« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/11/15

بسم الله الرحمن الرحيم

ولاية الله وولاية الطاغوت (15) الحاكمية وخطورة الولاية في الدين

الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (15) الحاكمية وخطورة الولاية في الدين

كان الكلام في الآية الثانية من آية الكرسي، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة - ٢٥٦).

وكما مرّ، فإنَّ تحسس الباري تعالى وتشدّده في مسألة الحاكمية شديدٌ جداً. وهذا يظهر في آية واحدة من سورة واحدة، ويتكرر في سور أُخر، كقوله تعالى عن فئة من الناس: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (سورة النساء - ٦٠). فمؤاخذته سبحانه ليست في التحاكم الفعلي فحسب، بل في الإرادة القلبية والفكرية التي تسبقه؛ ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، سواء كان ذلك الطاغوت جباراً أم دولة عظمى، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (سورة النساء - ٦٠)، أي بفرعون زمانكم وطواغيته. فقد أُمر المسلمون والمؤمنون، بل البشر كافّة، بالتمرد عليهم لا الانصياع لهم. وهذا الجرم هو الذي يُعبّر عنه في منظومة القرآن والعترة بمعنى الولاية والتولي؛ فإلى من يتوجّه فكرك؟ أإلى جبار من الجبابرة، أم طاغية من الطغاة، أم ظالم من الظلمة؟

لاحظ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة النساء - ٧٥). وسبيل الله هنا يعني تحكيم حكم الله، وولاية الله، وحكّام العدل الذين نصبهم الله تعالى. وسبيل الله هنا ليس محصوراً في سبيل الرسول والإمام، بل هو سبيل الله وسبيل الرسول وسبيل القربى.

وقد أضاف القرآن الكريم إلى ذلك، كما مرّ بنا، القتال في سبيل المستضعفين، فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (سورة النساء - ٧٥). وفي الآية التي تليها يميّز بين المسارين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (سورة النساء - ٧٦)، ولم يذكر فيها المستضعفين.

فالله عز وجل قد قسّم القتال إلى مسارين: مسار في سبيل الله، ومسار في سبيل الطاغوت. وفي الآية الخامسة والسبعين، أُلحق سبيل المستضعفين بسبيل الله. فالقتال في سبيل إنقاذ المظلومين المستضعفين له ثواب عظيم عند الله، حتى وإن لم يكونوا مسلمين ولا موحدين، بل ولو كانوا على أي دين آخر، ما داموا مستضعفين.

وهكذا كان دأب الأنبياء دائماً؛ فموسى وهارون واجها فرعون، وكذلك النبي عيسى (على نبينا وآله وعليه السلام) الذي أرادوا قتله لأنه واجه طغاة زمانه. وشعيب وصالح وهود وغيرهم، كان يقف في وجههم طواغيت أقوامهم. ومن الذي واجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ إنَّهم طواغيت قريش وفراعنتها، حتى إنَّ غزوة بدر وُصفت بأنَّها كانت مطحنةً لإبادة فراعنة قريش وجبابرتها، وذلك بتقدير من الله عز وجل.

والحاصل: أنَّ من الأوامر الإلهية الأكيدة وجوب مجابهة الظالم الذي يحكم الشعوب المستضعفة، وهذا من مسؤوليات المسلمين والمؤمنين تجاه البشرية، ولو لم يكن المستضعف مسلماً.

وقد مرّ بنا، كما ذكرنا في مباحث عدالة الصحابة، أنَّ فلسفة الجهاد الابتدائي في منظومة فقه القرآن والعترة هي إخضاع الأنظمة الحاكمة في الأرض لأسلمة الحكم، وليست إرغام أفراد البشر على الدخول في الإسلام جبراً. نعم، من يعتنق الإسلام عقيدةً فإنه يحظى بحصانة المواطنة الكاملة في الدولة الإسلامية، أما من لا يريد ذلك فله خيارات أخرى كأهل الذمة أو المعاهدين، وهذا بحث آخر.

لاحظ هذا البيان في الآية الكريمة: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (سورة النساء - ٧٥). لقد سمّاها “قرية” ولم يسمّها “مدينة”. وليس المقصود بالقرى ما يقابل المدن في العمران، بل المقصود هو كل مجتمع، وإن كان ذا عمران مدني، إذا ساد فيه التخلف الفكري والحقوقي وفي نظام الحكم، فإنَّ القرآن يعبّر عنه بالقروية. فالمشركون أنفسهم يقرّون بالخالق: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (سورة لقمان - ٢٥)، فهم ليسوا ملحدين، ولكنهم يشركون في العبادة. فالتمدن والقروية في منطق القرآن يُلحظان بمعيار الإيمان والكفر، لا بمجرد العمران. فالأصل في التمدن هو التمدن المجتمعي والفكري والحقوقي ونظام الحكم، لا التمدن العمراني فحسب.

ويتحصّل مما سبق أنَّ تحسس الباري تعالى من الحاكمية الطاغية والظالمة، وميله إلى الحاكمية العادلة، أمر عظيم جداً، وهي مسؤولية كبرى ترتبط بأصل الولاية وأصل التوحيد. وهذا ينبّه على مدى خطورة ومسؤولية وواجبية العمل السياسي والعسكري وغيره من الأنشطة المتعلقة بالشأن العام. فإنَّ أعظم وظيفة ينهض بها المؤمن أو المسلم هي تحمّله للمسؤولية العامة، وجعل الوظائف الفردية في خدمة الشأن العام. والآليات لتحقيق ذلك لا تنحصر في المواجهة الساخنة، بل تشمل الأساليب الباردة والناعمة والإعلامية والاقتصادية، سواء كانت علنية أم خفية. فالمهم هو أن يكون همّك وغمّك هو تحمّل المسؤولية العامة، بخلاف ما إذا انحصر الهمّ في البعد الفردي والأنا المتضخمة أو المتقوقعة.

ولذلك من الواضح أنَّ المؤمن يُسأل في قبره عن ربه ونبيه وعن إمامه. فالإمام (صلوات الله عليه) وجود شامل، لا يعيش لنفسه بل يعيش الهمّ العام، ولذا سُمي إماماً. فجوهر شخصيته (صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف) أنَّه مركز إدارة الشأن العام، ومركز إدارة السماوات والأرض، ومركز القيادة وغرفة العمليات في كل الشؤون الاقتصادية والمالية والثقافية والعسكرية والإدارية والسياسية.

ومقتضى ذلك أننا سنسأل عن موالاة هذا المركز، فالولاية هي أول ما يُسأل عنه بعد التوحيد والنبوة. وقد مرّ بنا أنَّه ساد اشتباه على مدى قرون بأنَّ الولاية تقابل التوحيد، وهذا ليس صحيحاً.

تنبيه: الولاية في الحقيقة تقابل المعرفة؛ فمعرفة الله هي ولاية الله، ومعرفة النبي هي ولاية النبي، ومعرفة الإمام هي ولاية الإمام.

وما ورد من أنَّه “ما نودي بشيء كما نودي بالولاية”[1] ، فإنَّما يعني ولاية الله وولاية الرسول وولاية الإمام، لا ولاية الإمام فحسب. وهذا هو تعبير آخر عن حاكمية الله المطلقة، فهو ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (سورة هود - ٤٥). فحاكميته سبحانه مطلقة في كل شيء: قضائياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً ومالياً واقتصادياً وتنفيذياً وتشريعياً؛ في كل الأبعاد. فحينما يقال إنَّه ما نودي بشيء كما نودي بالولاية، فإنَّ المراد هو النداء بحاكمية الله وحكمه، وحاكمية الرسول وحكمه، وحاكمية الإمام وحكمه.

فمن نازع الله في كبريائه فقد نازعه في أكبر ردائه، وهو رداء الكبرياء، [2] وهذا هو الشرك الحقيقي المتجسد في الطغيان والظلم، وسيمة الظلم على نطاق الشأن العام. ومن ثم فالعدل صفة من صفات الباري تعالى، وأصل من أصول العقيدة المهمة في الاعتقاد بالتوحيد، وهو كونه عادلاً.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾[3] ، و﴿أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾[4] ، و﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾[5] .

وقد يُشكل: بأنه لمَ جاء النفي بصيغة المبالغة “ظلّام” دون “ظالم”؟ والجواب: أن نفي صيغة المبالغة أبلغ في نفي أصل الفعل؛ إذ لو صدر منه الظلم -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- لكان لكثرة أفعاله وتعدد مخلوقاته ظلّاماً لا مجرد ظالم، فنفي كونه “ظلّاماً” ينفي أصل صدور الظلم منه من الأساس. وهذا ناموس محوري في معرفة الباري والتوحيد.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[6] . فالظلم أمر عظيم منفي عن ساحته تعالى، ولكي يستتب العدل، جعل الله القربى هم المؤهلين خاصةً لإقامة العدل في الأرض، فهم لم يأتوا ترشيحاً بل تنصيباً إلهياً، ليملأ أحدهم الأرض قسطاً وعدلاً.[7]

فلولا وجود سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) -سواء بوجوده الروحي قبل ولادته، أم بوجوده البدني بعدها، أم بعد رحيله- ومن ثم قرباه وأهل بيته، الذين هم جميعاً قائمون بالقسط وملجأ البشر، لولا إدارتهم للأرض؛ بدءاً بالرسول (صلى الله عليه وآله)، ثم وصيّه أمير المؤمنين، ثم فاطمة، ثم الحسن، ثم الحسين عليهم السلام، قبل أن يولدوا وبعد أن ولدوا وبعد أن رحلوا إلى البرزخ، وهم لا يزالون قائمين بالقسط، لولا ذلك لطغى إبليس وشياطينه وجبابرة الأرض، وعاثوا في الأرض فساداً.

وقد مر بنا مراراً، بحسب بيانات القرآن وما نبه عليه أهل البيت عليهم السلام، أن قيام سيد الرسل بالقسط لم يكن معلقاً على ولادته في عام الفيل، بل حمله الله المسؤولية قبل ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾[8] . فإرساله شاهداً هو تحميل للمسؤولية.

والشاهد: أن القرآن الكريم يبين أن الرسول (صلى الله عليه وآله) شاهد على آدم ونوح وإبراهيم، وأنه حمل هذه المسؤولية من قبل الله. وهناك آيات عديدة تبين أن شهادة الرسول هي على الشهداء من الأمم، أي الأنبياء. فهذه مسؤولية له (صلى الله عليه وآله) قبل أن يولد، كما في قوله تعالى: ﴿لِّيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾[9] . فالقرآن يثبت للرسول، كما ينبه أهل البيت عليهم السلام، كينونةً سابقة على كينونته البدنية، وهي كونه أُرسل ليكون شاهداً.

ومعنى الشهادة هنا: أنها مسؤولية ومراقبة ورعاية وتربية وتدبير، فهي شهادة ملكوتية. فهو أول النبيين إجابةً، وآخرهم في الظاهر والبدن بعثةً. وهذه الرعاية والمسؤولية التي حملها الله عز وجل لسيد الرسل ليقوم بالعدل هو وأهل بيته وقرباه، قد خُصّ بها قوم مصطفون، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[10] . فهذا الخطاب ليس لعموم الأمة، بل هو موجه لمن سماهم إبراهيم (عليه السلام) أمةً مسلمة في دعائه: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾[11] ، وهي أعلى درجات الاصطفاء التسليمي. ثم تواصل الآية: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾[12] .

تنبيه: هناك فرق دقيق بين “جاهدوا في سبيل الله” و”جاهدوا في الله”. ثم يكمل النص القرآني: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا…﴾[13] ، وهذا يقابل ما ورد في سورة البقرة من اصطفاء ذرية إسماعيل.

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) شهيد على أهل بيته، بل هو شهيد على الشهداء، كما تشير الآية: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[14] . فكان شاهداً في الأداء والتحمل، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾[15] .

فائدة: إنَّ هذه البيانات المروية عن أهل البيت عليهم السلام ترسم منظومة متكاملة، وتكشف عن منهج تفسيري يُعرف بـ”وحدة النظام” أو “وحدة الموضوع في التفسير”، وهو من المناهج الأساسية التي اعتمدوها.

والحاصل: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قائم بالقسط قبل أن يولد، فهو الذي يرعى نوحاً وإبراهيم وآدم، ويرعاهم شاهداً عليهم. فهو ليس راعياً على البشرية فحسب، بل هو راعٍ على رعاة البشرية، وقيم على القيمين من قبل الله على البشرية. بل إنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بمراتب وجوده الروحي قيم على جبرائيل، وأهل البيت شهداء على الأنبياء. فهناك طبقات للشهادة والرعاية الملكوتية: - على رأسها شهادة الله تعالى. - ثم شهادة النبي (صلى الله عليه وآله)، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[16] . - ثم تأتي طبقات الأنبياء، الذين تقتصر رعايتهم الملكوتية على أقوامهم، كما في حكاية قول عيسى (عليه السلام): ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾[17] .

فالقرآن الكريم يرشح أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ليكونوا شهداء على كل الأمم، في حين لم يرشح النبي عيسى (عليه السلام)، وهو من أولي العزم، ليكون شهيداً إلا على أمته. ونص القرآن في ذلك: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[18] .

والخلاصة: أن “ملف الشهادة”، كما يعبر عنه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، هو ملف عظيم جداً، وهو يعني الشهادة على الأعمال من باب الرعاية. وتترتب مراتبه كالتالي: الله تعالى، ثم سيد الرسل، ثم أهل بيته، ثم سائر الأنبياء. فهؤلاء قائمون بالقسط منذ زمن آدم ولا يزالون. ولولا وجودهم لكان لإشكال الملائكة وجه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، فجاء الجواب الإلهي: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[19] . وما علمه الله ولم تعلمه الملائكة هو وجود هؤلاء القوامين بالقسط، الذين بهم تأهل آدم للخلافة، كما تشير الآية: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[20] .

فالاستنتاج: أن آدم (عليه السلام) إنما استحق وتأهل للرعاية والإدارة بسبب “هؤلاء” المشار إليهم، الذين لهم كينونة ملكوتية مهيمنة حتى على آدم. وهنا يتضح كيف أن ملف الشهادة وملف الخلق يفسر أحدهما الآخر، فتلك هي المنظومة العلمية التي يبينها أهل البيت عليهم السلام لنظم القرآن الكريم، حيث يفصح بعض ملفاته عن البعض الآخر. هؤلاء هم حكام العدل، وهم الذين يقفون سداً منيعاً أمام الفساد في الأرض وسفك الدماء، وهم أمان الأرض بحسب منطق القرآن. طوع الله قلوبنا لطاعتهم.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص18، باب “دعائم الإسلام”، ح1
[2] إشارة إلى الحديث القدسي المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): “الْكِبْرُ رِدَاءُ اللَّهِ، فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ”. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص309، باب الكبر، ح2
[3] سورة النساء: 40.
[4] سورة الحج: 10.
[5] سورة فصلت: 46.
[6] سورة الشعراء: 227.
[7] إشارة إلى الحديث المتواتر في شأن الإمام المهدي (عج): “يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً”. يُنظر: الصدوق، محمد بن علي. كمال الدين وتمام النعمة.. تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1405 هـ، ج1، ص257
[8] سورة الفتح: 8.
[9] سورة الحج: 78.
[10] سورة الحج: 77.
[11] سورة البقرة: 128.
[12] سورة الحج: 78.
[13] سورة الحج: 78.
[14] سورة النحل: 89.
[15] سورة الحج: 78.
[16] سورة التوبة: 105.
[17] سورة المائدة: 117.
[18] سورة النحل: 89.
[19] سورة البقرة: 30.
[20] سورة البقرة: 31.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo