« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/11/08

بسم الله الرحمن الرحيم

الكفر بالطاغوت: البراءة الفكرية والتقية المتوازنة في ضوء آية الكرسي

الموضوع: الكفر بالطاغوت: البراءة الفكرية والتقية المتوازنة في ضوء آية الكرسي

لا يزال الحديث في رحاب آية الكرسي وما يتصل بها من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [البقرة: 256].

وأول نقطة يشدّد القرآن عليها في ولاية الطاغوت، أنه لم يقل: من يعصِ الطاغوت، ولا قال: من يحطّم الطاغوت، أو من يحارب الطاغوت، أو من يباين الطاغوت، أو من يقاطع الطاغوت. كلا، إنَّ أول وظيفة تجاه الطاغوت بالنسبة للمؤمن والمؤمنين هي وظيفة قلبية وفكرية، وهي الكفر به.

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ﴾، وهو كفر فكريٌّ يقتضي عدم التشبّع بثقافة حكام الجور وسياساتهم في العالم، وعدم الانصهار فكرياً وقلبياً بتنظيراتهم وأفكارهم وبرامجهم. وهذا عند القرآن أعظم من مجرّد متابعتهم سياسياً، إذ قد يتابعهم المرء سياسياً عن خوفٍ، أما التنظير لهم فكرياً، فهذه نجاسة ليس فوقها نجاسة، ورجس ليس فوقه رجس، وهو ما يسمّيه القرآن كفراً. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، هو كفر فكريٌّ، وكفر قلبيٌّ.

فإذا صار الفكر منبطحاً، وإذا صار الفكر مهزوزاً والقلب مهزوزاً، فإن ما يرفده القلب إلى بقية طبقات الإنسان وبدنه سيكون نجساً كلّه. ولابن سينا[1] رسالة لطيفة يثبت فيها بالبرهان العقلي كيف أن الكفر في الفكر والقلب ينجّس بدن الإنسان. أليس الكافر نجساً؟ وهذه أمور خطيرة، فهو أنجس وأرجس، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، حتى إنَّ الفقهاء قالوا: إنَّ المصداق المتيقن أو الأساس المركزي في هذه الآية هو نجاسة أرواحهم وقلوبهم وأفكارهم، على ما ذهب إليه المفسرون والفقهاء. فمركز النجاسة وينبوعها هو الفكر والقلب.

والحاصل: أن النجاسة الفكرية والقلبية أنجس من النجاسة المادية. ولذلك ورد في وصف طعام أهل النار قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36]، وقد ورد في تفسيره أنه نهر تجتمع فيه قاذورات أهل النار. فالنجاسة المعنوية أشد من النجاسة المادية، ويُستفاد ذلك من كثير من الروايات، وما يُنقل عن بعض من جرّب الموت وعاد، أن نجاسة الفكر ونجاسة القلب أشد من نجاسة البدن، بل هي أنجس النجاسات.

وهناك حزب متميز عن بقية المنافقين، وهم ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: 52]، الذين انخرطوا في الإسلام من البداية لأجل الوصول إلى السلطة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد بيّن القرآن أنهم سيصلون إليها. ففي عدّة سور قرآنية، تتابع عدسة القرآن هذا الحزب، بدءاً من سورة المدّثر، وهي من أوائل السور نزولاً. ولولا أهل البيت عليهم السلام لما اكتُشفت هذه الملفات في القرآن، فهي وإن كانت في سطح القرآن، لكن لا يلتفت إليها إلا هم.

وهذا برهان على كلام قطب الدين الراوندي[2] والملا الشريف الفتوني[3] ، من أن ظاهر القرآن لا يحيط بأسراره إلا أهل البيت عليهم السلام؛ فبنية ظاهر القرآن، لا باطنه، هي التي لا تُدرك. فالظاهر باطن، والباطن ظاهر، وهذا يصدق على القرآن نفسه. إنَّ بنية ظهور القرآن باطنة بمعنى أنه لا يستطيع إدراكها إلا أهلها، وهو شبيه بالإعجاز البلاغي للقرآن؛ فبلاغة القرآن قائمة على علوم اللغة العربية وقواعدها الظاهرة، ولكن سر الإعجاز باطن مع أن البلاغة ظاهرة. فظهور القرآن عين بطونه، وبطونه عين ظهوره. وهذه منظومة تفسيرية يشيدها أهل البيت عليهم السلام، لا في صفات الله فحسب، بل في صفات القرآن كذلك.

وعلى هذا الأساس بنى قطب الدين الراوندي (رحمه الله) في كتابه المهم فقه القرآن منهجه في الفقه التفسيري لآيات الأحكام، على أن الروايات جلّها أو كلها تعالج بنية ظاهر القرآن. وقد تابعه على هذا المنهج الفيض الكاشاني[4] ، والملا الشريف الفتوني (رحمه الله)، وجماعة أخرى من الأعلام.

المهم أن نرجع إلى هذا المطلب، وهو أن القرآن الكريم يبيّن أن أخطر شيء في ولاية الطاغوت هو الجانب الفكري والقلبي. يقول تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. فإن موادّة أعداء الله القلبية تسلب الإيمان.

وفي السور المدنية الأخيرة نزولاً، التي كان لهيبها شديداً، كسورة الممتحنة ومحمد والأحزاب والتحريم وبراءة، نجد تركيزاً على هذا المعنى. ففي سورة الممتحنة يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]. والمقصود بما “تعبدون” ليس الصنم والوثن فحسب، بل كل منهج فكري باطل يتابعونه. فالبداية تكون في البينونة الفكرية والقلبية.

إنَّ المداراة شيء، ونشر المودّة للأعداء شيء آخر، وهو انحراف ما فوقه انحراف. وكثير للأسف يتذرّع بعنوان المداراة ليطبع الموادّة القلبية والفكرية، وهذا عين سلب الإيمان.

ومن هنا كانت زيارة عاشوراء عظيمة ومقدسة، ويُؤكَّد على الإتيان بها يومياً. ويكمن سرّها في أنها تمثل براءة سياسية واصطفافاً سياسياً وقلبياً وفكرياً مع راية الحق، وتطهيراً للإنسان من راية الباطل ورايات الجور.

فما هو السر في أن أئمة أهل البيت عليهم السلام ركزوا على زيارة الحسين (عليه السلام) وجعلوها أعظم شيء؟ السر هو أن مدرسة الحسين هي مدرسة البراءة السياسية؛ أن تبرّئ فكرك من حكام الجور في العالم كلهم، وأن تطهّر نفسك منهم. فأهل البيت عليهم السلام مع دعوتهم للتقية، يشدّدون في الوقت نفسه على التمسك بالحسين وزيارته، التي هي براءة سياسية من حكام الجور.

فحين تقول في الزيارة: “وَلِيٌّ لِمَنْ وَالَاكُمْ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عَادَاكُمْ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ”[5] ، ثم تتقاعس عن حرب من حارب أهل البيت، أهو كذب أم صدق؟ إن لم تلتزم بذلك، فكأنك أنشأت زيارة أموية تقول: “سلم لمن حاربكم، وحرب لمن سالمكم، وعدو لمن والاكم، وولي لمن عاداكم”.

إنَّ زيارة الحسين تقتضي موقفاً، وهنا تكمن صعوبة مقام الإمام الحسين؛ فمقامه زلزال مستمر وبركان دائم، يطلب منا موقفاً وبراءة سياسية وفكرية من حكام الجور، ولو بطريقة ناعمة أو خفية أو ذكية، بحيث لا ينطبع القلب والفكر بحبهم.

إنَّ أعظم معصوم وردت في حقه زيارات طويلة وقصيرة ومتوسطة هو الحسين (عليه السلام). كما وردت زيارات كثيرة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه.

وتأكيداً من أئمة أهل البيت عليهم السلام، فإن المؤتمر السنوي والموسمي لكل الأنبياء والرسل والأئمة، وكذلك للملائكة، يُعقد عند الحسين (عليه السلام)، وهذا نص رواياتهم. فما شأن الحسين، وأين خصوصيته؟

عندما تقرأ زيارة عاشوراء أو غيرها، تجد أن قضية الموقف هي الأساس: الفكر أولاً، والقلب أولاً، ثم يأتي السياسي والاجتماعي والعسكري. يجب أن تكون لديك بصيرة تميّز بها الولي من العدو، والحرب من السلم. وهذه المعادلات الأربع وغيرها تتكرر في زيارة عاشوراء، بل في كل زيارات الحسين.

وهنا يرد سؤال يطرحه الكثير من الإخوة: لماذا يأمر أئمة أهل البيت عليهم السلام بالتقية، ثم يستغفرون منها؟ وكيف يكون ذلك؟ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. فسمّيت التقية في سياق الخوف هنا شركاً، فكيف تكون ديناً وتكون شركاً في آن؟

الجواب: أن للتقية صورتين، إحداهما مشايعة الطاغوت ظاهراً، وهذه يجب أن يستغفر منها الإنسان. ولماذا يستغفر؟ لأنه يرتكب هذا ظاهراً، ولكن قلبه يجب أن يكون على حال من ورد فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، لا كمن قال فيه: ﴿وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106]. فإذا كنت تمارس التقية في الظاهر، فلماذا يتطبّع قلبك وفكرك مع الطاغوت وحكام الجور؟

انظر إلى القوى العظمى في حروبها الناعمة فيما بينها، هل يطبّع أحدهما للآخر فكرياً أو قلبياً؟ كلا، وإن كان بينهما مداراة. فكن مثل هؤلاء على الأقل. أما أن أطبّع فكرياً وقلبياً، وأدعو عموم المؤمنين والمسلمين إلى ذلك، فهذا ما ليس له مسوّغ.

لذلك، ليس من العبث أن يجعل الله عز وجل في آية الكرسي قضية الجور وحكام الجور أساسية في كلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، وأن يكون أول شيء في هذه القضية هو الكفر الفكري والقلبي بهم. فلا يمكن لأحد أن يقول إنه مُكْرَهٌ؛ فهل قلبه مُكْرَه؟ وهل فكره مُكْرَه؟ قد يكون لسانك مكرهاً، أو بدنك، أو الوضع السياسي والعسكري، ولكن ماذا عن فكرك وميولك القلبية؟

الوضع السياسي مكره، والوضع العسكري مكره، لكن ما حال فكرك؟ وما هي ميولك القلبية؟ فعجيبٌ أن تكون له ميول قلبية لذاك الطرف، فكيف يكون هذا؟

وتأسيسًا على ذلك، نلاحظ سياسة أهل البيت عليهم السلام، فالإمام الهادي[6] كان في سجن عسكري أخطر من السجن السياسي، في ظل ظروف صعبة ومُحْكَمة من الإرهاب البوليسي والأمني. صحيح أنَّ الإمام كان يداري صورياً، ولكن ما هو المنهج المميّز الذي يمثله الحسين (عليه السلام)؟ أيها الشيعة، أيها المؤمنون، لا تلتبس عليكم الصورة والبصيرة، فالحسين هو المقدّم، فكرياً وقلبياً، وصورتنا الحقيقية هي معهم.

فلا نجد إماماً أكّد على زيارة الحسين والتعلق به بمثل ما أكّده الإمام الصادق[7] . ولماذا؟ لأنه لمّا أكّد على التقية من جانب، جعل روحها الحسين (عليه السلام) من جانب آخر، لا روح يزيد وسلاطين الجور، كي لا يذوب المؤمنون فيهم.

وفي زيارة العسكريين[8] تعبير لطيف، ومفاده أنَّ الإمامين العسكريين عليهما السلام قد حميا شيعتهما بالتقية، وحمياهم في الوقت نفسه من الذوبان في حكام الجور. فالتقية شُرّعت لأجل الحراسة الأمنية للمؤمنين، ومن جانب آخر، كرّس الإمامان الهادي والعسكري عليهما السلام مبدأ عدم ذوبان المؤمنين في نهج العباسيين.

فهي إذن سلاح ذو حدّين، وقد ورد في زيارتهما ما يوضح هذا المعنى، وهو ما يوجب تحقيق التوازن.

إنَّ هدف التقية هو حماية المؤمنين، فإذا صار المؤمن ممسوخاً فكرياً وقلبياً، فعن أي مؤمن تحامي؟ أتحامي عمن ضلّ وأضلّ؟ فانظر إلى هذه الفائدة. فالتقية إذن برنامج أمني خطير، ولكنّ المدار على كيفية استعمالها وبرمجتها.

والقرآن الكريم دقيق حين يقول: ﴿…إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ…﴾ [النحل: 106]، ولكنه يحذّر من أن تصير التقية ذريعة للانفتاح الفكري أو القلبي على الباطل، فيكمل: ﴿…وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا…﴾ [النحل: 106]. فالقضية صعبة، والتقية سيف ذو حدّين، فمع كونها ديناً، فإنَّ الأئمة عليهم السلام يستغفرون منها. ولماذا؟ لأنَّ ظاهرها كفر، ونفس ممارستها ممارسة لأمر باطل لحماية الحق. فهي باطل من جهة وحق من جهة، وهذا الباطل يجب الالتفات إلى بطلانه، لئلا يسبب عدوى للمؤمنين.

فأمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كان موصىً بألّا يدخل في مواجهة عسكرية مع جماعة السقيفة، كان ذلك لأنَّ الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلو رأوا الصراع العسكري لقالوا: إنها مجرد مغالبة على الحكم والكرسي. وهذا ما كان يهدف إليه خصومهم، وهو التشكيك في النبوة نفسها، كما عبّر عن ذلك يزيد لاحقاً بقوله المنسوب إليه: “لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلَا خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلَ”[9] .

ولكي يفوّت أمير المؤمنين (عليه السلام) عليهم هذا الهدف، تجنّب المواجهة. فهدف السقيفة لم يكن مجرد الخلافة كما قد يُظن، بل كان أعظم من ذلك. كان هدفهم نشر فكرة أنَّ الأمر كله “لعبة هاشم بالملك”، وهي عملية تهدف إلى فسخ الاعتقاد بالنبوة، وهذا أخطر شيء.

ويتضح ذلك من انفتاح مشروع السقيفة على بني أمية، فأول والٍ عُيّن في الشام، وهي أول امتداد استراتيجي كبير لدولة الإسلام، كان يزيد بن أبي سفيان. فكيف يُعيَّن على الشام والٍ من الطلقاء؟[10] تُنزع فدك من فاطمة (عليها السلام)، وتُعطى ولاية الشام الاستراتيجية لآل أبي سفيان في عهد الأول والثاني والثالث.

ومن الذي وطّأ الأمر للخليفة الثالث، الذي هو من بني أمية؟ إنَّ مجلس الشورى السداسي وهيئته الانتخابية صُمِّم بحيث تكون نتيجته لصالح بني أمية. فمشروع السقيفة ومشروع بني أمية وجهان لحقيقة واحدة.

فالهدف الذي كان نُصْبَ عيني أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن مجرد قضية الخلافة، بل ما هو أخطر وأعظم، وهو الحفاظ على أصل الدين من التشكيك الذي عبّر عنه قول أبي بكر بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله): “مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ”[11] . وهل يُسمّى التعلق الشديد بالنبي عبادة وكفراً وشركاً؟ هذا هو عين منطق بعض الفرق اليوم.

وهنا تتجلى حكمة التقية المتوازنة في زيارة الإمامين العسكريين، حيث ورد فيها: “السَّلَامُ عَلَيْكُمَا أَيُّهَا الْإِمَامَانِ الطَّاهِرَانِ الصِّدِّيقَانِ، اللَّذَانِ اسْتَنْقَذَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفَاسِقِينَ، وَ حَقَنَا دِمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ بِمُدَارَاةِ الْمُبْغِضِينَ”[12] . فالمداراة هنا هي التقية، ولكن هدفها حقن الدماء، مع استنقاذ المؤمنين من الذوبان والتطبيع مع نهج الباطل.

وهذه العبارة مقدسة جداً وتوضح معنى التقية الحقيقي. فالتقية إذا فُهمت فهماً سطحياً، صارت مسخاً. وهذا عين ما ورد في زيارة الإمام الهادي (عليه السلام) لجده سيد الشهداء (عليه السلام).

وهنا تتجلى الوصية بأن تكون زياراتنا للأئمة درساً عقائدياً وفقهياً. فعندما نقرأ هذه الكلمات، لا نكتفي بالتعلق العاطفي، وهو عظيم، بل نتخذها درساً. فقول الزيارة: “اللَّذَانِ اسْتَنْقَذَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفَاسِقِينَ”، هو تطبيق لمبدأ “كن في الناس ولا تكن معهم”، أي لا تذب ولا تطبّع فكرياً. فالإمامان استنقذا المؤمنين من أخلاق الفاسقين ومخالطتهم، فكانوا موجودين في جسم الأمة لكنهم لم يمتزجوا بنهج الباطل.

فكما أنَّ جدهما المصطفى (صلى الله عليه وآله) استنقذ الناس من الضلالة، هكذا استنقذ الإمامان الهادي والعسكري المؤمنين من مخالطة الفسق والذوبان فيهم، وحقنا دماء المحبين بمداراة المبغضين. فانظر إلى هذه الموازنة الدقيقة: لا تستفز المبغضين، لتكن عندك مداراة، ولكن هذه المداراة هدفها حقن الدماء، من دون تطبيع أو ذوبان فكري وقلبي.

لقد استنقذا المؤمنين، وإنَّ أكبر مصاديق الفسق هم حكام الجور. فهذه هي السياسة الاستراتيجية لمذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

 

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/elTXMJ76dFc?si=kIny-LDgLkHtgtOP

 


[1] هو الحسين بن عبد الله بن سينا، الفيلسوف والطبيب الشهير (ت 428هـ). يشير المتحدث إلى فلسفة ابن سينا في النفس والبدن، حيث يرى أن أحوال النفس تؤثر في البدن. يُنظر: ابن سينا، الشفاء.، قسم الطبيعيات، الكتاب السادس (في النفس)
[2] هو أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي (ت 573هـ)، من كبار علماء الشيعة، له مصنفات كثيرة أشهرها كتاب فقه القرآن.
[3] هو محمد بن الحسن الفتوني العاملي النباطي (ت 1138هـ)، فقيه ومحدث، وهو جد صاحب الجواهر لأمه.
[4] هو محمد بن مرتضى، الملقب بالمحسن الفيض الكاشاني (ت 1091هـ)، فيلسوف ومحدث ومفسر وفقيه شيعي.
[5] مقطع من زيارة عاشوراء المشهورة. انظر: الطوسي، محمد بن الحسن. مصباح المتهجد.. مؤسسة فقه الشيعة، 1411هـ، ص774
[6] هو الإمام علي بن محمد الهادي (212-254هـ)، الإمام العاشر عند الشيعة الإمامية.
[7] هو الإمام جعفر بن محمد الصادق (83-148هـ)، الإمام السادس عند الشيعة الإمامية.
[8] هما الإمامان علي الهادي وابنه الحسن العسكري المدفونان في سامراء.
[9] نقل هذا القول العديد من المؤرخين. يُراجع: ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية.. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، دار هجر، 1997م، ج11، ص582
[10] الطلقاء: هم أهل مكة الذين أسلموا بعد فتح مكة، وقد عفا عنهم النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
[11] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري.. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة، 1422هـ، ج5، ص137، ح4452
[12] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403هـ، ج99، ص63، باب “زيارة الإمامين الهمامين بسر من رأى”
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo