« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/11/23

بسم الله الرحمن الرحيم

ولاية الله وولاية الطاغوت (21) أصل الأيمان بالله وولاية الطاغوت

 

الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (21) أصل الأيمان بالله وولاية الطاغوت

لا زلنا في سياق البحث حول آية الكرسي وما يرتبط بها من مفاهيم، ومن ذلك الألفاظ الأخرى الواردة في صور عديدة، سواء ما اشتمل على لفظة “الطاغوت”، أو ما تضمن معنى الاستكبار، أو ما عبّر بـ”الظالمين”، وغيرها من الألفاظ المقاربة في معناها. إنَّ تلك الآيات، كما مرّ، تجعل المقابلة بين أصل الإيمان بالله وأصل عبادته وأصل التوحيد من جهة، وبين اجتناب الطاغوت من جهة أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[1] ، فأصل عبادة الله يقابل ولاية الطاغوت.

أو تجعل المقابلة بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، أو بين ولاية الله وولاية الطاغوت، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]. أو تجعل المقابلة في أصل التوحيد نفسه، كما في قوله سبحانه: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [البقرة: 256]. فتأمّل كيف يؤسّس القرآن الكريم عبر هذه الصياغات المتعدّدة حقيقة أنَّ المقابلة مع الطاغوت ليست مجرد وظيفة سياسية أو اجتماعية، بل هي وظيفة فكرية وقلبية، تتصاعد في أهميتها لتمسّ أصل الإيمان بالله، أو أصل العبادة له، أو أصل ولايته.

الإيمان ليس مجرد معرفة بل ولاية

ومقتضى ذلك أنَّ الإيمان بالله ينتفي بانتفاء هذه المقابلة، لما مرّ بنا من أنَّ التوحيد ليس مجرد معرفة؛ فالتوحيد معرفة وإيمان. وكذلك النبوة ليست مجرد معرفة، وهذا بخلاف تعريف ذكره المتكلمون أو الفقهاء أو المفسرون، وهو تعريف فيه مسامحة وغفلة كبيرة. فالأصل الثاني، وهو النبوة، ليس مجرد معرفة بالنبي، ولو كانت معرفة يقينية، فليس هذا إيماناً بالنبوة. فحسب بيانات الوحي، يجب أن يضاف إلى المعرفة بالنبوة، حتى اليقينية منها، تولّي النبي بجميع درجات التولّي والولاية.

والشاهد على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فجوهر الإيمان بالله ورسوله ليس مجرد أن تتيقن بالبراهين وتصدّق بأنَّ سيد الأنبياء هو سيد الأنبياء، فهذا وحده لا يكفي حسب منطق القرآن الكريم، بل يجب أن تتولّى النبي بكل درجات التولّي، وأن تحكّمه، وأن تسلّم له تسليماً. إنَّ القرآن هو المؤسّس لكل هذه القضايا، وهو الأحجّ في الحجّية، فلا يستطيع أحد أن يوسوس في مقابل بيانه. نعم، إنَّ بيانات النبي (صلى الله عليه وآله) منبّهة لما في القرآن بلا شك، ولكن في أسلوب الاحتجاج، حتى على النفس الأمارة ووساوس الشياطين، يكون ما بيّنه القرآن أعظم أساساً، وهم (صلوات الله عليهم) قد أوصوا بذلك.

فدائماً ما نجعل بيانات النبي (صلى الله عليه وآله)، وفضلاً عن بيانات الأئمة (عليهم السلام)، منبّهات ومرشدات للتأصيل القرآني، وهذه هي وصيتهم هم. وليس معنى ذلك أننا إن لم نستطع أن نؤصّل لمسألة ما من القرآن، فإننا نرفع اليد عنها، نعوذ بالله من ذلك، ولكن من وظائفنا العلمية الملقاة على عاتقنا، ومقتضى إيماننا وتصديقنا، أن نجعل كلماتهم منبّهة ومرشدة لما في القرآن. وإلا فالطاعة ثابتة للرسول وللأئمة كما هي ثابتة لله بلا ريب، وكذلك الولاية.

إشكالية الجحود مع اليقين

إنَّ حقيقة النبوة، كما مرّ بنا، ليست مجرد معرفة، وإلا لما صحّ قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. وقد بحث علماء العلوم المختلفة في تفسير هذه الآية وكيفية اجتماع الجحود مع اليقين.

فقد قيل: إنَّه لا بد من تأويل الآية بحملها على أنهم كانوا مستيقنين، فلما جحدوا زال يقينهم. وقد ذهب إلى هذا المحمل كثير من الفلاسفة والمناطقة والمتكلمين والمفسرين. ولكن ظاهر الآية لا يساعد على ذلك، فهي تقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾، مما يدل على المعيّة والاقتران بين الجحود واليقين.

وقيل في تأويل آخر: إنَّ معنى ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ هو أنَّ أدلة اليقين كانت بين أيديهم وقد وصلت إليهم وأدركوها، فالإطلاق هنا على الأدلة لا على حصول الملكة النفسانية، وإن لم يتكوّن لديهم يقين فعليّ لمرض فكري أو ميول وأهواء وشهوات، لأنَّ الأمراض الموجودة في قوى النفس تمانع من حصول اليقين.

والمقصود: أنَّ القرآن الكريم يذكر أيضاً في شأن قوم ثمود أنَّ الناقة كانت آية بيّنة أو ﴿مُّبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59]، وكذلك آيات موسى (عليه السلام) لفرعون وقومه. فالمعاجز عندما يتنكر لها الأقوام المناوئون للأنبياء تكون بيّنة في نفسها.

والحاصل: أنَّه لا يمكن تعريف النبوة بمجرد التصديق والمعرفة، بل النبوة حسب بيانات الوحي هي معرفة بالنبي وولاية له.

إنَّ التمرّد على أي حكم أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو تمرّد على ولاية النبي، أي على الإيمان به. ولذلك يشير القرآن الكريم في بدايات سورة الحجرات إلى أنَّ التطاول على النبي يزعزع إيمان الشخص به، وأنَّ سوء الأدب مع سيد الأنبياء يزيل الإيمان ويحبط الأعمال، وأعظم الأعمال هو الإيمان. فجعل الله الإيمان بالنبي مرهوناً برعاية الأدب معه.

وهذا البيان يشرحه الإمام زين العابدين[2] في الصحيفة السجادية، فهي كتاب عقائدي ومتن لتدريس العقائد، وكتاب أخلاقي يشتمل على دورة أخلاقية عظيمة، ودورة عرفانية معنوية عجيبة، فهو يضمّ عدة علوم. فدعاء أهل الثغور مثلاً هو بمثابة دورة فقهية في الفقه السياسي والعسكري. فالصحيفة السجادية، كما هو حال نهج البلاغة، متن تدريسي ونبراس ودستور، يشتمل على دورات كاملة في العقائد والفقه السياسي والأخلاق والرياضة المعنوية. ولكن يُراد متضلّع يفرز بين هذه العلوم الموجودة في نهج البلاغة والصحيفة السجادية. فكتب العقائد هي هذه المتون الأصيلة بلغات متعددة: عقلية وفقهية وأخلاقية ومعنوية. وكلمات العلماء جيدة كشروح، لا كمتون أصلية؛ فالمتن الأصل هو الثقلان، [3] وهذه حقيقة مبنية على الصناعة العلمية لا على العاطفة.

وعلى أي حال، نرجع إلى هذا المطلب، وهو أنَّ النبوة في القرآن الكريم ليست معرفة فقط، بل معرفة وولاية. وكذلك الإمامة، فهي معرفة وولاية. والإمام أيضاً تتعلّق به المعرفة، كما في الرواية: “من زاره عارفاً بحقه”.[4]

ونكتة تستدعي الانتباه: أنَّ الرواية قالت: “عارفاً بحقه”، ولم تقل: “مؤمناً به” أو “موالياً له”. مع أنَّ الولاية والإيمان شرطان ضروريان، وقد وردت التوصية بهما في نصوص الزيارات الأخرى، ولكن التنصيص على المعرفة هنا له خصوصية. ومع ذلك، ليس الإيمان مجرد معرفة، بل لا بد من الولاية.

**

أركان الدين: معرفة وولاية

فالنتيجة:** أنَّ للتوحيد جناحين: المعرفة والولاية. وللنبوة جناحين: المعرفة والولاية، ومعها التسليم. وللإمامة أيضاً جناحين: المعرفة والولاية. وفي مبحث الولاية، أكّد القرآن وشدّد على أنَّ ولاية الطاغوت تؤدي إلى تآكل ولاية الله عند الفرد، فأي فرد يوالي الطاغوت تتآكل عنده ولاية الله وتولّيه له. وفي المقابل، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]. فأولئك هم حزب الله، لا حزب الشيطان، الذي ورد ذكره أيضاً في القرآن الكريم.[5]

يبيّن القرآن الكريم أنَّ التحزّب المذموم هو الموالاة لفئة بشرية من منطلق العصبية للأنانية أو العرقية أو العشائرية أو القومية، فهذا تعصّب باطل. أما التحزّب والتعصّب لله (عز وجل) فهو مطلوب، وهو مقتضى ما ورد في روايات الفريقين من أنَّ “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”، [6] وأنَّ الولاية أعظم من الصلاة. وهذا حديث متواتر آخر غفل صاحب الوسائل[7] عن ذكره في أبواب مقدمات العبادات، وإن كان قد ذكره في باب آخر حول أفضلية الولاية وموقعيتها المهيمنة في الدين.

إذن، يتبيّن أنَّ هناك منكراً عقدياً ومعروفاً عقدياً، وليس فقط منكراً فردياً أو اجتماعياً أو سياسياً. فأكبر المعروف هو توحيد الله والأصول العقائدية، وأكبر المنكر هو الباطل العقائدي، ثم يأتي بعده الباطل السياسي فالاجتماعي فالأخلاقي الفردي، وهلمّ جرّاً.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وفي هذا السياق، يُنقل عن السيد محسن الحكيم[8] (رحمه الله) في فتوى له نُشرت في مجلة “الأضواء” النجفية قبل نحو ثمانين عاماً، ما مضمونه أنَّ ما دُوّن في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتب الفقهاء طيلة ألف سنة، لا ينطبق على مواقف أمثال ميثم التمّار، وحُجر بن عدي، وأبي ذر الغفاري، ورُشيد الهَجَري.

ويجيب السيد الحكيم عن سبب ذلك بأنَّ الذي دوّنه الفقهاء غالباً هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جانبه الفردي، ولم يبسطوا الكلام في المعروف والمنكر السياسي، ولا في المعروف والمنكر العقائدي الذي يرتبط ببيضة الدين وكيانه.

إنَّ ما صنعه صاحب الوسائل من إدراج روايات الولاية في بابها الخاص لا بأس به، ولكن كان الحريّ به أيضاً أن يذكرها في أبواب مقدمات العبادات عندما استعرض الأدلة المتواترة على أعظمية الولاية على الصلاة، وهي طوائف من الروايات المتواترة بين الفريقين، وليست مختصة بطرق أهل البيت (عليهم السلام).

إذن، من خلال معرفة حقيقة الإيمان بالأصول الاعتقادية، يتبين لنا أنَّ ولاية الطاغوت تزعزع أصل الولاية لله. نعم، إنَّ التقية لا تقتضي التولّي القلبي والفكري، فالضرورات تقدّر بقدرها، كما قال تعالى: ﴿مَّن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. ولكن لماذا يميل القلب للطاغوت؟ ولماذا هذا الميل النفسي أو التنظير الفكري لجبابرة الأرض وفراعنتها، وتلميع صورة حكام الجور الدوليين أو الإقليميين أو المحليين؟ إنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]. والركون هو أدنى درجات الميل والاعتماد، وهو غير التعاون.

لذلك، يتحسّس القرآن الكريم من هذا الأمر، فبينما يبيح المداراة، يحرّم التولّي. والخلط بينهما خطأ جسيم.

**

الفرق الجوهري بين المداراة والتولّي

فما الفرق بين المداراة والتولّي؟** هذا مبحث عقائدي وفقهي أساسي. المداراة من مقتضيات العقل، فالله (عز وجل) يأمر موسى وهارون (عليهما السلام) قائلاً: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ¤ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 43-44]. لم يأمرهما أن يقولا له: إنه مصلح أو قديس أو متطور أو كفؤ للإدارة. بل على العكس، يصفه القرآن بأنه ﴿مِنَ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ¤ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: 11-12]. فمع كل ما بلغوه من تطور عمراني شاهق، يعتبر القرآن حضارتهم تردّياً لا تمدّناً، لفسادها الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي. وفي خضم هذا التوصيف، يأمر بالقول الليّن.

والهدف من المداراة يبيّنه قوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]، أي لعله يرعوي. فعندما تستفزّ العدو، يشتدّ عناده وعداوته، واستفزازه لمجرد التشفّي ليس من الحكمة، إلا أن يكون ذلك جزءاً من تدبير ودهاء لغرض أسمى. ولكن كل هذا لا يعني الذوبان في العدو أو تولّيه.

وكثير من النخب السياسية والاجتماعية تخلط بين المداراة والتولّي.

ومن علامات التولّي: المودّة القلبية، التي يشير إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. والتدقيق هنا ضروري، فقد ربط الله بين محبة الطواغيت وأهل الباطل وبين أصل الإيمان بالله. لم يقل: “لا تجد قوماً متقين”، بل قال: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، فجعل أصل الإيمان نفسه يتزعزع ويتزلزل، لا مجرد تقوى المؤمن أو بِرّه. فلا يمكن أن تجتمع في قلب واحد محبة الله ومحبة أعدائه، ولا يجوز الترويج لمحبة الباطل أو الطغاة والمجرمين الدوليين.

وحاشا للأئمة (عليهم السلام) أن يفعلوا ذلك. بل انظر إلى سياستهم كما ورد في زيارة الإمامين العسكريين[9] المروية في “المزار الكبير” لمحمد بن جعفر المشهدي و”مصباح الزائر” للسيد ابن طاووس، [10] حيث يوصفان بأنهما: “اللذان جنّبا أولياء الله من مخالطة الفاسقين، وحقنا دماء الموالين بمداراة الظالمين”.

فالمداراة هدفها حقن الدماء والأعراض والأموال، لا التزلّف للعدو أو تذويب المؤمنين في كيان الظالمين قلباً وفكراً. نعم، الأئمة (عليهم السلام) يوصوننا بأن نكسب مودّة الناس لهم، وذلك بالخلق الحسن والتعامل الطيب، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): “حبّبونا إلى الناس ولا تبغّضونا إليهم”.[11] فالمطلوب أن نزرع في قلوب الآخرين محبة الأئمة، لا أن نزرع في قلوب الموالين محبة أعدائهم. أليست المسألة معكوسة؟

**

خلاصة: الموالاة والعداء في ميزان الإيمان

والخلاصة:** أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين مداراة الظالمين وأهل الباطل، وبين تولّيهم وموادّتهم. فلا يصح أن يُكتب مقال يلمّع دولة عظمى دموية، بحجة ذكر إيجابياتها لنكتسبها، فهذا تلميع يجعلها كأنها جنة الله في الأرض، وهو ما يناقض صريح قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ… يُوَادُّونَ﴾. إنَّ هذا المحور، محور العلاقة بين ولاية الله وولاية الطاغوت، منتشر في كل سور القرآن، وله تفاصيله وبنوده وفصوله، وهو نص عقائدي وسياسي واجتماعي وروحي وقلبي وفكري. وهو ما سنُحاسب عليه في أول منازل الآخرة، حيث يُسأل المرء: من ربك؟ من نبيك؟ من إمامك؟ والسؤال عن الإمام يعني: كيف كانت موالاتك؟ أكانت لهذا الطرف أم لذاك؟ وهو ما تلخّصه عبارة الزيارة: “وليٌّ لمن والاكم، وعدوٌّ لمن عاداكم، محبٌّ لمن أحبّكم، ومبغضٌ لمن أبغضكم، سلمٌ لمن سالمكم، وحربٌ لمن حاربكم”.[12]

وهنا يطرح مبحث عقائدي وفقهي أساسي، وهو ما الفرق بين المداراة والتولي؟ إنَّ المداراة من مقتضيات العقل، فالله عز وجل يقول للنبي موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[13] . ولم يقل إنَّه قديس أو إنَّه متطور، ولم يصفه بأنَّه جدير بالحكم أو كفؤ بالإدارة، لم يقل شيئاً من هذا القبيل.

بل على العكس من ذلك، يصف القرآن فرعون بأنَّه سعى في الأرض فساداً، ويذكر في سياق الحديث عنه وعن أمثاله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ¤ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾[14] . فمع أنَّ أهرام الفراعنة تمثل تقدماً عمرانياً شاهقاً قد يعجز عنه بشر اليوم، فإنَّ القرآن الكريم يعتبر كل ذلك تردياً لا تمدناً في ظل غياب العدالة الاجتماعية والأخلاقية والروحية، وانتشار الفساد الأخلاقي والاقتصادي؛ وهذا هو منطق القرآن.

وفي حين يأمر بالمداراة: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[15] ، فإنَّه يبيّن أنَّ غايتها هي رجاء أن يرعوي الخصم؛ لأنَّ استفزاز العدو يزيده عناداً وعداوة، فليس من الحكمة استفزازه بمجرد التشفي، إلا أن يكون ذلك لتدبير أو دهاء معين لغاية أخرى. ولكن هذا لا يعني بحال الذوبان في العدو أو توليه.

وكثير من النخب السياسية والاجتماعية تخلط بين المداراة والتولي، وهو التولي الذي من أبرز علاماته المودة التي يشير إليها القرآن الكريم، حيث ربط الله بين محبة الطواغيت وأهل الباطل وبين أصل الإيمان، فقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[16] . فها هنا، لم يجعل الله الأمر متعلقاً بتقوى المؤمن أو بِرّه، بل جعل أصل الإيمان نفسه يتزعزع ويتزلزل. فالمداراة شيء، وترويج محبة الباطل أو الطاغوت والمجرمين الدوليين أو الإقليميين شيء آخر، فما هو المبرر لذلك؟

وحاشا لأئمة أهل البيت عليهم السلام أن يفعلوا ذلك، بل إنَّ سياستهم كانت على خلافه. فقد ورد في زيارة الإمامين العسكريين عليهما السلام، المروية في كتاب المزار الكبير، [17] وصفهما بأنَّهما: «الَّذِينَ جَنَّبُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفَاسِقِينَ… وَحَقَنُوا دِمَاءَ الْمُوَالِينَ حَقًّا بِمُدَارَاةِ الظَّالِمِينَ».

فالمداراة إذن ما هدفها؟ إنَّه حقن الدماء والأعراض والأموال، لا أن تكون تزلفاً للعدو أو تذويباً للمؤمنين في أولئك قلباً وفكراً.

نعم، قد أوصانا الأئمة عليهم السلام بأن نكسب مودة الناس لهم، لا لأنفسنا، وذلك بالخلق الحسن والتعامل الطيب، كما في قولهم: «حَبِّبُونَا إِلَى النَّاسِ وَلَا تُبَغِّضُونَا إِلَيْهِمْ»، [18] فهذا عمل مطلوب وجيد. ولكن لا أن نزرع في قلوب الموالين محبة أولئك الطغاة، فتصير المسألة معكوسة.

والحاصل: أنَّ الفرق شاسع بين مداراة الظالمين وأهل الباطل، وبين توليهم وموادتهم. فشتان بين أن يكتب أحدهم مقالاً يلمّع فيه دولة عظمى دموية، بحجة ذكر إيجابياتها لنكتسبها، وبين أن يلتزم بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ… يُوَادُّونَ﴾، فهذه الموادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسألة ولاية الطاغوت وولاية الله.

وهذا المحور منتشر في جميع سور القرآن، وله تفاصيله وبنوده وفصوله. وهو محور حساس وخطير جداً في القرآن الكريم، فهو نص عقائدي وسياسي واجتماعي وروحي وقلبي وفكري في آن واحد، وهو مما سنحاسب عليه أول ما ندخل القبر، حيث يُسأل المرء: من ربك؟ من نبيك؟ من إمامك؟ فالسؤال عن الإمام هو سؤال عن حقيقة الموالاة: أهي لذلك الجانب أم لهذا الجانب؟ أهي لذلك الطرف أم لذاك الطرف؟ «وَلِيٌّ لِمَنْ عَادَاكُمْ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ وَالَاكُمْ، مُحِبٌّ لِمَنْ أَبْغَضَكُمْ، مُبْغِضٌ لِمَنْ أَحَبَّكُمْ، سِلْمٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ، حَرْبٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ».[19] وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] جانب من الآية 36 من سورة النحل.
[2] هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ت 95 هـ)، رابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عند الشيعة الإمامية. والصحيفة السجادية هي مجموعة مشهورة من أدعيته.
[3] إشارة إلى حديث الثقلين المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله): “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً”.
[4] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج4، ص549، باب “فضل زيارة أبي الحسن موسى (ع)”، ح7. ورد الحديث بألفاظ متقاربة في حق سائر الأئمة (ع)
[5] إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19].
[6] م. س.، ج2، ص126، باب الحب في الله والبغض في الله، ح6.
[7] هو الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 هـ)، صاحب كتاب “تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة”.
[8] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390 هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف في عصره.
[9] نسبة إلى الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام).
[10] هو السيد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس الحلي (ت 664 هـ)، من كبار علماء الشيعة ومؤلفاته مشهورة في الأدعية والزيارات.
[11] الحراني، ابن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول (ص).. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص304
[12] مقتبس من فقرات زيارة عاشوراء المشهورة.
[13] سورة طه: 43.
[14] سورة الفجر: 11-12.
[15] سورة طه: 44.
[16] سورة المجادلة: 22.
[17] المشهدي، محمد بن جعفر. المزار الكبير. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419هـ، ص612. وهي مروية أيضاً في مصباح الزائر. للسيد ابن طاووس
[18] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص229، ح293
[19] مقطع من زيارة عاشوراء المروية عن الإمام الباقر (عليه السلام). يُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن. مصباح المتهجد.. مؤسسة فقه الشيعة، 1411هـ، ج2، ص774
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo