47/11/09
ولاية الله وولاية الطاغوت (11) درجات التوحيد في كلمة التهليل
الموضوع : ولاية الله وولاية الطاغوت (11) درجات التوحيد في كلمة التهليل
يدور البحث في الآية الثالثة من آية الكرسي، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256]. وقد قُدِّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، فابتدأت الآية بـ”لا إله” ثم أتبعتها بـ”إلا الله”. وهذا التقديم يوافق المنهج العام في السلوك والعقيدة؛ ففي الرياضة الروحية لا بد من التخلية أولاً ثم التحلية، [1] وفي العقائد لا بد من تطهير القلب من الشركاء أولاً ثم بناء صرح التوحيد، وكذلك الحال في عالم السياسة، حيث لا بد من التطهّر من الجور أولاً ليحلّ النور.
تنبيه: مرّ بنا سابقاً وجه التعبير القرآني بـ﴿يَكْفُرْ﴾ وعدم استعمال “يتبرّأ من الطاغوت”، ومآل القول: إنّ التبرّؤ على صعيد الإيمان والعقيدة والمعرفة يرتقي لينقلب إلى كفر بالطاغوت، فالتخلية القلبية يُعبَّر عنها بالكفر، كما يُعبَّر عن التولّي بالإيمان، وهي مرتبة فكرية وقلبية شدّد عليها القرآن الكريم.
وعليه، فإنّ القرآن الكريم يعتبر تولي الطاغوت فكرياً وقلبياً أخطر وأعظم شناعةً من توليه سياسياً أو اجتماعياً أو عسكرياً. وكما هو الحال في جانب الإيمان بالله، فإنّ التولّي الفكري له هو أعظم مراتب الإيمان، ويسبق التولّي السياسي أو الاجتماعي. ويتحصّل من ذلك أن وظيفة التبرّؤ من ولاية الجور تتصاعد في الأهمية لتبلغ أساس العقيدة وجوهر التوحيد وكلمة التهليل.
مراتب التهليل ومعاني التوحيد
وأما فقه كلمة “لا إله إلا الله”، فإنّ مادة اشتقاق “إله” و”الله” واحدة، وهي من “أَلِهَ، يَأْلَهُ”، والإلهية هي الشوق المستميت بولهٍ شديد، وهو ما يُسمّى بالتألّه. فكلمة التوحيد هذه تعني فيما تعنيه أن مجامع القلب لا يعقدها المؤمن لغير الله، بل يعقدها لله وحده، فالله عزّ وجلّ هو مركز ميول مجامع القلب.
ولكلمات التوحيد في بيانات القرآن مراتب متعددة، كقوله: “لا إله إلا الله”، أو “لا إله إلا أنت”، أو “لا إله إلا هو”. ويُقال إنّ “لا إله إلا هو” أعلى مرتبةً من “لا إله إلا الله”.
فائدة: إنّ الذكر الذي كان يلهج به أمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة أُحد: “يا هو يا من لا هو إلا هو”[2] ، هو تهليل لله عزّ وجلّ يُعدّ أعظم من “لا إله إلا الله” و”لا إله إلا هو”.
وهناك مرتبة أعلى، وهي ما ورد في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: 90]. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يشير إلى أن هذا البيان في سورة يوسف هو رمز وإشارة إلى أعالي مراتب التوحيد، وهو أن تعرف الله بالله لا بغير الله.[3] وهذا المعنى يحتاج إلى بسط وشرح في محلّه.
ففي قوله: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ﴾، يتم اكتشاف الحاضر من خلال الحضور الأجلى، لا اكتشاف الغائب. فاسم “يوسف” في علم البلاغة هو اسم عَلَم، وهو في حكم الغائب، بخلاف ضمير الحاضر “أنت” الذي هو أعرف من ضمير الغائب “هو”. وبحسب هذا البيان المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام)، فإنّ مرتبة ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ﴾ تفوق مرتبة “لا هو إلا هو”، لأنها إشارة إلى الحاضر الأجلى معرفةً من الغائب.
ويتجلّى هذا المعنى في نصوص الزيارات، ففي زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نقول: “أشهد أنك محمد بن عبد الله”، فضمير الخطاب “أنك” أعرف من الاسم “محمد بن عبد الله” الذي هو في حكم الغائب. وكذلك في قولنا: “أشهد أنك رسول الله”، فإنّ “أنك” أعرف من “رسول الله”. وعندما نقول في التشهّد: “أشهد أن عليّاً ولي الله”، فإنّ الخطاب ليس مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هو مع الله عزّ وجلّ، لأننا جعلنا “عليّاً” في موقع الغائب، بينما المخاطب الحاضر هو الله تعالى.
وقد تسأل عن الفرق بين صيغ التهليل، كقولنا: “أشهد أن لا إله إلا الله”، وبين صيغ أخرى مثل “لا إله إلا هو” أو “لا إله إلا أنت”. والجواب: أن صيغة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ التي وردت في نداء النبي يونس (عليه السلام)[4] ، هي أقوى درجةً من “لا إله إلا هو”، لأنها خطاب مباشر للحاضر. أما في قولنا “لا إله إلا الله”، فإننا نخاطب الباري تعالى حضوراً، ولكن بأوصاف فيها جهة غيبة، وهذا بحث آخر.
إجمالاً، إنّ لكلمة التهليل مراتب عديدة بحسب نصوص القرآن، ومن ضمن هذه المراتب ما يتصل بالتولّي والتبرّؤ، فهما دخيلان في حقيقة التوحيد. وأقصد بذلك التولّي والتبرّؤ الفكري والقلبي، فهو إذا تحقق أصبح من مراتب التوحيد نفسه. وهذا ما تشير إليه بيانات أهل البيت عليهم السلام، وكما ورد في الحديث المستفيض عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديث سلسلة الذهب: “…بشروطها وأنا من شروطها”.[5]
فإن قيل: كيف يكون الإمام الرضا (عليه السلام)، وهو مخلوق، شرطاً من شروط التوحيد؟ قلنا: إنّ تأصيل هذا المعنى نجده في نص آية الكرسي نفسها، وفي منظومة الآيات الواردة في الولاية التي استعرضناها سابقاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [المائدة: 55].
واللطيف في المقام: أن الآية الثانية من آية الكرسي عبّرت بـ”الكفر والإيمان”، فقالت: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾، بينما الآية الثالثة عبّرت بـ”الولاية”، فقالت: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا… وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: 257]. والسر في هذا التنوع هو أن الإيمان بالله يتجلّى في الإيمان بالإمام الذي هو خليفة الله ومظهره، فمقابل الكفر بالطاغوت وولايته، لا بد من الإيمان بالله الذي يتمثّل في ولاية أوليائه. فكما تكفر بولاية الطاغوت فكراً وقلباً، يجب أن تؤمن بولاية أولياء الله، فالإيمان بهم هو إيمان بالله.
وهذا هو التأصيل القرآني لما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من أن معرفة إمام الزمان هي مظهر معرفة الله في كل عصر. فالتوحيد له وجهان لحقيقة واحدة، فكما لا يكفي التوحيد في الذات بل يجب أن يقترن بالتوحيد في الأفعال، [6] كذلك لا يكتمل التوحيد إلا بولاية أولياء الله. فالأفعال وإن كانت مخلوقة، إلا أن لها دخلاً في التوحيد، وإلا لكان القول بالتوحيد الذاتي مع الشرك في الأفعال هو عين ما قالته اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64].
إذاً، ما يذكره أهل البيت عليهم السلام ليس ادعاءً، بل له أصل قرآني وعقل وحياني أصيل. وقد ورد في الرواية: “من عرف حقنا من كتاب الله زالت عنه الجبال ولم يزل إيمانه”.[7] وهذه ليست مجرّد روايات، بل هي حقائق كامنة في آيات القرآن، والروايات تكشف عنها وتفسّرها. وهذا هو المنهج الذي ربّى عليه الأئمة أصحابهم، كما قال الإمام الباقر (عليه السلام) لزرارة:[8] “يا زرارة، إذا حدثتك بشيء فاسألني عنه من كتاب الله”.[9]
وهذا هو معنى “معيّة الثقلين”، أي إنّ كل ما ورد في روايات العترة الطاهرة يجب
منهجية الثقلين: معية القرآن والعترة في المعرفة
أن نبحث عن أصله وتأصيله في القرآن الكريم.
أن نبحث عن أصله وتأصيله في القرآن، وهذه هي المعية في المعرفة، والمعية في الاستمداد المعرفي. وهذا أحد معاني معية الثقلين، إذ هما لن يفترقا في مقام المعرفة، ولا في مقام التشريع، ولا في مقام السياسة؛ فهما لا يفترقان في أي محطة من المحطات أو مقام من المقامات. ومن يفرّق بينهما فهو قاصر في المعرفة، والإنسان إذا كان محيطاً بالمعرفة فإنه يفهم معية الثقلين في كل موطن، ومنها مقام المعرفة والتعلم.
وبيان أهل البيت (عليهم السلام): أن ابحثوا عن أصل معارفنا ومضامين رواياتنا وجذرها القرآني، وهذا نوع من العمل بتوصية التمسك بالمعية. فماذا قال النبي (صلى الله عليه وآله) حين أمر بالتمسك؟ هل أمر بأحدهما؟ لا، بل أمر بالتمسك بالمعية، وهذا يعني أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمرنا أن نؤصّل معارف روايات أهل البيت (عليهم السلام) من القرآن، من دون تكلّف، فهي واقع موجود نكتشفه.
وهذا أحد معاني كلام سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً».[10] فإذا جعلنا الحجية لأحدهما دون الحجية للآخر، نكون قد تمسكنا بأحدهما، ولم نتمسك بالمعية، وهذا يحتاج إلى تضلّع علمي كي نمتثل للأمر بالتمسك بهما، أي تمسكاً بمعية كل منهما، حتى في مقام المعرفة. إذن، فهذا أمر من الرسول (صلى الله عليه وآله) بتأصيل معارف الروايات من القرآن عبر اكتشافها.
وفي زيارة الإمام الهادي (عليه السلام) لجده أمير المؤمنين (عليه السلام)، المعروفة بالزيارة الغديرية، [11] نجد تعليماً على المعية في المعرفة. فإذا كان هناك حديث متواتر للنبي (صلى الله عليه وآله) في مقامات أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وأهل البيت (عليهم السلام)، ولم نعرف جذره القرآني، فالقصور فينا. يجب أن نعرف هذه المعية المعرفية، ونتمسك بهما معاً، وليس فقط بالحديث النبوي المتواتر، فنعم التمسك هو، لكنه ليس كافياً، بل هو تمسك ناقص. والتمسك الكامل هو أن أعرف الحديث النبوي المتواتر وأعرف جذره القرآني، وإذا تمسكت بالجذر القرآني ولم أعرف بعد جذره النبوي والولائي، لصار تمسكي ناقصاً أيضاً.
إنها وظائف صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، فالعلماء يجتهدون في الحديث المتواتر، ويجمعون بينه وبين التفسير، وهذا أمر صعب. كما أن المفسر يجد صعوبة في الجمع بين علمه وعلم الحديث وفقهه. ففي قوله (صلى الله عليه وآله): «تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا»، نجد في بيان الإمام الهادي (عليه السلام) في الزيارة الغديرية - وهي ليست خاصة بيوم الغدير، بل تُدرس ويُتدبر فيها كل يوم وكل ساعة، فهي غدير المعرفة وبابه المفتوح - تأكيداً وتشديداً على المقارنة في المعرفة بين الحديث النبوي والقرآن في مقامات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقد مر بنا أن صاحب الوسائل[12] (رضوان الله تعالى عليه) في المجلد الأول من كتابه، سمّى الأبواب “أبواب العبادات”، ولكنها في حقيقتها تتضمن عقائد، وليست مجرد قواعد فقهية، فالتسمية هنا مهمة.
تنبيه: لا ينبغي للباحثين والمحققين والمدققين أن تغرّهم عناوين المؤلفين لكتب الحديث؛ لأن ما يقتنصه العالم من معنى ويضعه عنواناً للباب، ليس بالضرورة أن يشمل كل مضامين روايات ذلك الباب. فإن خُدعنا باستنتاج العالم، حبسنا أنفسنا عن البحر الزاخر الموجود في مضامين الروايات. ولو كان هذا العالم هو الطوسي، أو الكليني، أو الصدوق، أو قطب الدين الراوندي، أو السيد ابن طاووس، أو الحر العاملي، أو المجلسي.[13] فهو قد اقتنص واقتطف هذه الدرر، لكن هذا البحر فيه درر كثيرة ولآلئ وفيرة، هو اقتنص بعضها ولم يقتنص جميعها. فحذارِ علمياً أن نحبس أنفسنا باستنتاجات هؤلاء الأعلام؛ لأن في بحار المعرفة لؤلؤاً ومرجاناً ودرراً كثيرة أعظم مما اقتنصوه.
والحاصل: أن النظرة السائدة، وقد مر بنا هذا مراراً، أن الكتب الأربعة[14] هي كتب فقه الفروع، ولكنها واللهِ كتب أصول العقيدة قبل أن تكون كتب فروع. وكذلك كتاب الوسائل ليس في فقه الفروع فحسب، بل هو كتاب للعلوم الدينية أجمع. إن أخطر معارف أهل البيت (عليهم السلام) موجودة في الكتب الأربعة وفي الوسائل، يفطن لها من يفطن، ويغفل عنها من يغفل.
قاعدة: إن قضية التمسك بالثقلين في المعرفة هي قضية منهجية، وهو منهج عجيب عظيم، سواء في التفسير أو في الفقه أو في علم الكلام أو أي علم من العلوم الدينية. فمعية الاستنباط والاستنتاج من الكتاب والعترة، لا من الكتاب وحده ولا من العترة وحدها، هي التي تبني بنياناً رصيناً لا تزلزله نفخة الصور التي بها ﴿…فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ…﴾ [الزمر: 68]؛ لأن الكتاب والعترة أعظم من ذلك.
فإذا كانت لديك حجية، لكنها تنفرط في وسط الطريق، وفي خضم المعترك الفكري والعقائدي تتلاشى، فما قيمتها؟ إن ما يؤمّن هذا المنهج هو معية التمسك بالثقلين في المعرفة، وهو أمر صعب إلا على أساطين العلم، فليجتهد المرء ليكون منهم. ومن أوصاف الثبات على هذا المنهج ما ورد في الزيارة الغديرية من أوصاف عظيمة في المنهج المعرفي، كقوله: «وَلَمْ تَفْلُلْ حُجَّتُكَ، وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ».
فقد تبهم الحقيقة على المؤمن البصير الباحث في معترك المسير، فيكون في بدايته مهتدياً، ثم في وسط الطريق يضل. وفي تلك الزيارة أوصاف أربعة عظيمة للمنهج المعرفي: ألا تجبن النفس، فالشدائد والمسؤوليات والحرب النفسية تؤثر على الفكر. ثم «لَمْ تَجْبُنْ نَفْسُكَ، وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ، وَلَمْ تَفْلُلْ حُجَّتُكَ، وَلَمْ يَزُغْ قَلْبُكَ». فالبصيرة قد تضعف وقد تقوى، والحجة قد تُفلّ وقد تبقى. وفي الزيارة وصف آخر: «وَكُنْتَ لِلْجِبَالِ رَاسِخاً مِنْ كُلِّ الْعَوَاصِفِ». فهذه صفات معرفية خمس أو أكثر، يؤكد عليها الأئمة (عليهم السلام) لنقتدي بأمير المؤمنين (عليه السلام) فيها، وإلا فلا يكفي أن تكون لدى الإنسان طاقة في بداية الطريق، ثم يتعطل ويتوقف في وسطه.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.