« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/11/17

بسم الله الرحمن الرحيم

ولاية الله وولاية الطاغوت (17) الألوهية والحاكية في الأرض

 

الموضوع : ولاية الله وولاية الطاغوت (17) الألوهية والحاكية في الأرض

وكأنما أم الانحرافات، وأم الأزمات، وأم الباطل، وأم الشرك والكفر، من أين تنطلق؟ إنها تنطلق من الطغيان.

دور إبليس في دول الباطل ومشاركته في المعارك

وحتى إنَّ إبليس، أعاذنا الله تعالى منه، كما ذكر القرآن الكريم وذكرت روايات أهل البيت عليهم السلام، له دولٌ ودولة، فكل دولة باطل تعتبرها بيانات أهل البيت دولةً من دول إبليس. وليس هذا المقصود مجرد شعارٍ، بل هو بيانٌ حقيقيٌّ استراتيجيٌّ، مؤداه أنَّ إبليس يقوم بالإدارة في تلك الدول، بشكلٍ يلمسه البشر أو لا يلمسونه، ويحس به البشر أو لا يحسون به. وقد يسمي ذلك بعضهم خرافة، ولكن القرآن لا يسميه كذلك.

وقد بلغ الأمر إلى درجة أنَّ القرآن الكريم ذكر أنَّ إبليس شارك في معركة بدر، وهي معركة مصيرية فاصلة لمصير الإسلام وسيد الأنبياء من جهة، ومصير الكفر من جهة أخرى؛ فشارك فيها عسكرياً وأمنياً وإدارياً. فإن كانت هذه التعبيرات مجازيةً، فذلك شأن من يقول به، أما المحققون من كلا الفريقين فيقولون إنها بيان حقيقي، لا مجاز فيه ولا خرافة.

وهذا يدل على أنَّ إبليس قام بعملٍ أمنيٍّ لإخفاق المسلمين أهل بدر، والله عز وجل قوّض هذا التخطيط الإبليسي. هذا في المعركة، بل وفي تدبيرٍ قبل قيام المعركة، كما يشير قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة الأنفال - 11]. والسؤال: لماذا يصيبهم رجزٌ من الشيطان؟ لأنه يسبب هبوط المعنويات، وهذا عملٌ أمنيٌّ التفتت إليه عدسة القرآن الكريم.

وفي مقابل رجز الشيطان يأتي الربط على القلوب، فالإنسان في حالة الطهارة يكون أشد رباطاً، بينما في حال عدم الطهارة، كالجنابة، يكون في معرض الضعف وفقدان رباط القلب.

والحاصل: أنَّ القرآن الكريم حافلٌ ببيان تأثيرات إبليس والشياطين على أفعال الدول والمجتمعات، أي على الفعل الجمعي. فإذا حصرنا التفكير في إبليس وشياطينه في حدود الصرع أو مس الشيطان، فإننا نكون قد غفلنا عن أنشطتهم الكبرى واقتصرنا على أمورٍ تعد في منظومتهم من التفاهات.

ومثال ذلك: ما جرى مع آدم وحواء عليهما السلام، فإن مصيرهما انعكس على كل مسيرة نسل البشرية. فانظر أين يذهب إبليس وأين يستغل الفرص؟ إنه يستهدف القضايا المصيرية.

ففي قصة النبي إبراهيم (عليه السلام)، تذكر نصوص الفريقين أنَّ إبليس تمثّل وذهب إلى هاجر أم إسماعيل ليقول لها: إنَّ هذا النبي إبراهيم قد كبر سنّه وخَرِف، فهو يريد أن يذبح ابنه. وهذا شبيهٌ بمنطق من قال في حق رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إنَّ الرجل ليهجر”.[1] فإبليس ذهب إلى هاجر وقال: صحيح أنَّ إبراهيم نبي، لكنه الآن قد أصابه ما يشبه الخرف والنسيان. فانظر إلى هذا المنطق الشيطاني العجيب، وكيف أنه يتوجه إلى القضايا المصيرية.

ومثال آخر: الذي زجّ بقوم لوط في الفساد الاجتماعي الأخلاقي، من هو؟ تذكر روايات الفريقين أنه إبليس.[2] فإن كنت لا تصدق ذلك لأنك بنيت قناعتك على أنَّ النظام المادي هو الحقيقة الوحيدة، وأنَّ ما وراءه من الغيب خرافة، فإن هذا النمط من التفكير هو الخرافي بعينه. فقوم لوط، كان سبب الانحراف الأخلاقي الذي حدث لهم هو إبليس، مما يدل على أنَّ لديه منظمات وخططاً تسبب انحراف مجتمعات بأكملها، لا مجرد انحراف فردٍ أو فردين.

وهذا ينسجم مع خطابه للباري عز وجل حول البشر: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الحجر - 39]، فهذا هدفٌ اجتماعيٌّ وأمميٌّ يطال كل القرون.

ولكن بعض المفسرين، ويا للأسف، يفسر القرآن بمنطق الفقه الفردي، فيتعامل مع الظواهر الكونية والعقائدية من بعدٍ فرديٍّ، وينسى البعد السياسي والاجتماعي والحضاري، وهي مشكلة في التفسير، حيث يتم تناسي البعد الحضاري والسياسي في القرآن.

وهكذا الحال في قضية إبليس ومشروعه، حيث يقول تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [سورة يس - 60]. لم يقل يا بني قرنٍ معين، أو يا بني وطنٍ معين، بل الخطاب لكل سلسلة البشرية. وقد سمى الله طاعة الشيطان عبادة.

الألوهية بمعنى الحاكمية والولاية

وفي ضمن هذا المبحث، يمكن استظهار معنىً دقيقٍ من بيانات أهل البيت عليهم السلام، وهو أنَّ الألوهية معناها الحاكمية والحكومة، وليست مجرد الطقوس الروحية، بل إنَّ الطقوس الروحية مقدمة لهذه الحكومة والحاكمية. وسنأتي على شواهد كثيرة من الآيات والسور تثبت أنَّ قولنا “لا إله إلا الله” يعني “لا حاكم إلا الله”؛ حاكم تكويني، وتشريعي، وحاكم دولة، وحاكم ملكوت، وقدرة، بكل أبعادها.

فلا ينبغي أن نعتقد أنَّ الألوهية هي “الواجب الوجود” بالمعنى الفلسفي أو الكلامي فقط، بل الألوهية تشمل معنى الحاكمية، والميول، والوله تجاه صاحب القدرة السياسية وغيرها. ومن ثم يمكن تبرير وتفسير إقحام آية الكرسي لمفهوم الطاغوت، حيث إنَّ كمال التوحيد هو الكفر بالطاغوت.

إنَّ الطقوس الروحية الفردية إنما تكتسب بعدها الحقيقي حين تصبح ذات بعدٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ وسلطويٍّ، وحينئذٍ تصير عبادة.

ولذلك يؤكد أهل البيت عليهم السلام في بياناتهم المتعددة، وليس ذلك عبثاً أو جزافاً، أنَّ الطاعة عبادة، والعبادة طاعة، وأنَّ حقيقة العبادة هي الطاعة. وكلما صارت الطاعة أخطر، صارت العبادة أخطر.

انظر إلى هذا التعبير في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾، حيث سمّى طاعة الشيطان عبادة. فالعبادة ليست مجرد طقوسٍ روحية فردية، بل هي قضية الانقياد المطلق، فالانقياد والطاعة هما حقيقة العبودية والعبادة، وإنما تمارس الطقوس الروحية لأجل تحقيق غاية الانقياد.

حتى المشركون أنفسهم، كما يقرر القرآن الكريم، لم يكن جلهم يعتقدون في آلهتهم أنها واجبة الوجود. فكيف وصفهم القرآن بأنهم اتخذوا آلهة؟ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص - 5]. فأي ألوهية هذه التي عند المشركين؟ هل هي الاعتقاد بأنها واجبة الوجود؟ لا، بل القرآن يخبرنا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان - 25]. فهم لا يصفون آلهتهم بالخالقية، ومع ذلك سماها القرآن آلهة.

إذن، ما هي الألوهية التي يحاربها القرآن الكريم إذا نُسبت لغير الله؟ هل هي مجرد الوصف بأنه واجب الوجود، أو بالخالقية والرازقية؟ لا، بل هي أخطر من هذا. إنها كل وصفٍ ينتج عنه الطاعة المطلقة، والانشداد الخضوعي القلبي والفكري لطرفٍ ما، فهذه هي الألوهية.

فإذا ألهنا فكراً وقلباً طرفاً مخلوقاً من دون أمرٍ من الله، وبحيث لا يؤدي بنا إلى الله، فهذا المخلوق يصبح إلهاً. وهذا هو معنى التأليه، وليس معناه أن تصفه بواجب الوجود، فهذا تفسير فلسفي أو كلامي ضيق. إنما سمي إلهاً لأنك تنشد إليه وتخضع وتنقاد له “من دون الله”، أي لأنه لا يؤدي بك إلى الله.

وإن كان المشركون يدعون غير ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [سورة الزمر - 3]، فقد سمى الله فعلهم هذا عبادة.

إذاً، مصطلح الألوهية لم يتبلور بعد بشكلٍ دقيقٍ إلا عند من ينبه عليه أهل البيت عليهم السلام. “لا إله إلا الله” ما معناه؟ لا حاكم على الإطلاق. أما الحاكم الذي يأمر بأمر الله ومن قبل الله، فهو ليس إلهاً، بل هو سبيلٌ يوصل إلى الله. وأما الحاكم الذي ليس من قبل الله، فهو ما يسمى “من دون الله”.

فالنبي عيسى على نبينا وآله و(عليه السلام)، إنما عبدته النصارى حين اعتقدت فيه أنه يحكم مستقلاً لا من قبل الله، وهنا صار تأليهاً، كما تشير آيات عديدة كقوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة - 116]. أما إذا كان عندك ولهٌ بالنبي عيسى بما هو خليفة الله، وسبيل الله، ووجه الله، فهذا ليس تأليهاً. فمتى يكون التأليه؟ إذا استقل في الحاكمية والطاعة. فالمشكلة هي في كونه “دون الله”، أي ليس “بإذن الله”.

نرجع إلى قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. فهم لم يعتقدوا أن هذه الأصنام خالقة، والنبي إبراهيم (عليه السلام) يحتج عليهم وهم لا ينكرون أنها مخلوقة.

ويتحصل من ذلك أنَّ هذا البيان العظيم المأثور عن أهل البيت عليهم السلام قد خفي على كثيرٍ من المفسرين من الفريقين إلا من ندر، حيث غلب التفسير الكلامي أو الفلسفي أو الفقهي، فصار واقع الحال في مسار، والتفسير الصحيح في مسارٍ آخر. وهذه معادلة خطيرة في فهم المنظومة القرآنية.

فهذا التشدد القرآني في الخطاب ينبهنا على أنَّ دلالة المنظومة المعلوماتية التي يؤكد عليها أهل البيت عليهم السلام هي أنَّ معنى الألوهية والشرك والكفر في الوحي مرتبطٌ بالطاغوت. إبليس صاحب الدول هو طاغوتٌ لأنه استكبر. فهل يعتقد إبليس في نفسه أنه واجب الوجود أو أزليٌّ أو خالق؟ لا. إذن أي شركٍ وكفرٍ عند إبليس؟ إنه الاستكبار، فالطغيان والتمرد معلولٌ للاستكبار. والاستكبار نفسه شيء كاذب، لأن المخلوق كيف يستكبر وأي كبرٍ عنده؟ والاستكبار مرادفٌ عقليٌّ للطغيان، فأينما ذكر الاستكبار في القرآن كان مقترناً بالظلم والجبروت والطغيان.

إذاً، معنى الألوهية في “لا إله إلا الله” وفي كل بيانات الوحي، مرتبطٌ بالولاية والحاكمية في كل أصعدتها. وكما ورد في بعض نصوص الزيارات: “دولة الله ودولة أعداء الله”.

ونلاحظ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة - 31]. فأي ربوبية هذه؟ هل اعتقدوا أنهم واجبو الوجود أو خالقون رازقون؟

فما هو منطق القرآن في الشرك والربوبية والعبودية والألوهية؟ إنه الطاعة. فإن كان مصدر آمرية الطاعة هو الله، فهذا ليس من دون الله. وإن كان من دون الله، فستكون تلك الطاعة تأليهاً وطاغوتاً.[3]

ستكون طاغوت ألوهية. لاحظ فرعون ماذا يقول.

إذن، هذا الاصطلاح يجب التوقف فيه مليّاً، وقد اتّسع بنا البحث عن أصل مسألة التألّه والألوهية، فما هو معناها في منطق الوحي؟ لاحظوا في سورة الشعراء، فرعون خاطب النبي موسى (عليه السلام) قائلاً: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]. فهل كان فرعون يدّعي أنّه واجب وجود أزلي؟ ماذا يدّعي؟ هل يدّعي الأزلية في نفسه؟ هل يدّعي أنّه خالق ورازق؟ نعم، إنَّ نمرود قال أنا أحيي وأميت، لكنّه لم يدّعِ الأزلية، فهل يدّعي أحدهما واجب الوجود؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: 258]؟ أنا عندي قوة تكوينية، لست آتي بالشمس من المشرق، ولكن أميت وأحيي، بمعنى أن دولة عظمى تقول: حياة البشر بأيدينا، ونمو البشر في الزراعة بأيدينا، وإدارتنا وحاكميتنا والعلوم الموجودة عندنا هي الخالقية والرازقية النمطية، من هذه الدرجة.

أقصد أنَّ فرعون عندما يخاطب النبي، فإنَّ منطقه هو عين ما ورد في قضية سورة التوبة، في الآية الحادية والثلاثين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31]. إذاً فالألوهية التي ادُّعِيَت في النبي، والربوبية التي ادُّعِيَت في النبي عيسى (عليه السلام)، هي نفسها التي ادُّعِيَت في الأحبار. والقاعدة هي: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، فإذا تحقّقت طاعة المخلوق في معصية الخالق، خرج هذا المخلوق عن حدّ المخلوقية ليصير في مرتبة الألوهية والحاكمية، فيشارك الله في ولايته، ويشاركه في حاكميته، ويشاركه في كونه مركزاً للتوجه والانقياد والخضوع.

إذًا، ما هو المراد بالتألّه المذكور في القرآن الكريم من أوله إلى آخره؟ يقول بعض الباحثين أو الأساتذة: إنَّ القرآن يستعمل الشرك والكفر كله في الوثنية وليس في الولاية. بل بالتدقيق يتّضح أنّه لا معنى للشرك في القرآن إلا ولاية الحاكمية، من أوله إلى آخره، ومن أول البشرية إلى الآن، وليس معناه ادّعاء واجب الوجود والخالقية والرازقية.

أنت عندما تنقاد إلى دولة عظمى في مصير البشر ومستقبل دولتك وبلدك، فمقتضى ذلك أن المصير بيد هؤلاء، وليس بيد الله. أنت قد ألّهتهم، فصار لسان حالك ﴿…يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ…﴾ [المائدة: 64]، ولا حول لله، والقوة بيد نمرود العصر وفرعون العصر، فهو الذي يحيي ويميت، وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. مستقبل البشرية بأيديهم، ومصير البشرية بأيديهم، وازدهار ونمو البشر بأيديهم، وليس بيد خالقك؛ فخالقك مجمّد وراء الغيب، ودعنا منه.

فما هي الألوهية؟ هي السمع والطاعة، والكرامة والاحترام، وأنت المفدّى، وأنت صاحب الجلّ جلالك، والقيادة التامة والشرعية بيدك، والتشريع بيدك، والصلاحيات كلها بيدك، وحياة ومصير البشر الراهن بيدك أنت. أما إذا كان لديك نصر من الله، فأنا لا أريد ذلك، وأحب ألا أكون آسفاً. هكذا تضغط بعواطفك، مع أنَّ الله يقول: ﴿…إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ…﴾ [محمد: 7].

أستغفر الله، وأنا أتكلم بلسان حال الطرف الآخر، وما سار الله، أستغفر الله، وناقل الكفر ليس بكافر، فطريق الله كله قشرة، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله من قولي هذا. إنّك تتحدّث عن مثاليات ومبادئ، ولكن عفوًا، هذا لا يوجد في الواقع، فالواقع بيد من؟ والتحكّم بيد من؟ ليس بيد الله، بل الواقع يتحكّم فيه هذا النمرود الجبروتي الفرعوني، هو الذي يتحكّم في الواقع. فما الذي يجب أن تفعله؟ هل أنت عاقل أم لا؟ هل لديك عقل أم لا؟ أنت لا تصلح أن تدير دولة، فإن انبطحت قليلاً لهذا النموذج، يصبح مستقبل نمو البلاد وتناميها بيده.

وقد ورد في الحديث أنَّ حداً من حدود الله يقام خير للأرض من مطر أربعين صباحاً.[4] هذا يشبعك أن تستغفر، هذه الحاجة موجودة، علمانية، إسلامية، الزلات ما هي؟ ﴿…يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ…﴾ [المائدة: 64]، جامد، ﴿…يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ…﴾ [المائدة: 64] مقدمة، والآن بلغات عصرية أخرى، نفكّر في معنى ﴿…يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ…﴾ [المائدة: 64]، لا، الله عز وجل ليس هو المؤثر الأعظم، ولا يشاركه أحد في مصير البشر الراهن ولا المستقبل.

فما هي الألوهية؟ لذلك من لطيف بيانات أهل البيت عليهم السلام، أنَّ من يقول: “لا إله إلا أنا”، يُقال له: كذبت أيها القائد، لا إله إلا أنا، فولاؤك لمكان آخر، ليس لله، ولاؤك لمركز آخر، وتوجّهك ليس لله. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ…﴾ [الجاثية: 23]، انظر استعمال القرآن الكريم، وانظر أيضاً إذا جرّدنا الآن الآيات الواردة في التألّه في القرآن، لوجدنا معنىً غير الذي ذكره المفسرون والمتكلمون والفلاسفة والفقهاء، وهو ما بيّنه أهل البيت عليهم السلام. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ فَأَضَلَّهُ اللَّهُ…﴾ [الجاثية: 23]؟ لأنك عملياً عندما تنصاع وتؤمن بأنَّ مصيرك بيد نمرود هذا العصر، فأنت قائل بخالقيته ورازقيته.

لذلك عندنا في الرواية أنَّ الدجال في آخر الزمان – ورواياته مستفيضة متواترة عند الفريقين – يدّعي أنّه هو الخالق الرازق.[5] وأي رازق خالق؟ هل معنى الخالقية هو واجب الوجود؟ لا، بل معناه أنَّ ازدهار البشر، وزراعة البشر، أي تنمية البشر، وتنمية غذاء البشر بيده هو، ليس بيد الله. والآن الكثير يقرّون بأنَّ نمرود العصر، وفرعون العصر، ازدهارهم الغذائي والمعيشي والرفاهي والخدمي بيده هو.

وهو يعتمد على الدجل والخداع، فالدجل يعني ماذا؟ إنَّ أبرز سمة في عصرنا هذا هي الخداع، والخداع هو الدجل، والدجال ليس شخصاً فقط، بل هو منهج، الدجال في آخر الزمان. إنَّ أكبر عصر نعيش فيه على الباطل والخدع هو عصرنا هذا. نمرود هذا العصر يعتمد على الخداع الإعلامي والسينمائي والإخباري، دجل في دجل، إلى أن يقول هذا المدجّل: والله الحقيقة عند هذا النمرود. والله وبالله وتالله إنَّ نمرود عصرنا هو يحيي ويميت ويرزق.

إنَّ بناء الخالقية والرازقية على أنها صفة واجب الوجود أزلياً هو تفسير خاطئ، تفسير صوفي للشرك، تفسير يعتمد على الفقه الفردي، والبعد الفردي، والمنهج الصوفي، ليعزل حياة البشرية عن الله. فهل للبشرية ربّ غير الله؟ إنَّ مقولة “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”[6] هي أكبر الشرك صدّقوني، أكبر الشرك، وهذا الفصل والتفكيك بين المجتمع والسياسة هو والله أكبر الشرك الذي يحاربه القرآن كذلك، حسب دعاء أهل البيت عليهم السلام.

هو أكبر من الشرك الذي يقتصر على طقوس وثنية، فهنا حلبة القدرة، أن تفصل الدين عن السياسة، وهذا هو التصوف المنحرف، وهذا هو الشرك الأكبر، نعم. عباد بشر، ﴿…يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ…﴾ [المائدة: 64]، نعم، لأنَّ نمرود عصرنا، ودجال عصرنا بيده الملك، وبيده الرزق، وبيده النفط، وبيده العملة، وبيده الصناعة، فيقول للشعوب: لا أمل لكم. كن واقعياً براغماتياً، ولا تكن مبدئياً ثورياً متهوراً.

إنَّ المتقاعسين والمتقاعسات، والميئسين والميئسات، والخاملين والخاملات، والمتشائمين والمتشائمات، والساذجين والساذجات، أولئك حزب الشيطان. إنَّ الجامدين والجامدات، والمتقاعدين والمتقاعدات، أولئك حزب الشيطان. والمرجفين والمرجفات، والمثبّطين والمثبّطات، والمحبِطين والمحبِطات، والمنبطحين والمنبطحات، والمستسلمين والمستسلمات، رجع يجبّن الناس، والناس يجبّنونه.

أتتذكر؟ أتتذكر؟ هل يصبح هذا عاقلاً؟ لا فتح خيبر، ولا قدرة أصلاً يسبّبون، لا فتح ولا نصر. رجع ثلاث مرات، الأول ذهب ورجع، يجبّن الناس والناس يجبّنونه. وأحد معاني “يجبّن الناس” هو أن يصير عاقلاً براغماتياً واقعياً، فيقولون: صدقتم، صحيح كلامكم صحيح، وتتوافق المجموعة التشاورية على أن يكونوا واقعيين، وأنَّ نمرود العصر لا يقدرون عليه.

أي إنَّ في القوم جبال، فكونوا عاقلين حكماء. رجع، وذهب الثاني ثم رجع، يجبّن الناس والناس يجبّنونه، نفس الكلام. وذهب عمرو بن العاص أيضاً ورجع يجبّن الناس والناس يجبّنونه، جبن، صار الحليب واخترب، الحليب اخترب فصار جبناً، أسمعتم بالجبن؟ الحليب اخترب.

أنت كلامك أيها القائد واقعي خطأ، خطأ، إن جازف بمصيرنا. وهم يقولون: جزاك الله خيراً، كلامك واقعي، الخطأ عندنا. أما حين جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: «لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً كراراً غيرَ فرارٍ، يفتحُ اللهُ على يديه، يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبُّه اللهُ ورسولُه»[7] ، ليس عنده جبن، لا يبيع جبناً، لا هو يجبّن ولا يشتري جبناً، كرار غير فرار، يحب الله ورسوله، وليس يحب السلطة والحياة.

﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

هذه جباناتك باسم البراغماتية؟ ألا يقرؤونها؟ إن كانت تجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله، وليس من الدولار والازدهار وتلك التعبيرات.

منشأ الجبن أين صار؟ انظر تعبير النبي (صلى الله عليه وآله): «لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يحبُّ اللهَ»، لا يحب المساكن والأموال والتجارة وبنيه ومساكن يرضونها. ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾، النسيج الاجتماعي هو البشرية، دماء المواطنين، نعم بلى. آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم، كلها عن نسيج اجتماعي، بلى، محافظة على نسيج اجتماعي، قطرة دم، نعم، لا تراق، بلى، أكمل، وعشيرتكم وأموالكم، مليارات، بعد الدولار، إذا لم نستوِ بالدولار، وما يعطينا الدولار، وخبير النفط بغير الدولار، من يحفظ سنك تبيع النفط بالدولار وتعطيه نمرود العصر يستعبدك، هذه غير القضية، مع هذه الفترة لا يمكن أن نتبدّل، لماذا لا يمكن أن نتبدّل؟ هي فقط تحرير القواعد العسكرية، وهذا أهم تحرير من القواعد العسكرية.

بلى، والله كأننا لا نقرأ القرآن لنعمل به، بل نقرأه لنجِّمده ونميته. أي أزواج؟ أزواج إبستين، ليس إبستين هناك فقط، كل مكان فيه، ولم تعد هناك إبستين، أترى؟ إبستين ليس بصنعاء، وراء المحيطات، هناك إبستين موجودة، هذه أزواج، إذاً، أكمل.

﴿…وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا…﴾ [التوبة: 24]، نريد الاستثمار، لأنَّ الرزق بيد نمرود العصر، بيد دجال العصر، ليس بيد الله، الازدهار المالي كله بيده، هو وحده لا شريك له، بيده الملك، هذا النمرود، نعم، ما عندنا قدرة نحن أن نتحرّر، والله مجمّد قوات، برنامج مجمّد، أحب إليكم؟ حتى التجارة لا تنفذ، التجارة العالمية كلها بيده، إذا قام بحصار بحري وحصار كذا، فبيد من؟ بيد دجال العصر، نمرود فرعون، إله الآلهة، نعم.

فإذًا، قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لأعطينَّ الرايةَ»، يركّز على أي جانب؟ الجانب القلبي الشجاع في القائد، أن يكون شجاعاً، يحب الله ويحبه الله، مخلصاً في المحبة. ما ثُغِرَ للمشركين ثَغْرٌ إلا قذف أخاه علي بن أبي طالب (عليه السلام) في لهواتها، مغامرات خطرة، كلها موت، حياة وموت.

يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثلاث وعشرون سنة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل وقبل ذلك، كلها موت وحياة، لم يكن تأمين حياته موجوداً، هذا حينئذٍ يصلح قائداً، وهذا ليس متهوراً، وليس جباناً، هذا شجاع، عنده الإمكانيات والقدرة ويدري بها، يفتح الله على يديه، فما الفتح إلا نتيجة هذا الشجاع؟ وهذه غير قضية التهور، وهذه هي الجدلية الموجودة.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] ورد في روايات الفريقين أن إبليس تعرض لإبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام ليصدهم عن المضي لأمر الله. انظر: القمي، علي بن إبراهيم. تفسير القمي.. تحقيق وتصحيح السيد طيب الموسوي الجزائري، ط3، مؤسسة دار الكتاب، 1404 هـ، ج2، ص223، في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾
[2] ورد في روايات الفريقين أن إبليس هو الذي علّم قوم لوط هذا الفعل الشنيع. يُراجع: الطبرسي، الفضل بن الحسن. مجمع البيان في تفسير القرآن.. ط3، ناصر خسرو، 1406 هـ، ج4، ص726
[3] روى عدي بن حاتم أنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله): إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟» فقلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». انظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن. مجمع البيان في تفسير القرآن.. ط3، ناصر خسرو، 1406 هـ، ج5، ص36
[4] ورد في الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إِنَّ حُكْمَيْنِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً». الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، ط5، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج7، ص411، باب “النوادر”، ح2. وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لَحَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ أَزْكَى فِيهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامِهَا». المصدر نفسه، ج7، ص174، باب “النوادر”، ح1
[5] يُنظر في روايات الدجال وعلامات آخر الزمان: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج52، ص181-277، باب25 “ما يكون عند ظهوره (عليه السلام) من الفتن…”
[6] إشارة إلى القول المنسوب للمسيح (عليه السلام) في إنجيل متى 22: 21: “فَأَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ”.
[7] المفيد، محمد بن محمد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد.. تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، ط2، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، 1414 هـ، ج1، ص125، مع اختلاف يسير في اللفظ
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo