47/11/21
ولاية الله وولاية الطاغوت(19) امتداد ولاية الله إلى الرسول والقربى
الموضوع : ولاية الله وولاية الطاغوت(19) امتداد ولاية الله إلى الرسول والقربى
وقد تقدم القول بأنَّ هذا المحور قد أُثير في سور قرآنية عديدة، وأنَّ تصاعد لهجة القرآن الكريم هو تعبير سائد من باب المسامحة الثقافية المعاصرة، وإلّا فليس تعبيرًا دقيقًا علميًا؛ إذ إنَّ كل ما في القرآن ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ¤ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]، والنبي (صلى الله عليه وآله) وسلم ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ¤ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].
استمرارية الوحي وخصوصية مقام النبي
فالفعل المضارع “يُوحَى” في قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ¤ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ¤ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 2-4] ينفي أي احتمال ثالث عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم. فسواء قلت نطق النبي، أم عقل النبي، أم ذات النبي، أم نفس النبي، فإنَّ حقيقته “وَحْيٌ يُوحَى”، ولم يقل “وَحْيٌ أُوحِيَ”. فليس الأمر وحيًا أُوحي إليه ثم انقطع، لتكون شخصيته بعد ذلك جهة بشرية، بل هو وحي يوحى على الدوام والاستدامة والاستمرار إلى الجنة وإلى ما فوق الجنة.
وقد مرّ بنا هذا التساؤل: هل ذكر القرآن هذا التعريف لنبي آخر من الأنبياء؟ أبدًا، فكل ما ورد في شأنهم كان بصيغة الفعل الماضي. نعم، بملاحظة سلسلة الرسل ككل، ورد قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3]، وكأنه يشير إلى سلسلة متصلة، ولكن لخصوص سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم جاء التعبير بـ”يُوحَى” للدلالة على خصوصية واستمرارية لا تنقطع.
وفي الوحي غير النبوي الذي وُصف به أهل البيت عليهم السلام، يوجد أيضًا بيان لهذه الاستمرارية، نظير قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ¤ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: 3-4]، فالفعل “تَنَزَّلُ” فعل مضارع يفيد الاستمرار. وهذا يدل على أنَّ مرتبة الوحي عند النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أعظم من القرآن نفسه.
فلا يصح القول بأنَّ حجية القرآن تعلو على حجية الرسول، بل إنَّ هيمنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم ثابتة على الثقلين، وهو القائل: “إني تارك فيكم الثقلين”، فالكل صدر منه ويعود إليه. وهذا ما يشير إليه الإمام السجاد[1] في بيانه لمقام سيد الأنبياء الغيبي المستفاد من القرآن، حيث يبيّن أنَّ النبي مهيمن على الثقلين، وفي نصوص القرآن نفسها ما يدل على هذه الهيمنة، كما في قوله تعالى: ﴿يس ¤ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2]، حيث قُدّم ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم على ذكر القرآن، وهذه التبعية ليست اعتباطية.
ولاية الله مقابل ولاية الطاغوت
وحينئذٍ، فإنَّ المحورية في سور القرآن الكريم هي المقابلة بين ولاية الله وولاية الطاغوت. ومن الواضح أنَّ القرآن الكريم يجعل ولاية الرسول وولاية القربى امتدادًا لولاية الله عز وجل، فهي ولاية واحدة في حقيقتها. وكما في الإيمان، يجعل الإيمان بولاية الرسول امتدادًا للإيمان بالله تعالى في آيات كثيرة.
وعلى هذا، يكون المقابل لولاية الطاغوت هو ولاية الله، وولاية الرسول، وولاية القربى. فما عدا هذه الولاية الواحدة بوحدتها الامتدادية، يكون ولاية للطاغوت.
فمعنى “دون الله” كما مرّ بنا، وخلافًا لما يستظهره اليهود والوهابية وما شابههم، هو دون أولياء الله من الرسل والأنبياء والخلفاء. فسجود الملائكة لآدم (عليه السلام)، لكونه امتدادًا لله، هو بالدقة سجود لله؛ لأنَّ سجودهم لآدم كان بما هو خليفة الله.
السجود لغير الله: بين التعظيم والشرك
وقد أجاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء[2] في كتابه منهج الرشاد حيث يقول ما حاصله: لو سألت رجلًا مؤمنًا شيعيًا عاميًا سجد للإمام، فقلت له: لماذا تسجد للإمام؟ لقال: لأنه وصي نبي الله. فالمرجع يعود إلى الله تعالى. ولماذا لم يسجد لغيره؟ لعدم وجود هذه الإضافة إلى الله. وهذا نظير السجود للكعبة، فهو لكونها “بيت الله”، أي أُضيفت إلى الله.
ويواصل الشيخ جعفر كاشف الغطاء فيقول إنَّ هذا الفعل، على فرض كونه معصية، فهو معصية فقهية وليس معصية عقائدية، فعقيدة الفاعل سليمة، مع أنها ليست معصية فقهية أصلًا؛ إذ إنَّ من آداب زيارة المعصوم أن تعفّر خدك، وتعفير الخد نوع من السجود التعظيمي، لكنه في حقيقته تعظيم لله واحترام للإمام.
وفي جل آداب الزيارة التي رواها ابن قولويه[3] في كتابه كامل الزيارات، إن لم يكن كلها، يُستحب للزائر أن يعفّر خديه بتراب القبر، وعند الفقهاء يُعد تعفير الخد نوعًا من السجود، ولكنه سجود لله. وهذا لم يرد فقط في كتاب كامل الزييارات، بل ورد في الزيارات المروية عن المعصومين في الكتب الأربعة وغيرها، حتى تكاد تكون هذه الروايات متواترة.
فهذا الفعل ليس “دون الله”، وليس بغير إذن الله، بل هو إلى الله. ومن هنا نفهم معنى “سبيل الله”، و”وجه الله”، و”عين الله”، و”يد الله”.
صفات الذات وصفات الفعل: مفتاح فهم التوحيد
وكما مرّ بنا، فإنَّ هذه الصفات هي صفات فعل وليست صفات ذات.[4] فوجه الله هو فعل الله، وجنب الله هو فعل الله. فخلق السماوات، وهي جوهر، هو فعل الله. والمراد بالفعل هنا ما يقابل الذات، فيشمل إيجاد الجواهر المخلوقة، وهي فعل الله ابتداءً واستمرارًا. فلا نقول إنَّ المخلوق يحتاج إلى الخالق ابتداءً ثم يستغني عنه استمرارًا، بل هو محتاج إليه في كل آن. فإذا كانت الجواهر المخلوقة، فضلًا عن الأعراض، هي أفعاله تعالى، فإنَّ عناوين مثل “وجه الله” و”عين الله” و”سبيل الله” و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] هي من صفات الفعل، لا صفات الذات.
والحاصل: أننا حين نقول “سبيل الله” أو “يد الله” أو “وجه الله”، فإننا ننفي عنها الجسمية، ولكن لا ننفي عنها كونها مخلوقة لله تعالى. أما لو جعلنا صفات الفعل صفات ذاتية لوقعنا في التشبيه؛ لأنَّ الصفات الذاتية لا تُشبَّه. وكل تجسيم هو تشبيه، وليس كل تشبيه تجسيمًا. ولذلك فإنَّ الوهابية حين يريدون أن يصنّفوا أنفسهم موحدين، يجعلون صفات الفعل صفات للذات، فيقعون في التشبيه. وكذلك يفعل بعض من في وسطنا الداخلي، حين يجعل صفات الفعل صفات للذات كي لا يغلو في الأئمة بزعمه. يا أخي، هي صفات فعل، فلا تخلط بينها وبين صفات الذات، فصفة الفعل تعني أنها مخلوقة.
إنَّ فعل الله عظيم، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. و﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]. و﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]. فعل الله عظيم ومدهش، لكن هذا لا يعني أنَّ هذا الفعل العظيم هو صفة ذات لله. فاللاتناهي في كلمات الله هو صفة فعل لا صفة ذات. نعم، هي لا متناهية، ولكنها صفة فعل. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]، أي أنهم لم يقدّروا حتى صفات فعله حق قدرها، فكيف بصفات ذاته.
فالمقصود إذن، وهذه نكتة مهمة، أنَّ “سبيل الله” و”ولاية الله” هي من قبيل صفات الفعل. ولذلك اعترف المتكلمون والفلاسفة والعرفاء بأنَّ هناك علمًا هو صفة فعلية، وهناك علمًا هو صفة ذاتية. وكذلك القدرة. فإذا جعلت قدرة الله التي هي صفة فعل، صفة ذات، وقعت في التشبيه؛ لأنَّ صفات الفعل لا ترقى لكونها صفة ذات، فإذا جعلتها صفة ذات، فقد شبهت الباري بمخلوقاته. وهذه هي المغالطة التي يقع فيها الوهابية واليهود وغيرهم. إنَّ صفات الفعل لا تُحدّ ولا تُغلّ، بل هي لا متناهية من جهة إضافتها إلى الله تعالى، ولكنها تبقى صفة فعل وليست صفة ذات.
وفي سورة الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ¤ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]. فـ”ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ” هي صفة لـ”وجه”، وليست صفة لـ”ربك” في هذا السياق النحوي. فالوجه، مع أنه مخلوق، وُصف بذي الجلال والإكرام بلحاظ إضافته إليه تعالى. وهذا هو الموضع الذي يخطئ فيه الغلاة والمقصرون على السواء؛ فهم لا يدركون أنَّ هذه العظمة هي بما هو نسبة إلى الله، وبما هو تجلٍّ إلهي، وبما هو خليفة الله. فالعظمة للإضافة: فعل الله، سبيل الله، صراط الله.
إذًا، ولاية الله، مثل قدرة الله، لها قسمان: قسم هو صفة فعل، وقسم هو صفة ذات. وهكذا كل الصفات الكمالية، جلها إن لم يكن كلها.
فإذاً، المقابلة في هذه المنظومة العظيمة بين ولاية الله وولاية الطاغوت واضحة بلحاظ الولاية الممتدة لله تعالى. ومثل ذلك قول الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 22]، حيث أُضيفوا إلى الله، بخلاف قوله في المقابل: ﴿أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: 19].
فمن الواضح إذن أنَّ هذا التقابل بين ولاية الله وولاية الطاغوت معناه أنَّ من يقابل ولاية الطاغوت، وهو الولي الممتد من الله، قد أُخذ في حقيقة التوحيد بنص آية الكرسي. لأنَّ المراد بولاية الله هو ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم وولاية قربى الرسول.
التوحيد الأفعالي ودخالة الشهادتين في حقيقته
وهنا نتساءل: هل يجعل الدين من لم يقر بالأصل الثاني، أي الشهادة الثانية، موحدًا؟ لا. وما دخل الأصل الثاني، وهو الشهادة للرسول قلبًا وفكرًا ولسانًا، في التوحيد؟ إذا استطعت أن تتفهم دخالة الشهادة الثانية في التوحيد تكوينًا لا اعتبارًا، فهمت المسألة. فما هو التوحيد؟ هل هو ذات الله فقط؟ ألم تسمع بالتوحيد في مقام الأفعال؟[5] وهل يقتصر التوحيد وينحصر في التوحيد في مقام الذات والصفات، أم أنه يمتد إلى مقام الأفعال؟ إنه يمتد حتمًا. فكيف تريد أن تجعل التوحيد، كما يفعل الوهابية واليهود، محصورًا في الأصل الأول فقط؟
أم يمتد التوحيد إلى مقام الأفعال؟ إنَّه يمتد قطعاً. فكيف يُراد حصر التوحيد في الأصل الأول فحسب، كما هو مسلك الوهابية واليهود؟ إنَّ الكلام ليس في الظهور، بل في ضرورة بديهية في الدين، والتمسك بالبديهيات أخطر من التمسك بأي شيء آخر، فالبديهيات فيها كنز لا ينفد، ولكن لمن يتنبّه.
والشاهد على ذلك ما ورد في سورة المنافقين، فإذا جاء المنافقون قالوا: نشهد إنَّك لرسول الله، وقد ركّزت الآيات على الأصل الثاني؛ ومقتضى ذلك أنَّ التوحيد يمتد ليشمل أصل النبوة، فأصل التشهد يُؤخذ فيه الأصل الثاني، والتشهد بالتوحيد لا يستتم من دون الأصل الثاني، مع أنَّ الأصل الثاني مخلوق. يقول الوهابية: وحِّدوه. نعم، ولكن كيف يتحقق توحيد الله؟ إنَّ الحمد لله وحده، ولكن كيف توحِّد الله في الحمد؟
﴿…وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون - 1]، ففي الأصل الثاني عندهم خلل، وهذا الأصل الثاني الذي عندهم فيه الخلل هو سبب كونهم في الدرك الأسفل، لا الأوسط، من النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ…﴾ [النساء - 145]. وما الذي يجمع الله به المنافقين والكافرين؟ يقول تعالى: ﴿…إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء - 140]. نعم، كم من كافرٍ بالأصل الثاني جهاراً؟ المنافق لا يكفر بالأصل الثاني جهاراً، ولكنهم في الهوى سواء.
والحاصل: أنَّ الأصل الثاني أُخذ في حقيقة التشهد، وأُخذ في صميم التوحيد، وفي أصل الإسلام، وفي أصل الدخول في الإسلام، وهكذا الحال في الأصل الثالث، وهو الولاية. وقد مرَّ بنا أنَّ خلل إبليس لم يكن في معرفته بالله، ولا في معرفته بنبوة آدم، ولا في معرفته بالمعاد أبداً، بل كان خلله في الولاية؛ فهو لا يوالي الله، ولا رسوله، ولا المعاد الذي هو ولي الله.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿…وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء - 64]، ولكنهم ﴿…لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون - 5] كإبليس. فخلل إبليس في الولاية، وهؤلاء المعرضون خللهم في الولاية. إذاً ليس الخلل في معرفتهم بإرهاصات النبي الغيبية، فهم يعرفونها، ولكنهم لا يخضعون لها ولايةً. فالمعرفة بدون ولاية هباءً منثوراً. وما الإسلام إلا ولاية الله، وولاية الرسول، وولاية قربى الرسول.
الشهادة الثالثة: ضرورة عقدية ودلالة قرآنية
أصلاً، إنَّ حقيقة الإسلام وواقعيته شيء، وصوريته شيء آخر؛ فالمنافقون يُعاملون معاملة المسلمين صورةً، ولكن واقع الإسلام لا ينفك عن الولاية. وإذا تأملنا نلاحظ أنَّ هذه المنظومة تتناغم تماماً وتنطبق مع آية الكرسي، حيث تجعل الولاية لله وامتداد ولاية الله في الرسول والقربى، فصارت أصول الولاية ثلاثة ممتدة بعضها ببعض، وليست ثنائية.
فإن قيل: إنَّ بعض الروايات وردت في التشهد ثنائية. قلنا: إنَّ ذلك محمول على التقية. وما دافع التقية؟ إنَّه الخوف الخطر المحدق، كما تشير آية الغدير في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾ [المائدة - 67]. وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء - 65]؛ فالتصديق بالنبوة لا يكفي، بل لا بد من الولاية، أي أن يحكِّموك ويسلِّموا تسليماً.
إنَّ أصل الإيمان رهنه الله وعلّقه على الولاية به وبرسوله. ومما يؤكد ذلك أنَّ روايات الاكتفاء بالشهادتين لم يفتِ بمضمونها أحد من الفقهاء، فلماذا؟ لأن الصلاة على النبي وآله واجبة ولم تُذكر فيها. فهذه الروايات مقيدة، كما تُقيَّد بوجوب الصلاة على النبي، كذلك تُقيَّد بأدلة الشهادة الثالثة. فدعوى أنَّ الشهادتين تجزي عن الصلاة على النبي والآل مردودة بضرورة المذهب القاضية بوجوب الصلاة على النبي والآل كقيد لازم.
وهذه الروايات التي لسانها “يجزيك الشهادتين” محمولة على التقية لأسبابها. فإن قيل بعدم وجود التقية في البين، فماذا نصنع بقول الله عز وجل: ﴿…وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…﴾ [المائدة - 67]؟ وماذا يعني “يعصمك من الناس”؟ إنَّه يعني أنَّ سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) كان في حالة تدبير خطير، وكانت هناك زلزلة قائمة. فإذا كان هذا حال سيد الرسل نفسه، فكيف بالأئمة من بعده؟ هو صاحب الرسالة، ودقق في عبارة ﴿…وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…﴾، فلم يقل يعصمك من فئة معينة، بل من الناس.
يقول الإمام الهادي (عليه السلام): “أشفق الرسول”[6] . فكيف يُقال بعد هذا إنه ما كانت هناك تقية؟ إنَّ نص القرآن الكريم صريح: ﴿…وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…﴾. فهل كان سيد الرسل يستطيع أن يجهر بالشهادة الثالثة في الأذان أو في تشهد الصلاة؟ إنَّ أصل الشهادة الثالثة كمعتقد في العقيدة لم تكن الأمة لتستجيب له بسهولة، فكيف بفرع من فروع الدين كأداء الصلاة أو الأذان؟
فالذي يقول ليس في البين تقية، قوله عجيب غريب، والقرآن ينص على موجباتها. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾ [المائدة - 67]، أي أنَّ الرسالة تكون كأن لم تكن. وبناءً على هذا، يجب أن نتعرف على حقيقة الكفر وحقيقة الإيمان.
إنَّ الآية إذا تُدُبِّر معناها، يتضح الأمر. ولذا نجد السيد الخوئي قدس سره يتفق مع السيد بحر العلوم[7] في هذا المضمون، حيث يقول السيد الخوئي في شرحه على العروة في كتاب الصلاة باب الأذان: “إنَّ دلالة الآية على مطلوبية ثلاثية الشهادات أمر لا شبهة فيه”[8] . لا شبهة في أنَّ الآية تؤكد على ثلاثية التشهد. وهذا بحث آخر، لكنه يقر بأنَّ دلالة الآية بديهة، وليس فقط على الاعتقاد بالشهادات الثلاث، بل على لسانها. وهذه بديهة يقول بها السيد الخوئي، كما قال بها بحر العلوم قدس سرهما. فالدليل لا يختص بالأذان، بل يشمل أي تشهد، فهو حقيقة واقعية للتشهد.
والشاهد أنَّ القرآن ينص في أعظم موقف امتحن فيه النبي (صلى الله عليه وآله) في كل مدة رسالته التي دامت ثلاثاً وعشرين سنة، وهو موقف زلزال عظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾ [المائدة - 67]. إن لم تفعل، فلا دين، ولا رسالة، ولا شيء أصلاً. إنَّه نفي مطلق. فكيف يقال بعد هذا إنَّ القضية ثنائية؟ بل هي ثلاثية حتماً بتّاً.
هذا القيد ليس قيداً هيناً، فالله لا يرضى بالشهادة الناقصة، ولا يرضى بالتكذيب. فقوله تعالى “لا أرضى” يعني أنَّ العمل لا يصح، وهو باطل عاطل. وأي شيء أصرح من هذا؟ فإذا تدبر الإنسان، يلتفت إلى قوة الدلالة، بل بداهتها التي لا تحتاج إلا إلى التفات وترك الغفلة.
وقوله تعالى: ﴿…الْيَوْمَ… رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ [المائدة - 3]، يقول السيد الخوئي: لا شبهة في أنَّ المراد من “اليوم” ليس مجرد الاعتقاد بالولاية، بل صدق التلفظ والتشهد بها. فالإسلام يعني التلفظ بالشهادتين، وليس فقط الاعتقاد، فالاعتقاد مفروغ منه. وهذا ما يؤكده السيد الخوئي في شرح العروة، وكذلك بحر العلوم. فالمراد باليوم هنا حتى التلفظ باللسان.
وأزيد من هذا النداء الصارخ من القرآن الكريم، أنَّ رضا الرب بالشهادتين مقيد بماذا؟ كيف يُحتمل أن يرضى الرب بالشهادتين مجردتين؟ وكما أنَّ روايات “يجزيك الشهادتين” قُيِّدت بالأدلة الساطعة على وجوب الصلاة على النبي والآل، فلم يعمل أحد من الفقهاء بإطلاقها، بل قيدوها بما دل على وجوب الصلاة على النبي والآل، فكذلك يجب تقييدها بما دل على الشهادة الثالثة. وهذا التقييد ليس شيئاً هيناً، لا سيما مع وجود نص قرآني يبين هوية الحقيقة الشرعية للتشهد أينما كان.
فالله لا يرضى بالشهادتين إلا بالشهادة الثالثة، لا في الدخول في الإسلام والإيمان والدين فحسب، بل في كل موطن للتشهد. فعجباً! كأن الله يكتفي بالشهادة الأولى دون الثانية في موطن دون موطن! هذا لا يصح، فهي حقيقة شرعية واحدة لا تتبدل ولا تتغير.
تقييد روايات الشهادتين بضرورة المذهب
وبتعبير أوضح، يقول السيد المرتضى[9] في رسائله: إنَّ نفس التقييد بالضرورة قائم، فهذه الرواية التي تقول “يجزيك الشهادتان” يجب تقييدها بما دل على الصلاة على النبي والآل، والصلاة على النبي والآل هي من لوازم الشهادة الثالثة ومقدماتها. ففي حال التقية، يُكتفى بها، وفي غير حال التقية، يجب التصريح بالشهادة الثالثة. ويقول إنَّ هذه ضرورة إسلامية، وليست مجرد ضرورة مذهبية. وهذا أحد وجوه الوجوب عنده. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.