47/11/14
البراءة من الطاغوت: ركن أساسي في التوحيد
الموضوع: البراءة من الطاغوت: ركن أساسي في التوحيد
يُظهر التنبيه الإلهي تشديداً خاصاً وتحسساً بالغاً في شأن ولاية الطاغوت، إلى درجة أنَّ الله تعالى جعل البراءة من ولاية الطاغوت -أي حكام الجور- أمراً دخيلاً في أصل التوحيد. وهذا، كما مرّ بنا، بيان واضح من القرآن بأنَّ الولاية، سواء أكانت ولاية حق أم ولاية باطل، هي دخيلة في أصل التوحيد.
وقد يُطرح إشكال: أين هذا من الصلاة؟
والجواب: إنَّ الصلاة عظيمة بلا شك، ولكنَّ الولاية إذا كانت ولاية حق، فإنَّ النص القرآني حصرها بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[1] ، ولم يقل: “إنَّما وليكم الصلاة”. فمع التسليم بعظمة الصلاة، وأنَّ المتهاون بها والمستخف بشأنها مذموم، فإنَّ ذلك لا ينفي وجود مراتب بين المقدسات.
فالمقدسات العظيمة ليست على درجة واحدة سواء، فكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[2] ، كذلك تلك المقدسات قد فُضِّل بعضها على بعض تقديساً وتعظيماً. وهذا التفضيل لا يعني التهاون بالمفضول والاهتمام بالأفضل فحسب.
فمثال ذلك: الصلاة أفضل من الصيام، فهل يعني ذلك جواز التهاون في الصيام؟ وكذا أفضلية الصلاة على الحج، هل تقتضي التهاون في الحج؟ مع أنَّ الحج قد ورد في شأن تاركه ما ورد، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَنْ مَاتَ وَ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ تُجْحِفُ بِهِ أَوْ مَرَضٌ لَا يُطِيقُ فِيهِ الْحَجَّ أَوْ سُلْطَانٌ يَمْنَعُهُ فَلْيَمُتْ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً»[3] . فمع عِظم شأن الحج وكونه معلماً من معالم الدين، تبقى الصلاة أفضل منه، وهذا لا يسوّغ التهاون بالحج.
والحاصل: أنَّ المفاضلة بين أركان الدين لا تعني أنَّ المفضول يُتهاون به، ومن يفهم ذلك فقد أخطأ الفهم. وكذلك الحال في الأنبياء، فكون النبي موسى والنبي عيسى (عليهما السلام) مفضولين بالنسبة لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، هل يسوّغ ذلك التهاون في الاعتقاد بنبوتهما أو نبوة بقية الأنبياء؟ كلا، لا يمكن ذلك، إذ إنَّ أصل الاعتقاد بهم جميعاً واجب، كما قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾[4] . ولكن مع وجوب الإيمان بالجميع، لا بد من الاعتقاد بوجود مراتب بينهم. وهكذا في أركان الدين، فمع الاهتمام بها جميعاً، لا بد من معرفة مراتبها. فلا يكفي التمسك بالدين كله، بل يجب وعي مراتب أركان الدين، فهم ليسوا سواء. والقرآن الكريم يرفض التسوية والمساواة المطلقة، ويحث على معرفة المفاضلة والإقرار لكل ذي فضل بفضله.
وعليه: فإنَّ إدراج آية الكرسي لمفهوم التبرؤ من ولاية الطاغوت، أي الكفر به فكراً وقلباً، لا يقتصر على مجرد عدم الانتماء إليه سياسياً أو عسكرياً أو مذهبياً في الفروع، بل يجب أن تكون البراءة منه متجذرة في أعماق القلب والفكر. وهذا البُعد القلبي والفكري دخيل في أصل التوحيد، لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾[5] هو بمثابة ترجمة وتفسير قرآني لشهادة التوحيد “لا إله إلا الله”.
فهناك حكام عدل اصطفاهم الله، وهم على وجه الحصر في هذه المرتبة: النبي (صلى الله عليه وآله) وقرباه، وذلك بنص آية الفيء في سورة الحشر.[6] إذًا، ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والذين آمنوا المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾، هم أنفسهم “ذوو القربى” في آية الفيء، وهم علي وفاطمة والحسنان، والتسعة المعصومون من ولد الحسين (عليهم السلام).
والشاهد فيه: أنَّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وهذه منهجية أصلها أهل البيت (عليهم السلام) قبل أن يهتف بها المفسرون من الفريقين، ولكنَّ هذا التفسير لا يكون إلا تحت رعاية وتعليم الراسخين في العلم، وهم أهل البيت الذين عناهم قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[7] ، فهم المعلمون الإلهيون لهذا الكتاب الإلهي. وبعظمة الكتاب يجب أن يكون المعلم عظيماً، وهذا من معاني حديث الثقلين، حيث جُعل أهل البيت عِدلاً للقرآن. فالقرآن كتاب من رب العالمين، فلا بد أن ينصب له معلماً بحجمه، يعلم تأويله الذي لا يدركه المفسرون والمجتهدون بمفردهم.
فبالتالي: إنَّ الذين نصبهم الله حكام عدل، وجعلهم عِدلاً للقرآن، قد نصَّ عليهم القرآن نفسه، وهم علي وفاطمة والحسنان (عليهم السلام)، ولا ينبغي الغفلة عن هذه البديهيات. وتؤكد ذلك آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾[8] . فهذه هي الأصول الثلاثة بعبارة أخرى: الله، ورسوله، وقربى الرسول (المعبر عنهم بـ “الذين آمنوا”)، وهي منظومة تتكرر في آيات كثيرة، وتشير إلى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والنبوة، والإمامة. وأما المعاد، كما مرّ مراراً، فهو لقاء الله ولقاء الرسول ولقاء وصي الرسول.
وهذا ينسجم مع طريقة تعامل القرآن الكريم وسيد الرسل (صلى الله عليه وآله) مع من يتشهد بالشهادتين، حيث يُقبل منه إسلامه الظاهري، لأنَّ واقع الإسلام لا بد فيه من الأصول الثلاثة. فعندما جاء المنافقون وقالوا: ﴿…نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ…﴾[9] ، لم يرفض شهادتهم وإقرارهم، بل عوملوا معاملة ظاهرية بحسب ظاهر الحال، مع أنَّ القرآن قد حكم بكفرهم باطناً. وإلا فإنَّ الذي يتشهد ويقر بولاية الرسول، مفروض به أن يقر بكل ما جاء به الرسول عن الله، ومن ذلك ما جاء به في شأن القربى كما في القرآن.
فإذاً، هذه الأصول الثلاثة من الواضح أنَّ القرآن في آية الكرسي قد أخذها في صلب التوحيد، وفي نفس التهليل. وقد مرّ بنا أنَّ المقابلة في القرآن ليست بين الله والطاغوت فحسب، بل إنَّ الآيات الكثيرة التي تقابل بينهما، إنما تريد أن تقابل بين الطاغوت وبين منظومة الحكم الإلهي المتمثلة في رسول الله ووصي رسوله أيضاً. فإذن، عندما يُذكر شأن الله في مقابل الطاغوت، فالمراد به واضح، وهو الشأن الذي جعله الله لرسوله ولأوصياء رسوله.
الاجتناب الشامل للطاغوت: فكراً وقلباً وسلوكاً
وقد أمر القرآن باجتناب الطاغوت، فقال: ﴿…وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ…﴾[10] ، وهذا الاجتناب يجب أن يكون فكراً وقلباً وسياسةً وانتماءً. فيجب اجتناب حكام الجور فكراً وقلباً وميولاً وهوىً وانتماءً سياسياً واجتماعياً، وإياك أن تنتسب إليهم. إنَّ عبادة الله متقومة باجتناب الطاغوت، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وإلا فلا تتم العبادة. وهذا دليل على أنَّ الولاية شرط في قوام صحة العبادة.
وهذه الموازنة تتكرر في مواضع أخر، كسورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ…﴾[11] ، فهي نفس المقابلة. وليس بين الله والطاغوت عَدل أو شبه، ولكنَّ التركيز في القرآن دائم على أنَّ المراد بولاية الله هي ولاية من نصبهم الله.
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[12] . فالله هو الذي قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾، ولم يفوض الأمر للملائكة. وهذا يدل على أنَّ اختيار الخليفة في الأرض هو من شؤون الذات الإلهية المقدسة حصراً، وليس من صلاحية الملائكة، حتى المقربين منهم، ولا من صلاحية العرش أو القلم أو اللوح. فالله عز وجل أسند هذا الأمر الخطير لذاته، وعندما استفسر الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا…﴾، كان ذلك دليلاً على عِظم شأن الإمامة والخلافة.
وحتى سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، فإنما هو مبلغ عن الله في شأن الخلافة. وقد ورد أنَّ بعض الصحابة بعد أن قال النبي (صلى الله عليه وآله): «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ»[13] ، سألوه: “أهذا منك أم من الله؟”، وهذا سؤال عجيب يكشف عن درجة من التمرد، إذ كيف يفرّقون بين أمر الله وأمر رسوله والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[14] ؟ إنَّ تكرار هذا السؤال: “أمنك أم من الله؟” يكشف عن أمر خطير، وهو أنَّ الإيمان القاطع برسول الله لم يكن قد استقر في بعض النفوس، مع أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾[15] ، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[16] . فالقرآن برمته أليس هو الذي أتانا به رسول الله؟ فكيف يؤمن المرء بالقرآن ثم يتمرد على ما فيه من اصطفاء قربى رسول الله؟
فالمقصود: هو ما ورد في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾[17] . إنَّ الآيات في هذا الباب متواترة معنىً، ودالة على وجوب التبرؤ. وهذه النصوص وإن كانت ظنية السند في بعض الأحيان، إلا أنها قطعية الصدور بمجموعها، وقطعية الدلالة.
فيا ويل لمن هوى قلبه مع حاكم جائر، ويا ويل لمن روّج له أو سوّغ له، فإنَّ هذا يورث خللاً في التوحيد الواقعي، وإن حُكم على فاعله بالإسلام الظاهري، سواء كان ذلك بالقلب فضلاً عن الانتماء العملي.
إنَّ بحث الإيمان والعبادة متلازمان، والعبادة في القرآن تستعمل بمعنى أصل الاعتقاد. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ﴾[18] . فكيف تكون لك البشرى وأنت تقول “أنا أعبد الله” ثم تسبح وتقدس للحاكم الجائر؟ هذا شبيه بقوله تعالى: ﴿…ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾[19] ، أي تبرأ من ولاية الطاغوت وتولى أولياء العدل. فمن كان كذلك فله البشرى. وإن كنت تقول “آمنت بالله” وفكرك وهواك مع الدول العظمى وجبابرة العرب والمحليين والدوليين، فأنّى لك ذلك؟
قد تضطر إلى المداراة، ولكن لا ينبغي أن تُطبِّع فكرك أو قلبك معهم. فإنَّ التطبيع السياسي قد يُفرض عليك بوجه أو بآخر، ولكن ما شأن تطبيع الفكر والقلب؟ وهل هذا متصور لمؤمن؟
ومقتضى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾[20] أنَّ من يتولى ولاية الطاغوت فقد كفر بالله العظيم.
وهنا لا بد من التمييز بين الحاكم والحكم؛ فالبحث في القرآن يتناول حكم الطاغوت بما هو حكم، بمعزل عن شخص الحاكم.
فقد يذهب البعض إلى أنَّ الحكم القانوني الوضعي الغربي أجدر بحكم البشر من حكم القرآن، متذرعاً بأنَّ القرآن كان صالحاً لزمانه قبل ألف وأربعمئة سنة، أمّا الآن فلا يصلح. وهذا مع أنَّ بعض المنظرين الاستراتيجيين غير المسلمين يقرون بأنَّ حكم القرآن في الاقتصاد معجزة، وأنَّ انهيار الدول العظمى اقتصادياً هو بسبب تركهم لحكم القرآن، ومع ذلك نجد من يزعم الإسلام والإيمان يردد مقولة أنَّ هذا “دِقّة قديمة” لا يصلح.
إنَّ مثل هذا الموقف الذي لا يطيقه القلب ولا يستوعبه الفكر تجاه أحكام القرآن، هو رفض للحكم الديني نفسه، بغض النظر عن الحاكم أو إقامة النظام. فهو إعلان صريح بعدم الإيمان بجدوى حكم الله في هذا العصر، وهو ما يمثل انهزاماً فكرياً وقلبياً.
ومن العجيب أنَّ من هو خارج هذا الدين قد يدخل فيه إيماناً بأحكامه، ومن هو فيه يرتد عنها. فلا يتبنى حكم الله في أي مجال من المجالات، لا سيما ما كان قطعياً في القرآن أو في سنة النبي والمعصومين، بل قد يجده عاراً أمام البشر. فأين تخريج هذا الموقف؟ لا تخريج له، وقد قال تعالى موبخاً: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾[21] . فالمطلوب على الأقل عدم التنظير فكرياً بأنَّ حكم الله مُضيَّع.
ومثال ذلك: حكم الحجاب المنصوص عليه في القرآن الكريم في غير آية وسورة، فهل يُعقل أنَّ الله عزَّ وجلَّ ليس عنده علم بما يصلح البشر من أول الدنيا إلى آخرها؟ وهل يجهل ذلك حتى يأتي من يعلّمه؟ ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[22] . إنَّ البشر بعلمه المحدود يتمرد على حكم الله، وهذا ضرب من الطغيان، وهو التنظير والترويج لغير حكم الله، حتى لو كان حكماً قطعياً في القرآن أو سنن المعصومين.
إنَّ هذا التنظير الفكري والقلبي لغير حكم الله هو عين الطاغوت، وهو ميلٌ إليه.
وهذه الأبعاد تمتد لتشمل منظومة الأحكام والشريعة والدين والدولة والمجتمع، فليست قصة الطاغوت مجرد لقلقة لسان، بل هي حضارة متكاملة كالحضارة الفرعونية القائمة على التأله، حيث يقول الحاكم: “أنا حكمي فوق حكم الله”، وهذه دعوة ألوهية صريحة.
فالحكم الجائر هو أساس الطغيان، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾[23] . وأصل التأليه والشرك في القرآن يقوم على جور الحاكم الذي يقول بلسان حاله أو مقاله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾[24] ، جاعلاً سلطة التشريع بيده، سواء كان دولة عظمى أم مؤسسة دولية. فالتشريع الذي يضعه البشر ويقيمون عليه اتفاقيات دولية هو الأول والآخر والظاهر والباطن في الحكم عندهم. وهذا هو الشرك بعينه، حيث يُجرَّد الله من صلاحياته ويُجعل له شريك في الولاية والتشريع.
إنَّ سورة الفجر صريحة في بيان أنَّ شرك الأمم السابقة لم يكن مجرد طقوس وأصنام، بل كان قصة مشاركة الله في ولايته. ولهذا ليس من العبث أنَّ أهل البيت صلوات الله عليهم أكدوا على الولاية، فالقرآن نفسه يعلو صوته بها.
والآية الأخرى التي تكشف هذا المعنى بوضوح، والتي نبه أهل البيت عليهم السلام على خطورتها، هي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾[25] . فإذا لم تكفر بالطاغوت فكرياً، فإنَّ خللاً لا يزال في أصل إيمانك.
إنَّ الأمر الحساس في دعوة كل الأنبياء يتلخص في آية جامعة، وهي لمن يجحد كلام أهل البيت عليهم السلام في أنَّ كل ما في القرآن من شرك وكفر مرتبط بالولاية.
الآية هي: قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[26] . هذا العموم الشامل من أول البشر إلى آخرهم يثبت أنَّ أهل البيت عليهم السلام صادقون وحيانياً، وأنَّ لمنظومتهم العلمية أصلاً قرآنياً متيناً.
تأمل في الآية مرة أخرى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾، شرق الدنيا وغربها، من آدم إلى الخاتم، ما هو الأمر المركزي في بعثتهم؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. إنَّه نفس منطق التهليل “لا إله إلا الله”، فعبادة الله مقترنة باجتناب الطاغوت. هذا هو أصل البعثة، توحيدٌ قِوامه الولاية.
والحاصل: أنَّ أهل البيت عليهم السلام ما نادوا بشيء في القرآن، أو في الحديث النبوي، أو في شواهد العقل والفطرة، كما نودِي بالولاية. وهذه البراهين ليست من جنس كلام المتكلمين أو الفلاسفة، بل هي صناعة وحيانية ولغة عقلية برهانية متجذرة في البناء القرآني نفسه.
فقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو خلاصة “لا إله إلا الله”.
إذن، الولاية نودي بها في كل الرسالات. ومن أعظم ولاية بعد الله بنص القرآن؟ ولاية رسول الله، ثم ولاية قربى رسول الله. إنَّها منظومة مراتب، وهذا ما يمكن تسميته بالتفسير القائم على منهج المنظوم والنظام في القرآن الكريم.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/B9J1_3ZW-PA?si=ebJg7YQXp0LyjPYG