآله) في نظرهم مجرد “مسجل صوت”، مما يجرّئ بعضهم على أن يقول: “أنا أعرف بالقرآن من النبي”.
وهذا هو مآل القول المشهور: “حسبنا كتاب الله”؛ [23] فإن معناه الحقيقي هو الاستغناء بالقرآن عن النبي، وادعاء فهم الكتاب فهماً يفوق فهم من أُنزل عليه. وبناءً على دعوى فهمهم التي تفوق فهم النبي، يتعاملون معه بأقصى درجات الاستغناء، وكل ذلك منبثق من تصورهم للنبي (صلى الله عليه وآله) مجرد ساعي بريد أو ناقل صوت.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.