47/11/24
ولاية الله وولاية الطاغوت (22) أصل الكفر والشرك في القرآن
الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (22) أصل الكفر والشرك في القرآن
مر بنا أن في آية الكرسي، ولا سيما الآيتين الثانية والثالثة منها، تركيزاً على الولاية وتشديداً على أهميتها وخطرها في الدين. وقد مر بنا كذلك إشكال أثاره أحد الأفاضل، ومحصله أن الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) التي تفيد بأن جُل أو كل ما في القرآن من كفر وشرك إنما هو كفر وشرك في الولاية، هي في ظنه رواية أو روايتان. والحال أنها ليست كذلك، بل هي طوائف من الروايات المتواترة أو المستفيضة المروية عنهم (عليهم السلام) في ذيل الآيات والسور، والمبثوثة في كتب التراث الحديثي والتفسيري، كتفسير القمي[1] وتفسير العياشي[2] وغيرهما.
فإن قيل: كيف يكون جُل ما ورد من الكفر والشرك في القرآن منصرفاً إلى الولاية، مع أن القرآن الكريم مليء بذكر عبادة الأصنام والأوثان ومحاججة الأنبياء لأقوامهم في ذلك؟ فهذا نبي الله نوح (عليه السلام) واجه عبادة الأصنام في قومه، وهذا نبي الله إبراهيم (عليه السلام) واجه قومه قائلاً: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ (الصافات - 95)، ثم حطم أصنامهم جذاذاً، ولما واجهوه قال لهم موبخاً: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ (الأنبياء - 67). فظاهر القرآن إذن أن كثيراً من الأنبياء كانوا يصادمون أقوامهم الكفار والمشركين في قضية الوثنية وعبادة الأصنام، فكيف يصح حصر الشرك والكفر في الولاية؟
والجواب: أن جملة من الآيات القرآنية تبين أن قضية عبادة الوثن ليست هي القضية المركزية في الشرك والكفر، بل المركزية هي لعبادة الطاغوت وولاية الطاغوت، التي تتمثل في ولاية الحاكم الجائر وجبابرة الأرض. والشاهد على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل - 36). فالآية صريحة ودامغة في أن محور دعوة الأنبياء كافة، في كل أمة وليس في بعض الأمم، هو الأمر بعبادة الله واجتناب الطاغوت، ولم تقل: “واجتنبوا الأوثان”. فالمحور المركزي إذن هو الصراع بين ولاية الله وولاية الطاغوت.
ومما يؤيد ذلك: أن القرآن الكريم يعتبر الوثنية المتمثلة في الولاية السياسية والعقائدية والاجتماعية لغير الله أشد شركاً وكفراً وعتواً من الشرك في الطقوس الروحية والبدنية. فتلك عبودية وهذا شرك في بُعد روحي محدود، أما ولاية الطاغوت فهي شرك في بُعد شامل وأخطر. فالصنم وثن صغير، والطاغوت هو الوثن الأكبر. وآية الكرسي واردة في هذا السياق، فهي واضحة في هيمنتها على سائر آيات القرآن، إذ تعد مع سورة الحمد وآية الملك[3] وآية الشهادة[4] من الآيات والسور المهيمنة الحاكمة على ما دونها من آي الكتاب.
حاكمية آية الكرسي: الكفر بالطاغوت أساس التوحيد
وحيث إنَّ لآية الكرسي هذه الحاكمية، فإنها تركز على أن قوام التوحيد ليس مجرد الإيمان، بل هو متقوم بالكفر بالطاغوت، وليس مجرد التبرؤ والاجتناب، بل الكفر الفكري والقلبي بجبابرة الأرض، بحيث تكون الميول القلبية والفكرية واللسانية والسياسية والاجتماعية كلها مطهرة من الانقياد لهم. وذلك لأن هؤلاء ينازعون الله تعالى في أعظم ما يختص به من صفات وأسماء، وهو الجبروت والكبرياء. وهذا فضلًا عما ورد من آيات كثيرة نبه عليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة - 31). وقد ورد في تفسيرها عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنهم والله ما صلوا لهم ولا صاموا، ولكنهم أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم، [5] فكانت طاعتهم لهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال هي اتخاذهم أرباباً، لأنهم نازعوا الله في سلطان التشريع والولاية.
الولاية هي ثمرة شجرة التوحيد
فآية الكرسي تركز على أن أصل قوامة التوحيد هو في الولاية. وهذه الولاية، كما مر بنا مراراً بحسب نص آية الكرسي ومنظومة الآيات والسور، هي في البدء ولاية الله قبل أن تكون ولاية الإمام. وهذا مصداق القول المأثور: “تمسكوا بالشجرة وضيعوا الثمرة”. فالشجرة هي معرفة الله، ولكن الثمرة هي ولاية الله والانقياد له قلباً وحباً وبدناً وسياسةً. وهو مقتضى قوله تعالى في تمام الإيمان: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء - 65). فأساس الإيمان هو اقتران المعرفة بالولاية والتسليم، وبدون ذلك لا تنفع المعرفة، كمعرفة إبليس بتوحيد الله ومعاده، حيث قال: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الأعراف - 14)، لكنه تمرد على ولاية الله وأمره.
والحاصل: أن أهل البيت (عليهم السلام) قد صدقوا حينما بينوا أن الكفر في حقيقته هو التمرد على ولاية الله المتمثلة في ولاية الرسول وولاية الإمام. فالعمدة في نظر الوحي هو الانقياد والتسليم، لا مجرد الطقوس الروحية. فما فائدة التمسك بشجرة التوحيد معرفةً مع إضاعة ثمرتها وهي ولاية الله؟ وهذا كحال من عرفوا الله ولكنهم قالوا بما يناقض قدرته وولايته المطلقة، كما حكى القرآن عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة - 64). فأي توحيد هذا الذي يقر بالوجود وينكر القدرة والتصرف؟
جناحا الإيمان: المعرفة والولاية
ويتفرع على ذلك أن البحث دقيق وعميق ومنظوم حينما يبينه أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أن أصل تحسس الوحي من الكفر والشرك إنما هو بلحاظ الولاية؛ لأنه بدون ولاية الله لا يكون هناك إيمان بالتوحيد. وقد حصل اشتباه كبير في التدوين والتبويب والبلورة الكلامية على مدى قرون، حيث جُعلت الولاية في مقابل التوحيد، وهذا خطأ جسيم. فبحسب بيانات الوحي في الآيات والروايات، التوحيد له جناحان: جناح معرفة وجناح ولاية، وكذلك النبوة والإمامة. فمن تمسك بمعرفة التوحيد وضيع ولاية التوحيد فما الفائدة؟ فثمرة معرفة التوحيد هي ولاية التوحيد. وإبليس يعرف الله، لكنه أول من تمرد على ولاية الله وأمره، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (الأعراف - 12). فالآمر هو الله، فكيف يصح التمرد عليه مع دعوى التوحيد؟
لقد تمسكوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة؛ فالمعرفة بالله وبالتوحيد هي الشجرة، وثمرتها أن تتولى الله. ولذلك نجد القرآن الكريم يفسر الإله بـ “المطاع”، كما في قول فرعون لموسى (عليه السلام): ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء - 29)، أي: إن اتخذت مطاعاً وحاكماً وولياً غيري. فالحاكمية، سواء كانت عقائدية أم قلبية أم فكرية أم سياسية، هي عين الولاية، وهي مأخوذة في صميم الإيمان بالتوحيد وليست أمراً منفصلاً عنه. فمن تمسك بشجرة المعرفة وأضاع ثمرة الولاية فقد أضاع الدين كله. فلا يجوز على صعيد الفكر والقلب أن تُجعل ولاية لأحد غير منشعبة من ولاية الله وبغير إذنه، وإلا صارت ولاية من دون الله. فلا معنى لدعوى أن الأمة هي التي تعين أو أن البشر يتوافقون بعقد اجتماعي مستقل عن حاكمية الله، بل العقد الاجتماعي إنما يكون له دور في ظل ولاية الله وحاكميته.
فإذاً، قد صدقت بيانات أهل البيت (عليهم السلام) المتواترة عندما قررت أن عمدة ما في القرآن من شرك وكفر ليس هو الوثن والصنم والطقوس، بل هو الشرك في الولاية. وقد عالجنا هذا المبحث بآية الكرسي وبالروايات المتواترة، ونبهنا على أن أصل الإيمان ليس هو المعرفة المجردة، بل هو مركّب من جناحين: المعرفة والولاية، ومن أخل بأحدهما فقد أخل بأصل الإيمان ووقع في الكفر والشرك بالله.
تنبيه: في بيان طائفة من بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أن كل وثن أو صنم عُبد وأُطيع، فإنما أُطيع من ورائه إبليس من الأبالسة. وهذا البيان يهضم ما يشبهه في القرآن الكريم، حيث تقول الملائكة يوم القيامة: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُdُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ (سبأ - 41). فإذا صحت هذه المطابقة بين بيانات أهل البيت والقرآن، فإن عبادة الأصنام في حقيقتها هي عبادة للجن والشياطين. وهذا يدلل على أن القرآن الكريم حين يستخدم مصطلح “الألوهية” و”التأله” في سياق الأصنام، فإنه لا يقصد ألوهية الخلق والإيجاد، بل يقصد “التأله” بمعنى صيرورة الشيء مركزاً للميول القلبية والفكرية الشديدة من دون الله. فهذه الميول هي حقيقة الولاية والتأله.
واسم الجلالة “الله” مشتق من هذا المعنى، ومن ثم ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أن الاسم المستأثر به عند الله أعظم من اسم الجلالة. فمركز ميولنا الفكرية والقلبية هو الذي يحدد إلهنا المعبود. ويطابق هذا المعنى الحديث المتواتر عند الفريقين: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، [6] فإذا كان مركز تعلقات القلب والفكر هو ذات الإنسان، فهذا يعبد ذاته، وولهه بذاته.
لا يؤمن عبدٌ حتى يكون الله ورسوله وذرية الرسول أحب إليه من نفسه وذريته، [7] وهذا هو حقيقة الإله، وهذه هي حقيقة العبادة، وهو مركز المراكز الذي تتشعب عنه كل الأمور.
وقد أشار السيد عبد الحسين شرف الدين[8] إلى أن الزمخشري[9] قد اكتشف في آية المودة أمراً لم يلتفت إليه مَن سبقه من علماء الفريقين، وهو أمر أعمق من مجرد إثبات فريضة مودة أهل البيت عليهم السلام، بل إن المودة تعدل الدين كله. ومع أن عبارة الزمخشري قد لا تفصح عن هذا المطلب صراحةً لمن يراجعها، إلا أن التدقيق في كلامه يكشف عن هذه النكتة الدقيقة.
فما هي هذه النكتة؟ إنها تكمن في أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا حين يكون مركز المحبة والميول والانقياد هو الله ورسوله وذريته، فمن كان هذا مركزه، فقد اتخذ إلهاً حقاً، وهذه هي العبادة الحقة، وهو مركز المراكز الذي تتشعب عنه كل الأمور.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/DDfinFxehLE?si=j4PzXfRZXKNIBxKu