47/11/16
ولاية الله وولاية الطاغوت (16) الحاكمية وخطورة الولاية في الدين
الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (16) الحاكمية وخطورة الولاية في الدين
ما زلنا في رحاب آية الكرسي، والملحمة العظمى التي تتضمنها، وهي ولاية الله في قبال ولاية الطاغوت. وبالفعل، وحيث إنَّ هذا محور قرآني جوهري، فقد لخّص القرآن الكريم -كما مرّ بنا- تاريخ البشرية من بدايتها إلى نهايتها في كونه يدور حول محور ولاية الله في مقابل ولاية حكام الجور والجبابرة والطواغيت؛ وهي سيرة تمتد من لدن آدم (عليه السلام) إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة.
ولاية الله مقابل ولاية الطاغوت: المحور القرآني
وقد أرشدنا إلى هذا المحور قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. ومن اللافت أنَّه لم يقل: “اجتنبوا الصنم”، بل قال: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهذا هو مكمن الخطر الأكبر. فما الذي يقابل ولاية الله؟ إنَّه الوثن. ولذلك ورد في تعابير أهل البيت عليهم السلام أنَّ الوثن هو كل من أُطيع في غير طاعة الله، وقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله): “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”[1] . فَعُمدة المسألة هنا.
وعليه، فالمحور الأساس في كل أمة هو عبادة الله، وفي قبالها يقف طغيان حكام الجور. ويمكن تقريب الفكرة بالقول: إنَّ الاتصال بالساحة الإلهية يقتضي وجود “شبكة اتصال” إلهية، وهذه الشبكة هم الرسل وأوصياؤهم. فإذا انعدمت هذه الشبكة، فما هو السبب المتصل بين الأرض والسماء؟ إنَّه الطاغوت. فالمرء إمّا أن يكون تابعاً لهم، وإمّا أن يكون طاغوتاً بنفسه؛ إذ لا هو رسول ولا نبي، ولا هو تابع لرسول أو وصي رسول.
وتكمل الآية نفسها هذا البيان: ﴿…فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ…﴾ [النحل: 36]. فالمهتدي هو المتصل بهذا السبب الإلهي، ومن حقت عليه الضلالة هو المنقطع عنه.
وعليه، فإنَّ أصل الملحمة في القرآن، منذ بدء الرسالات، يتلخص فيما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة، التي تعد من المحكمات المهيمنة على القرآن كله، بل هي من أمهات الآيات المحكمات فيه. إنَّ بعثة الرسل ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ هي بمثابة تأسيس لهذا الاتصال الإلهي، ولكن ليس كل أحد يمتلك القابلية ليكون جزءاً من مركز هذه الشبكة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52]. فهذا لا يمكن، فليس كل جهاز حاسوب يستقبل الاتصال المركزي، بل هناك “حواسيب” خاصة هم الرسل وأوصياء الرسل.
إذن، فإنَّ الذي يقع في مقابل الطاغوت على وجه الدقة هو من يمثل الله، أي: الرسل وأوصياء الرسل. فعندما يثبت القرآن الولاية لله، فإنَّها تمتد بالضرورة إلى من يمثله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [المائدة: 55]. وفي مقابل ذلك يقف الطاغوت الذي يكفر بهذا الاتصال الإلهي مع الساحة الغيبية.
وهناك آيات أخرى تشبه هذه الآية في مضمونها، حيث نجد أنَّ القرآن حين يستعرض تاريخ الأمم السابقة، كما في سورة الفجر وغيرها، يبيّن أنَّ السلسلة المناهضة لمشروع الله ورسله هم الجبابرة والطواغيت، كعاد وثمود وفرعون وهامان.
فإن قيل: أين نجد في القرآن أنَّ الإشكالية الكبرى في الشرك تكمن في الولاية لا في مجرد الطقوس؟
فالجواب: أنَّ الإشكالية في الطقوس الروحانية مع أصنام الكفر والشرك في القرآن هي هذه بعينها، أي ارتباطها العضوي بمنظومة الطاغوت. وإلّا كان مآلنا إلى ما وقعت فيه بعض الفرق من انحراف، حيث حصروا معنى عبادة الله في الطقوس المعنوية الروحية، وكأنَّ العبادة غايتها أن ينعم الناس بنعومة وردية، أو يعيشوا في حالة سبوحية قدوسية مسجدية منعزلة عن واقع الحياة وحروبها وصراعاتها. إنَّ حساسية القرآن تجاه الشرك في الولاية هي جوهر القضية.
فمسيرة البشرية من البداية إلى النهاية قائمة على مواجهة قضية الطاغوت وحكام الجور. ففرعون يقول: ﴿…مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى…﴾ [غافر: 29]، ويهدّد موسى بقوله: ﴿…لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]. انظر كيف يعتبر فرعون الاتباع والانتماء السياسي والقانوني والتشريعي لغيره بمثابة اتخاذ إله آخر، أي ألوهية. وهذا منطق الدول العظمى اليوم، التي تقول: “إذا لم تتقيدوا بالقوانين التي أفرضها عليكم، فأنتم كيانات خطرة تستحق الإبادة”.
وعليه، فإنَّ قضية الحكم ترجع في أصلها إلى الألوهية والتألّه، وتدور حول سؤال: من هو صاحب التشريع؟ ومن هو صاحب الطاعة؟ أهو الله أم البشر؟ فما من نبيٍّ من الأنبياء، كما تستعرض قصصهم سور القرآن، إلّا وابتُلي بمجابهة مع نظام اجتماعي وسياسي قائم. فلو كانت القضية مجرد تصحيح طقوس روحية، فما معنى كل هذا الصراع؟
ومن ثم، عندما يرد في النصوص أنَّ الولاية أعظم من الصلاة، فالمقصود أنَّ الولاية عنوان شمولي يهيمن على كل الأبواب: في الطقوس الروحية، وفي النظام السياسي، وفي النظام الاجتماعي، وغير ذلك. ولهذا “لَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ”[2] .
إذن، فإنَّ هذه اللوحة القرآنية، وهذا الرسم القرآني الذي نشاهده، ليسا إفراطاً أو مبالغة. وقد يُقترح هنا القيام بإحصاء قرآني لمفردات هذه المنظومة، كآيات “استكبروا”، و”طغوا”، و”الطاغوت”، للوقوف على مدى تركيز القرآن عليها.
وقد يُعترض بأنَّ الشرك لا علاقة له بالنظام السياسي أو الاجتماعي، بل هو مجرد طقوس روحية.
والجواب: أنَّ هذا الفهم هو عين النظرة الصوفية المنحرفة في قراءة القرآن وعلم الكلام، التي تعزل الجانب الروحي للإنسان عن جانبه الاجتماعي والسياسي.
فالحاصل أنَّ قضية الطاغوت وما شابهها قضية حساسة جداً في نظر القرآن، وترتبط بأصل ولاية الله وحاكميته عزّ وجلّ. وعليه، فليس من العبث أنَّ الله عزّ وجلّ يقحم مسألة التمرّد على الأنظمة الجائرة في صلب عقيدة التوحيد والتهليل، فيجعل التلازم قائماً بين الأمرين: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ…﴾ [البقرة: 256]، و﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. بل يسمي القرآن الخضوع للطاغوت “عبادة” له: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ…﴾ [الزمر: 17]. فأي ربط يبقى للعمل السياسي بالإيمان على منطق أولئك الذين يعزلون بين المجالين؟ إنَّ رسم الصورة التامة للإسلام لا يتأتى إلّا لمن له خبرة بالغيب والوحي، وهم أهل بيت النبوة، الذين ربطوا بين مسار حكام الجور وبين أصل التوحيد ربط مقابلة ومجابهة.
والمقصود هو هذا المطلب، وهو أنَّهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به. والتعبير القرآني هنا دقيق، فلم يقل: أُمروا أن يتبرؤوا أو يجتنبوا، بل استخدم لفظ “الكفر” به: ﴿…وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ…﴾ [النساء: 60]. فالمسألة رُفعت إلى مستوى الكفر والإيمان، والشرك والتوحيد. وهذا يعني أنَّ قضية الانتماء إلى جبابرة الأرض وطواغيت الحكام تزعزع أصل الإيمان بالله وأصل التوحيد، وهنا تكمن خطورة الأمر.
إذن، فالأمر ليس بالهيّن في مسيرة القرآن ومنظومته. فقضية الطاغوت ليست بالأمر السهل. ولنأخذ على سبيل المثال مادة “الاستكبار” في القرآن، حيث نجد أنَّ القرآن يقابل دائماً بين ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ و﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، ويبيّن أنَّ الذين يقاومون توحيد الله والإيمان به هم دوماً ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾.
إنَّ منازعة الله في كبريائه هي أكبر الشرك، كما ورد في الحديث القدسي: “الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ”[3] . فلو قيل إنَّ الصنم هو الشرك، فإنَّ هذا الطاغوت المستكبر هو الصنم الأكبر. وهذه الحقيقة، على الرغم من الإشارات إليها عند بعض المفسرين وعلماء الكلام، إلّا أنَّها لم تتبلور بالوضوح الكافي إلّا في بيانات أئمة أهل البيت عليهم السلام. والقضية ليست صدفة، فحساسية القرآن وأهل البيت تجاه طبيعة النظام السياسي الحاكم -هل يسير على حكم الله أم على حكم الطاغوت وجوره؟- هي حساسية بالغة الأثر.
وخلافاً للتصور السطحي، لا تكمن الخطورة القصوى في الطقوس المعنوية الروحية بحد ذاتها، بل في إمكانية انجرارها وخضوعها للمنظومة الاجتماعية والسياسية الطاغوتية. هنا تكمن الخطورة الحقيقية في منطق القرآن.
فالتوحيد ليس مجرد فكرة، وإن كان يبدأ من الفكر والقلب. ولهذا، فإنَّ اتباع حكام الجور، الذي هو في جوهره عبادة لهم، يبدأ من التنظير الفكري والقبول القلبي. ويقال لطقوس الصنم إنَّها عبادة لأنَّها خضوع، ولكن ذلك الحاكم الجائر لديه مشروع متكامل للخضوع، لا يقتنع بخضوع بدني في لحظات خاصة، بل يريد خضوعاً في مطلق مجالات الحياة.
فأيهما أشد عبودية: الخضوع لهذا الصنم الجامد، أم الخضوع لهذا الصنم الأكبر الناطق؟ وهنا نرى كيف يضع أهل البيت عليهم السلام الإصبع على الوتر الحساس. وهذه النكتة، وإن تنبّه إليها بعض الأعلام، إلّا أنَّ بلورتها كما يبيّنها أهل البيت عليهم السلام شيء آخر.
فالطاعة عبودية، ولذا حُصر الأمر بها في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾. ولذلك عندما سُئل الأئمة عن معنى اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، بيّنوا أنَّها لم تكن عبادة سجود وركوع، بل عبادة طاعة في تحليل الحرام وتحريم الحلال[4] . فالطاعة المطلوبة على نطاق واسع -اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً وأسرياً- هي مظهر من مظاهر العبادة. والأمر بطاعة الله يشمل كل مجال، من أصغر الأمور إلى أكبرها، وعلى كل صعيد، من القلب والجوانح إلى الفعل والجوارح.
فالطاعة لله تكون في كل باب ومجال، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ…﴾ [المائدة: 55]، فإنَّما الحاكم هو الله، وهذا معنى ذو سعة. فإذا نُصِّب شيء غير الله، وغير من هو امتداد لله وخليفة له ويمثّله، فإنَّ مآل ذلك إلى عبودية وصنمية هي أشدّ من عبادة الصنم؛ ذلك الصنم الذي لا يحلّ ولا يربط.
وتوضيح ذلك: أنَّ السجود ما هو تعريفه؟ إنَّه منتهى الخضوع. وهل حقيقة السجود هيئته البدنية، أم إنَّ روحه هي الخضوع والانقياد، أي الطاعة؟ وما هي روح الركوع؟ وما هي روح الصلاة؟ إنَّ الخضوع ليس مجرد انحناء، بل الطاعة هي حقيقة الولاية، ويرجع الأمر إلى ذلك.
فالصلاة إذا سُلبت منها الولاية، فما هي حقيقتها؟ وما هي ماهيتها اللغوية أو العقلية أو التكوينية؟ إنَّ الصلاة حينئذٍ تنمسخ عن حقيقتها؛ فكيان الصلاة قائم بالخضوع والطاعة، أي الولاية، في كل جزء من أجزائها.[5] فهل يصحّ أن تقايس بين ما هو قوام ماهية الصلاة وبين الصلاة نفسها؟ إنَّ الصلاة بالنسبة إلى الولاية كالقشر، إذ لولا الولاية -ولاية الله- لما تحققت طاعة ولا انقياد.
والحاصل: أنَّ هذه الأبحاث التي يثيرها أهل البيت عليهم السلام ويصرّون عليها كما يصرّ القرآن على ذلك، ليست من قبيل العبث أو الشعارات الفارغة، بل هي منظومة حقائق متكاملة مستقاة من بيانات الوحي.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/IwyqXf6O9Rg?si=62Q0WaoLpVCgXI98