47/11/18
ولاية الله وولاية الطاغوت: بين مفهوم الندية وصفات الفعل
الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت: بين مفهوم الندية وصفات الفعل
كنا في هذا البحث في آية الكرسي، وهي ولاية الله وولاية الطاغوت. وقد مرّ بنا أنَّ القرآن الكريم يجعل مقابلة بين الله وبين الطاغوت، مع أنَّه قد ورد عن الأئمة عليهم السلام في بيانات متعددة أنَّه لا يُنادّ الله بشيء من مخلوقاته.
والشاهد على ذلك: قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾[1] . فمتى يكون المخلوق ندّاً؟ يوضح ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ﴾[2] .
**
معنى الندّ لله في القرآن
واللطيف في المقام:** أنَّ الندّ لله ليس أي مخلوق يُحَب، بل هو من يصدّ عن سبيل الله. فمتى يكون المخلوق ندّاً لله؟ يكون كذلك إذا كان يصدّ عن سبيل الله. وفي التنظير العقائدي، وليس هذا من باب التحامل بل هي حقيقة واقعة، توجد وفاقات بين التنظير الوهابي والتنظير اليهودي؛ علم بذلك من علمه وجهله من جهله، وهذه الأفكار الموجودة عند الوهابية بالدقة هي يهودية، أي نفس متبنيات اليهود.
فليس كل مخلوق إذا وددته هو ندّ لله. والضابطة: أنَّه يكون ندّاً لله إذا كان “دون الله”. ومقتضى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ﴾ أنَّ معنى “دون الله” هو ما كان في مقابل “سبيل الله”.
أما إذا كان هناك مخلوق كالرسل والأنبياء، فهم يقودون إلى سبيل الله، فهؤلاء حاشاهم أن يكونوا أنداداً؛ إذ هم لا يقودون البشرية إلا إلى سبيل الله، فليسوا “دون الله”، بل هم “سبيل الله” والقادة إليه.
**
الندية في الحاكمية ومكر الطواغيت
وتأسيسًا على ذلك، ** نجد آية عميقة الدلالة في سورة سبأ، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾[3] .
والسؤال هنا: ما هو مؤدّى قوله: ﴿نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾؟ هل الندية التي جعلوها هنا هي ندية في أزلية الوجود؟ كلّا، بل هي في اتباع الطواغيت في سلطان الحكم فكراً وقلباً، وهو ما يعتبره الله عز وجل كفراً به.
وهذا شبيه بما قاله القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[4] . ومفاد الآية هو الانقياد العملي والقلبي والنفسي إلى أبعد حد، أي حتى ينقادوا للنبي (صلى الله عليه وآله) في الحكم السياسي والقضائي والعسكري وكل شيء، قلباً وفكراً وإلى منتهى الانقياد. فحينئذ فقط يثبت لهم الإيمان بالله وبرسوله. والنتيجة: أنَّ القرآن الكريم يربط الإيمان بالله ورسوله بمسألة الحاكمية.
نعود إلى الآية في سورة سبأ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. وفي هذا دقة لطيفة، وهي أنَّ دين الظالمين وحكام الجور يقوم على اضطهاد الشعوب بالمكر. وقولهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يشير إلى استمرارية هذا المكر على مدار الساعة، فهو إعلام مظلم لا يتوقف.
ومثال ذلك: فرعون، الذي وصفه الله عز وجل بأنَّه طاغوت، حيث يعبر القرآن الكريم عن فعله بقومه بقوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾[5] . وكيف تمكن من الطغيان عليهم؟ يجيب القرآن: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾[6] . وهذا يؤكد أنَّه لا جبارية إلا لله، ولا تجبر إلا لله، ولا سلطان إلا لله، ولا حاكمية إلا لله، وإلا فإنَّ لقلقة اللسان بكلمة “لا إله إلا الله” تصير لقلقة جوفاء خاوية.
والحاصل: أنَّ الألوهية في القرآن ليست مجرد عبادة الأصنام أو الطقوس الروحية والدعاء، بل إنَّ أخطر صور الشرك هو منازعة الله في سلطانه. فليس الشرك والألوهية بمعنى ادعاء الأزلية، إذ لا يوجد أي نص قرآني يبين أنَّ الأمم المشركة ادعت الأزلية في آلهتها، بل ادعوا أنَّ لآلهتهم سلطاناً يشارك سلطان الله، وحكماً يشارك حكم الله، وحاكمية تشارك حاكمية الله.
والشاهد: قول فرعون لموسى (عليه السلام): ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾[7] . فقوم فرعون لم يكونوا يجحدون وجود الله عز وجل، بل كانوا يجحدون حصر السلطان بإله الآلهة.
وبالتدقيق: نجد أنَّ الفرق المشركة على طول التاريخ وإلى يومنا هذا لا تدعي الشرك الفلسفي، أي الأزلية الثنائية التي يتكلم عنها الفلاسفة والمتكلمون، وإنَّما شركهم هو منازعة الله في صلاحياته، وهذا هو معنى التأليه في القرآن. فلما تقول “لا إله” فإنَّ معناها العميق هو: لا حاكمية ولا ولاية إلا ولاية الله، فأهم ما نصبه الله هو الولايات.
نرجع إلى سورة سبأ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾. فكيف يجر الظلمة والطواغيت الشعوب إلى ولايتهم وحاكميتهم؟ إنَّما يفعلون ذلك بالمكر، عبر إعلام قائم على الخداع، وأخبار ومعلومات مضللة يرجف بها المرجفون. فجعل الأنداد لله هنا ليس في الأزلية أو السرمدية، بل هو ندية في التشريع والحاكمية.
تنبيه: ورد في بيانات أهل البيت عليهم السلام في تفسير معنى “الله أكبر” ما يفيد بأنَّ تفسيرها بـ “الله أكبر من كل شيء” قد يكون فيه شائبة شرك خفي؛ لأنَّه يضع الله تعالى في مقارنة مع الأشياء، وإن كان لإثبات تفوقه عليها، وهو ما لا يليق بمقامه الأقدس الذي لا يقاس به شيء.[8] وكذلك القول: “الله أعظم من كل شيء” أو “الله أعلم من كل شيء”. وقد يرد مثل هذا التعبير في بعض البيانات على نحو المداراة والمجاراة لفهم العامة، لكنَّ المراد الحقيقي أعمق من ذلك، إذ إنَّ بعض البيانات الأخرى تصرح بأنَّ هذا الفهم، وإن كان ظاهره توحيداً، إلا أنَّ باطنه شرك خفي.
وهو بحث دقيق وعميق، من القضايا العقائدية التي لا يرقى إليها طير الفلاسفة ولا العرفاء. فإذاً، الندية التي اتخذها المشركون لم تكن في الأزلية أو الأبدية، بل في صلاحيات الحكم والتشريع.
ويتفرع على ذلك: أنَّ الندية هي أن تجعل من “دون الله” حاكماً تشريعياً أو سياسياً. والسؤال المحوري: هل حكمه بإذن الله أم من دون إذنه؟
**
تفسير “دون الله” بين الحق والباطل
وهنا يقع الخلط، ** فالوهابية يفسرون “دون الله” بمعنى “مخلوق مغاير لله”، وهذا تفسير باطل. والصواب: أنَّ “دون الله” يعني “بغير إذن الله”. وإلا فعلى بيانهم الباطل، يكون الرسل والأنبياء “دون الله” لأنَّهم مخلوقات والمخلوق يغاير الخالق، وهذا تحريف عقائدي وهدم لأصل الدين. فقولهم بأنَّ “دون الله” يعني مجرد المغايرة للمخلوقية هو قول باطل، وقد سرت هذه الفكرة المنحرفة للأسف حتى في بعض الأوساط.
والتحقيق: أنَّ “دون الله” ليس بمعنى مخلوق في قبال الخالق، بل بمعنى “بدون إذن الله”. فالرسل والأنبياء هم “سبيل الله”، وما يقابلهم هو “دون الله”، أي الجبت والطاغوت.
فائدة لغوية: لماذا سمي “الجبت” بهذا الاسم؟ قيل إنَّ التاء فيه زائدة، وأصل الكلمة في علم الصرف هو “جَبَّ” بمعنى قطع، فالجبت هو الذي يقطع الطريق إلى الله. فالمنظّر لكل باطل يسمى “جبتًا”، أما “الطاغوت” فهو الذي ينفذ انحرافات ذلك المنظّر لقطع السبيل إلى الله. فالمنظّر شيء، والمُجري شيء آخر؛ المُجري هو الطاغوت، والمنظّر هو الجبت. وهذا اصطلاح قرآني وحياني دقيق. فالجبت والطاغوت كلاهما يندرج تحت عنوان “دون الله”، أما ما يدعو إلى الله فهو “سبيل الله”.
الأنبياء والرسل هم سبيل الله وسبل الله، وهم الطريق والصلة إليه، ومن ثم يسمون في لسان الروايات “وجه الله” و”عين الله” و”يد الله”.
ومثاله: أنَّ النبي عيسى (عليه السلام) سُمي “روح الله”. فهل معنى ذلك أنَّه جزء من الله؟ كلّا، بل هي إضافة تشريفية، فهو “روح الله” وليس “دون الله” بالمعنى المذموم. وكذلك “وجه الله” تعني الوجيه عند الله. فالله عز وجل منزه عن أن يكون له وجه أو عين أو يد كأجزاء من ذاته.
**
صفات الذات وصفات الفعل: قاعدة التوحيد ونفي التشبيه
وهنا ملحمة عظيمة** من مذهب أهل البيت عليهم السلام، حيث يقولون إنَّ من جعل اليد عين ذات الله فقد شبه الله، ومن جعلها صفة ذاتية لله فقد شبه.[9]
والقاعدة هي: أنَّ هذه الصفات هي صفات فعل لا صفات ذات.[10] فالمشبهة، قاتلهم الله، سواء من الخاصة أو من العامة، يجعلون وجه الله صفة ذاتية. وعين الله ليست صفة عين الذات، بل هي صفة فعل مخلوق. وجنب الله صفة فعل، فمن جعلها صفة ذات فهو مشبه وفي ضلال مبين. كل هذه ليست صفات ذاتية، بل هي صفات فعل.
إنَّ القرآن الكريم مليء بهذه التعبيرات، فنجد ما يقارب مئة موضع باشتقاقات مختلفة مثل: ﴿بِيَدِهِ﴾، ﴿أَيْدِينَا﴾، ﴿جَنبِ اللَّهِ﴾، ﴿يَدُ اللَّهِ﴾، ﴿بِيَدَيَّ﴾، ﴿أَعْيُنِنَا﴾. فإذا جعلت أيها الباحث هذه صفة ذات، فأنت من المشبهين وفي ضلال مبين. فالخلاصة: أنَّ اليد صفة فعل، لا صفة ذات. وليس المقصود فقط الفعل الصادر من اليد، بل نفس اليد المنسوبة إليه تعالى هي صفة فعل. ومن جعلها صفة ذات فهو مشبه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾[11] ، فهل الوجه هنا صفة ذات؟ إن قلت إنَّها صفة ذات، فأنت مشبه ومجسم، ورب الكعبة، وفي ضلال مبين.
ودقق هنا: حتى لو أوّلت اليد بالقدرة، ولكنك قلت إنَّها صفة ذات، فأنت مشبه أيضاً؛ لأنَّك جعلت صفة الفعل صفة ذات. وحتى لو أوّلت الوجه والعين واليد بمعنى غير جسمي، فلا يكفي نفي الجسمية. يجب أن تقر بأنَّ هذه الصفات هي صفات فعل، كما نؤمن بصفات الذات. فلا يجوز لك أن تجعل الفعل، وهو مخلوق، صفة للذات.
فسبيل الله ووجه الله، هل هي صفات ذات؟ كلّا، بل هي صفات فعل.
كل هذه صفات فعل، [12] لا أقول الفعل الصادر من اليد، بل نفس اليد هي صفة فعل، فإن لم تجعلها صفة فعل فأنت مشبّه، [13] وهو أخطر من المجسّم، [14] بل هو مثله.
وأما قوله تبارك وتعالى في شأن الوجه، فهل هو صفة ذات؟ إن القول بأن المراد من ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ في الآية الكريمة هو صفة ذات، هو عين التشبيه، والوقوع في ضلال مبين والتجسيم.
تنبيه: حتى لو التجأ المتكلم إلى التأويل، ففسّر اليد بالقدرة، والعين بالبصيرة، والوجه بالذات، ثم جعل هذه المعاني المؤولة صفاتٍ ذاتية قديمة، فإنه لا يخرج بذلك عن كونه مشبّهاً؛ لأن صفة الفعل ليست صفة ذات. فمجرد نفي الجسمية مع إثبات كونها صفة ذات لا يكفي للخروج من إطار التشبيه.
فالواجب هو القول بأن هذه الصفات هي من صفات الفعل، فكما نؤمن بصفات للذات، نؤمن بصفات للفعل. وليس للباحث أن يجعل الفعل، وهو مخلوق، صفة للذات، فإن ذلك محال.
وعلى هذا المنوال، فإن “سبيل الله” و”وجه الله”، هل هما من صفات الذات؟ كلا، بل هما من صفات الفعل.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/L-JlY7pnfSo