47/11/11
ولاية الله وولاية الطاغوت (13) المعرفة والولاية أصول الدين
الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (13) المعرفة والولاية أصول الدين
كنا وما زلنا في رحاب الآيتين الثانية والثالثة المتعلقتين بولاية الله وولاية الطاغوت، وسبب المكث طويلاً في هذا البحث هو أنَّ القرآن الكريم قد شدّد على خطورة ولاية الله، وفي المقابل شدّد في التحذير من ولاية الطاغوت تشديداً ليس فوقه تشديد، إنْ صح التعبير بالتشديد أو الحساسية أو الخطورة.
ويبلغ الأمر من الأهمية درجةً يعتبر معها القرآن الكريم أنَّ التجسم الأكبر للعقيدة، والمصداق الأبرز لصدقها، يتمثل في الولاية السياسية؛ بأن تكون ولايةً في سبيل الله أو ولايةً في سبيل حكام الجور. فهذا هو محك الصدق في كل دين، ومناط التمسك بالعقيدة في هذا المجال.
والدليل على ذلك: أنَّ الحاكمية الاجتماعية السياسية ليست ذات صيغة واحدة بطبيعة الحال، فلها بحسب ما هو مقرر في علوم السياسة والاجتماع والعلوم الإنسانية صياغات عديدة جداً، وهذا هو الأمر الذي كان يغفل عنه الزيدية^([1])، إذ ليس الأمر مقتصراً على القوى السياسية المعلنة في كيان الدولة، بل إنَّ القوى الناعمة كيان، والقوى الاقتصادية كيان، وهم يظنون أنَّ القوة منحصرة في القوة العسكرية الساخنة وفي كيان الدولة، والحال أنَّ الأمر ليس كذلك.
مفهوم الحاكمية وأبعادها المتعددة
فالولاية السياسية أو الحاكمية لها أصعدة مختلفة، ومجالات متباينة، وأطر متعددة، وتجليات متنوعة، وأنواع عجيبة غريبة.
ومثال ذلك: أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقول ما مضمونه: “إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَدَعَ عِلْمِي إِلَى جَهْلِهِمْ”^([2])، وهم يجهلون هذه الحقائق، فبينما كان الإمام الصادق (عليه السلام) في ظل ظروف لا تسمح بالثورة العسكرية، كان يبني بُنىً متعددة لدولة الإيمان، من الجانب الديمغرافي، والثقافي، والاقتصادي، وما شابه ذلك. فالإمام الصادق (عليه السلام) كان في طور الإعداد والتمكين لدولة الإيمان، ولكن ليس بالضرورة بالطريقة الساخنة أو المعلنة، بل بطرق متعددة أخرى.
والحاصل: أنَّ القرآن يشدد على خطورة ولاية الله وولاية الطاغوت على صعيد الحاكمية، وهذه الحاكمية طبقات وأنواع وألوان، وليست على لون واحد، وهذا أمر ضروري ينبغي الالتفات إليه.
وعلى أي حال، فإنَّ الحاكمية بأنواعها وشتى طرقها هي أمر حساس جداً في مقام الحكم على صدق العقيدة، وهل صاحبها صادق في عقيدته أم لا؟ بحيث إنَّ الإنسان إذا أخلَّ بها، فكأنما زيّف عقيدته، وصار غير صادق في اعتقاده، فيكون منافقاً على سبيل المثال.
وعليه، فإنَّ هذه الولايات على أصعدتها المختلفة تنقسم إلى: حاكمية الله أو حاكمية حكام الجور. حاكمية الله بماذا؟ بأحكام الله. وحاكمية الله بمن؟ بحكام العدل الذين نصبهم الله حكاماً، كما مر بنا في هذه الآية الكريمة: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ﴾ [النساء: 76].
وفي هذا السياق، بيّن القرآن الكريم أنَّ المصداق الأعم الحقيقي لكفر الكفرة هو في متابعتهم لحكام الجور، فهم يقاتلون في سبيل الطاغوت. وهذا، كما مر بنا، يبيّن بشكل واضح أنَّ راية الطاغوت تعني ما يصب في صالح تقوية حكام الجور، بينما سبيل الله يعني ما يصب في تقوية أحكام الله.
والشاهد على ذلك: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يشارك في سلطة أصحاب السقيفة، ولكن ليس بما يصب في تقويتهم، بل في تقوية أحكام الله، وفي بسط يد ولي الله. هذا هو سبيل الله، فهو يجيرّ السلطة السقيفية، التي قفزت على سلطة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهازه، ليجيرّها لصالح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولصالح أحكام الله، ولصالح ولي الله.
ونظير ذلك: ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في خطابه للمأمون العباسي، بما مضمونه: “لم أخطُ معك في مسير واحد قط”^([3]). ولماذا؟ لأنَّ الإمام (عليه السلام) كان يجيرّ أجهزة الدولة لصالح أحكام الله، وأحكام الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومصالح الأمة، وراية العدل، بخلاف ما كان يريده المأمون العباسي.
فإذا اختلف السبيل، يتغير المصير. ومما يروى في بيان لطيف لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في شأن جيش السفياني، أنَّه جيش خليط، حتى ورد في بيانه (صلى الله عليه وآله) ما معناه: “يُخْسَفُ بِجَيْشٍ فَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ”^([4]). لماذا؟ لأنَّ بعضهم قد يكون في باطنه ضد السفياني، ويريد إزالته، فإذا جاء عذاب الله شمل الجميع في الظاهر، ولكنهم عند الحشر يبعثون على نواياهم. وهذا نظير ذلك المؤمن الذي كان يؤمن بالنبي موسى (عليه السلام)، ولكنه تباطأ في اللحاق به، فلما جاء العذاب لقوم فرعون شمله، مع أنَّه من المؤمنين المخلصين للنبي موسى (عليه السلام)، ولكن العذاب العام يشمله. فالنقمة الإلهية إذا جاءت تعم. ولذلك ورد عندنا أنَّ المؤمن لا بد له أن يحذر من الجلوس مع الظالمين.
فهم موتى أو قتلى في صعيد واحد، ولكنهم يحشرون على نوايا شتى، كل واحد منهم يتجه إلى وجهة. فالنية ليست مجرد خاطرة فضفاضة أو فكرة عابرة، بل النية برنامج عمل واتجاه. فهذا العمل يصب في اتجاه يغاير هدف ذاك، وذاك هدفه غير هذا. وهذا الاستهداف هو الذي يحدد شاكلة العمل وبرنامجه، فتصبح آثاره وتداعياته متوجهة نحو أهداف شتى.
النية كبرمجة للعمل وتحديد للاتجاه
وقد ورد في الحديث الشريف: “نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ”^([5]). ويذكر أحد الأعلام المحققين، الشيخ حسن زاده الآملي (رحمه الله)^([6])، أنَّ القاعدة النبوية: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ”^([7])، قد فُسِّرت بست وثلاثين قاعدة، لا مجرد مسائل وأحكام. فكلمة واحدة من الذي أوتي جوامع الكلم (صلى الله عليه وآله) تنطوي على قواعد أصولية وتشريعية جمة، منها ما هو أخلاقي، وعقائدي، وفقهي، وتفسيري، وغير ذلك.
ومن تفسيرات “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ”، حسب ما يذكره بعض المحدثين، أنَّ النية ليست خاطرة فضفاضة، وليست بالدقة شيئاً خواءً أو هباءً منثوراً، بل النية قوة مهيمنة على العمل، وهي التي تتحكم فيه. أصلح نيتك، ينصلح عملك تلقائياً. فالعمل يتبرمج على وفق النية.
ولذلك ورد في شرح الأئمة (عليهم السلام) لهذه القاعدة النبوية ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ”^([8]). وهذا يعني أنَّ النية مهيمنة، وكما يُعبّر في المباحث العقلية، فإنَّ النية علة للعمل، ويترشح المعلول من علته، وينصبغ بصبغتها. إذن، لا ينبغي أن نظن أنَّ قضية “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ” هي مجرد مفهوم مقدس جاف خواءً، بل النية، من حيث تشعر أو لا تشعر، هي برمجة وتخطيط للعمل عظيم.
والنتيجة: أنَّ النية برمجة وتخطيط للعمل، تلقائي أو لا إرادي، ما شئت فعبّر. أحسن النية، فتلقائياً تلوّن النية العمل، بل هي التي تكوّن ماهية العمل. فعليك فقط أن تحسن النية، وتلقائياً يتبعها العمل.
ويؤيد ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في شأن جيش الخسف، بما معناه: “يُحشرون شتى، فمنهم إلى الجنة ومنهم إلى النار”. وهذا ليس عجيباً، لأنَّ هدف هذا وبرمجة عمله يختلفان أصلاً عن ذاك، وإن كانا في صورة جيش واحد.
وبناءً على ما تقدم، نعود إلى مفهومي سبيل الله وسبيل الطاغوت. إنَّ هدفك من أي نشاط تقوم به هو المحدد لمصيره. فكيف يحسن بالمرء ألا يكون له عمل إلا بنية صالحة؟ فما هو هدفك؟ هل هو ولاية الله وولاية ولي الله، أم ولاية حكام الجور؟ شئت أم أبيت، فإنَّ عملك سيتجه تلقائياً نحو أحد السبيلين.
وقد ذكر أحد الأعلام المحققين (رحمه الله) ما حاصله: لا تظن أنَّ الانتساب شيء لا أثر له. فهذا ينتسب لهذا المذهب، وذاك ينتسب لذاك المذهب، وهذا ينتسب لهذا الإمام، وذاك ينتسب لإمام الجور. لا تظن أنَّ هذا مجرد انتماء شكلي، فهذا الانتساب نفسه يبرمج عمل العامل. فالذي ينتسب لإمام العدل يصب عمله تلقائياً في دعم راية ذلك الإمام، والذي يتخذ إمام الجور ولياً يصب عمله في دعم راية إمام الجور.
وقد يقال إنَّ فلاناً من المخترعين الذين ينفعون البشر، وهذا صحيح، ولكن السؤال الجوهري هو: لمن انتسب؟ لدولة جائرة عظمى؟ إذن، يرى هذا المحقق أنَّ الولاية، أي الانتماء، هي أعظم الأعمال، بل أعظم من الصلاة، لأنَّ طبيعة الولاية تلوّن كل الأعمال، حتى الصلاة تتلون إما لتصب في صالح راية العدل أو في صالح راية الضلال. قد يكون حافظاً للقرآن، ولكنه يوالي راية حكام الجور، فيقال: انظروا إلى أتباع أئمة الجور كيف هم متدينون ومقدسون! فيكون صيامه وصلاته دعماً لمن؟
وهنا تتجلى عظمة الولاية من منظور عقلي، حيث إنَّها تُعد أعظم من الصلاة ومن سائر الأعمال، لأنَّها تلقائياً تفرض سيطرتها وتحكمها على اتجاه كل الأعمال، فتصوبها إما نحو مشروع العدل والنور والتوحيد، أو نحو مشروع الظلم والجور والشيطنة.
والقاعدة هنا: أنَّه لا يقبل الله من عامل عملاً إلا بالولاية، لأنَّ طبيعة العمل تقتضي توظيفه وتسخيره في اتجاه ما، شئت أم أبيت. فأعمالك كلها، حتى الخيرية منها، توظف في سبيل انتمائك. فالصليب الأحمر الدولي مثلاً، أعماله خيرية، ولكنها تصب في صالح من؟ في تلميع صورة الدول العظمى الجائرة، الناهبة للثروات، والمشعلة للحروب، فتخفف من قباحة جناياتها. قد يكون العمل خيرياً في ظاهره، ولكن ما هو الانتماء الذي يوجهه؟ وهذا بيان عقلي متين لأحد المحققين المجتهدين الكبار، المتضلع في العقليات.
والخلاصة: أنَّ الانتماء في باب الولايات يصب في جهادك العسكري، ونشاطك المالي، والتجاري، والعبادي. كلها تصب إما في راية العدل أو في راية الباطل، شئت أم أبيت. فحدد انتماءك أولاً، يتحدد بذلك ثمار عملك.
إنَّ أول مرحلة في حياة البشرية تمثلت في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة: 30]. فأول شيء هو الإمامة والولاية. وعليه، فإنَّ ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) هي مقام غير مقام نبوته.
الولاية في مقابل المعرفة: تصحيح مفهوم التوحيد
فولاية الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، ليست هي التوحيد بالمعنى المعرفي المجرد. فما موقع الولاية من المعرفة؟ لقد مر بنا أنَّ أحد الانفجارات المعرفية في آية الكرسي هو أنَّ الولاية تقابل المعرفة. الولاية مقابل المعرفة، وليست الولاية مقابل التوحيد، وإنْ جرى ذلك على ألسنة الأعلام لألف سنة في غفلة عن هذه الدقيقة.
[1] : تُعرف الزيدية تاريخياً بتركيزها على شرط “الخروج بالسيف” كأحد شروط الإمامة، مما قد يفسر حصرهم لمفهوم الحاكمية في السلطة السياسية العسكرية المعلنة، وهو ما ينتقده المصنف هنا بتوسيع المفهوم ليشمل القوى الناعمة والاقتصادية. [2] : لم نعثر على هذا النقل بلفظه في المصادر المعتبرة، ومضمونه ينسجم مع سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) في نشر العلم وتأسيس قواعد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). [3] : لم يُعثر على هذا النقل بلفظه، ولكن مضمونه متواتر في الروايات التي تصف موقف الإمام الرضا (عليه السلام) من ولاية عهد المأمون، حيث كان يظهر عدم رضاه ومشاركته الصورية. يُراجع: الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام). تحقيق حسين الأعلمي، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ، ج 2، ص 138-140. [4] : هذا مضمون ما ورد في روايات “الخسف بالبيداء”. انظر: النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة. تحقيق فارس حسون كريم، ط1، أنوار الهدى، 1422 هـ، ص 280، باب 14، ح 67. [5] : الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 84، باب “النية”، ح 2. [6] : هو العلامة حسن بن عبد الله الطبري الآملي، المعروف بحسن زاده آملي (ت 1443هـ)، من كبار فلاسفة وعرفاء الحوزة العلمية في قم، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة والعرفان والرياضيات. [7] : الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 1، ص 70، باب “أنما الأعمال بالنيات”، ح 7. والحديث متواتر عند الفريقين. [8] : الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص 473، الحكمة 26.
وإن جرى ذلك في كلمات الأعلام ألف سنة غفلةً، فإنَّ الولاية في حقيقتها تقابل المعرفة. فالتوحيد يشتمل على معرفة وولاية، والنبوة تشتمل على معرفة وولاية، والإمامة تشتمل على معرفة وولاية، فمعرفة بلا ولاية هباءً منثوراً. فإبليس يعرف الله كما مرّ بنا، لكنه يفتقر إلى ولاية الله والخضوع له، بل عنده تمرّد وجموح وشُموسية على الله، فليس عنده توحيد. فالتوحيد ليس مجرد معرفة، خلافاً لما قد يظهر من بعض كتب المتكلمين أو الفقهاء التي تحصره في الجانب المعرفي، وهو ما يذهب إليه البعض أيضاً، في حين أنَّ حقيقة التوحيد هي معرفة وولاية معاً. فبمعيّة المعرفة والولاية يتحقق الإيمان، وبدونهما يكون الكفر، فقد يكون عند المرء معرفة ويقين بها، لكنه مع ذلك كافر، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
وقد خاض في تفسير هذه الآية الفلاسفة والمتكلمون والمفسرون والفقهاء، ولكن بمقتضى البيان القرآني وأدبيات أهل البيت عليهم السلام، يتضح أنَّ الإشكال يكمن في الانفكاك بين المعرفة والخضوع؛ إذ كان عندهم يقين معرفي، لكنهم افتقروا إلى الانقياد والولاية. فالولاية هي الانقياد، وأعظم مصاديق الانقياد يتمثل في حاكمية الله مقابل حاكمية الجور، فكل ما لا ينتمي إلى الله فهو جور وطاغوت.
والقول بأنَّ الولاية تقابل النبوة ليس دقيقاً، بل الصواب أنَّ الولاية تقابل المعرفة، فالنبوة نفسها تشتمل على ولاية ومعرفة. والشاهد فيه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. وهنا تتجلى مراتب الولاية، لا في الدرجة الأولى أو الثانية، بل في القمة التي تشير إليها الآية بأربع مراحل: التحكيم، ثم عدم وجود الحرج النفسي، ثم التسليم، ثم تأكيد التسليم بـ﴿تَسْلِيمًا﴾. فهذه أربع درجات من الولاية للرسول (صلى الله عليه وآله)، بها يتحقق إيمانهم برسالته.
ولذلك نجد هذا البيان جلياً في المأثور النبوي المتواتر: «يَا عَلِيُّ، كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِي وَكَفَرَ بِكَ».[9] وما ذلك إلا لأنَّ معرفة النبي (صلى الله عليه وآله) والإقرار به لا تكفي، ما لم تقترن بالخضوع له والتزام ولايته، فكيف يصح إيمان من يتمرد على أمر النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ومنه الحديث الآخر: «كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَيُبْغِضُكَ»، [10] لأنَّ المحبة هي فرع من الولاية.
والحاصل أنَّ الإيمان بالنبوة ليس مجرد معرفتها واليقين بها. فإبليس كان على يقين بوجود الله، ولكنه كان متمرداً طاغياً عليه، فكفره كان بالله ابتداءً، لا بآدم، لافتقاره إلى ولاية الله. وقد صرّح بذلك قائلاً: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62]، فكان على يقين باصطفاء الله لآدم، لكنه لم يسلم ولم يخضع لهذا الاصطفاء. فإذا فسرنا اليقين على أنه مقولة معرفية، والجحود على أنه موقف ولائي، أمكننا التفكيك بين هذين الأمرين. وعليه، فالإيمان بالله يتركب من معرفة وولاية له. ويكون معنى قوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: اعرفوا الله ووالوه، واعرفوا رسوله ووالوه (صلى الله عليه وآله). وكذلك الإيمان بإمامة علي (عليه السلام) يعني معرفة إمامته وولايته.
والنتيجة: أنَّ قوام الإيمان لا يمكن حصره في المعرفة اليقينية، خلافاً لما قد يُفهم من بعض المباحث في كتب الكلام أو الفقه.
فما الفرق بين التوحيد كمعرفة والتوحيد كإيمان؟ الجواب: أنَّ الإيمان بالتوحيد يعني اجتماع المعرفة والولاية معاً؛ فالإيمان جامعٌ لهما. أليس إبليس كان على يقين بالمعاد بدليل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36]، لكنه لم يكن لديه خضوع له أو خوف منه. وهذا حالنا مع الموت، فلدينا يقين به، ولكن هل يترك هذا اليقين أثره العملي؟ كما ورد في الأثر المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا رَأَيْتُ يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ».[11] فالعمل هو عمل الجاحدين للموت، فلا القلوب تخشى، ولا الجوارح ترتدع. إنَّ الإنسان قد يكون عنده يقين بالشيء، لكنه لا يرتب عليه آثاره العملية.
والخلاصة: أنَّ الإيمان ليس مجرد اليقين المعرفي كما هو المطروح في بعض كتب الكلام والفقه والفلسفة والعرفان، بل لا بدَّ أن تقترن به الولاية.
وهنا يَرِدُ إشكال على المنهجية التي تتعامل مع نصوص الوحي وأحاديث أهل البيت عليهم السلام. فمن العجيب كيف يغفل البعض عن كون بيانات أهل البيت عليهم السلام عقلية في جوهرها، فيُحصَرُ العقل في كلام الفلاسفة والمتكلمين، وتُنزَع عن بيانات القرآن وأهل البيت هذه الصفة. وكذلك يُقال إنَّ بيانات أهل البيت ليست “صناعية”، بمعنى أنها لا تخضع للمصطلحات التخصصية، وتُحصَر الصناعة العلمية في كتابات علماء الأصول والفقه. وهذا فصلٌ عجيب، فكيف يُتصوّر خلوّ بياناتهم من الأصول والقواعد، والحال أنَّ المشكلة تكمن في القارئ الذي لا يمتلك الأدوات لقراءتها قراءة تخصصية، سواء كانت أصولية أم سياسية أم غيرها.
إنَّ هذه النظرة تجعل الرواية نصاً مبهماً، أصمّ أبكم، وتفسّر “التعبد” بالرواية على أنه أخذٌ أعمى بها. فهل يُعقل القول بأنَّ القرآن نفسه ليس نصاً “صناعياً”؟ إنَّ المشكلة ليست في الوحي، بل في “الطرف القابل” الذي يعجز عن استكشاف ما فيه من صناعات ولغات تخصصية. والشاهد فيه: قول الصديقة (عليها السلام): «أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي؟».[12] فدلالة هذا القول واضحة على أنَّ مفاهيم العموم والخصوص والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد، كلها كامنة في بنية الوحي، ولم يبتكرها الأصوليون، بل استخرجوها. فالمشكلة فيمن لا يملك آليات القراءة والاستنباط، لا في النص نفسه. إنَّ هذه الذهنية المتعشعشة في بعض الأوساط العلمية، والتي ترى الآيات والروايات نصوصاً صمّاء بكماء، وتفسّر التعبد بها على أنه إغماضٌ للعقل، هي قراءة سقيمة للوحي.
وبالعودة إلى أصل المبحث، فالحاصل أنَّ الإيمان متقوم بركنين: المعرفة والولاية. فالإيمان بالله يتركب من معرفة وولاية، والإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله) يتركب من معرفة وولاية. وهذه الولاية المذكورة في الآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، [13] هل هي ولايات ثلاث أم ولاية واحدة؟ إنها واحدة في حقيقتها، ولكنها تتجلى في ثلاثة مظاهر، فهي وحدة في كثرة وكثرة في وحدة، نظير قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾.[14]
وعليه، فولاية الله رتبة، وولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) رتبة، وولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) رتبة. ومن الخطأ حصر مفهوم الولاية في الإمامة فقط. وهذا التراتب يجري في المعرفة أيضاً، فهي مراتب: معرفة الله، ومعرفة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومعرفة الأئمة عليهم السلام، ومعرفة المعاد. بل إنَّ حقيقة المعاد ليست إلا لقاء الله، وهذا بعدٌ آخر في فهم المعاد. فمعرفة أننا سنلاقي الله ورسوله وأهل بيته هي جوهر الإيمان بالمعاد. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي».[15] فالموت هو إحدى محطات اللقاء. وهذه تجليات لقدرة الله وعظمته، كما ورد في دعاء الجوشن الكبير: «يَا مَنْ فِي الْمَمَاتِ قُدْرَتُهُ».[16]
إنَّ أعظم ما في الجنة ليس الحور العين والولدان المخلدين، بل هو “لقاء الله”؛ ذلك النور المتجلي من حضرته على أهل الجنة، ثم نور رسوله (صلى الله عليه وآله)، ثم نور علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام، بما يفيض من بهاء وجمال وسرور وبهجة ونشوة روحية. وقد ورد في بعض الآثار ما مضمونه أنَّ أهل الجنة قد يُغمَسون في أنوار الجمال الإلهي سنيناً طويلة، ثم يفيقون وكأنها لحظة واحدة.
فائدة: إنَّ الجنة هي ظرف لما هو أعظم منها، وهو الله ورسوله. فحينما يقول المؤمن في تشهده: “أَشْهَدُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ”، [17] فإنما هي مقدمة للإقرار بما هو أعظم، وهو أنَّ علياً (عليه السلام) قسيم الجنة والنار، وأنَّ نوره ونور الله ورسوله هو أعظم جزاء فيها.
فالأصول الثلاثة (التوحيد، النبوة، الإمامة) تتحرك على أصعدة متعددة، فتتجلى في الإيمان والمعرفة واللقاء والمعاد. وقد دلت الأدلة الوحيانية على أنَّ لُبَّ المعاد وروحه هو لقاء الله ولقاء رسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته. فحينما يقول المؤمن: “أشهد أنَّ الموت حق”، فإنما يشير إلى أنَّ الموت ليس عدماً، بل هو إطارٌ لُبُّه وجوهره هو اللقاء.
روحه لقاء الله، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ¤ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١-٢]، فالنبأ العظيم هو القيامة، وجوهرها وأهم ما فيها هو لقاء الله، والحساب بين يدي الله، ثم الحساب بين يدي رسوله وأئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وعلى هذا الأساس، يُطرح التساؤل: هل النبأ العظيم هو الظرف أم المظروف؟ والحاصل أن الاهتمام ينبغي أن ينصبّ على المظروف، أي على ما يتجلّى في ذلك الظرف، وإن كان التعبير بالمظروف فيه شيء من المسامحة. وهذا الأمر يجري في جميع العوالم، سواء في الجنة أم القيامة أم الموت والبرزخ.
ويتفرّع على ذلك أنّه في البرزخ تتجلّى مملكة الله ومملكة رسوله ومملكة الأئمة. وقد أشار صاحب الكفاية[18] في حاشية له إلى أن البرزخ هو مملكة ودولة الحسين (عليه السلام)، وهو ما يُستفاد من بعض الروايات.[19] ويظهر ملكهم في البرزخ، ثم يظهر على نحو أتمّ في الجنة، وأظهر في القيامة، فكلما تعالى العالم كان تمكين الله (عز وجل) لهم أعظم.
وأما مملكة الله فتتجلى في كونه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]. ويوصف جل وعلا بأنه الديّان الأول، ويأتي بعده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ديّاناً ليوم الدين، ثم أوصياؤه (عليهم السلام) ديّانون يحاسبون ويداينون. فمُلك يوم الدين هو مُلك الحساب، وهذه المالكية لها مراتب.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.