47/11/07
ولاية الله وولاية الطاغوت (9) الولاية الثلاثية
الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت (9) الولاية الثلاثية
لا زلنا في رحاب آية الكرسي، وتحديداً في الآية الثالثة منها، وهي امتداد للآية الثانية، قوله تعالى: ﴿…فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]. ثم يقول عز وجل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ…﴾ [البقرة: 257].
ولاية الله مقابل ولاية الطاغوت
يتحدث القرآن الكريم عن ولاية الطاغوت في قبال ولاية الله، ومقتضى السياق أن المراد بولاية الله هنا هي ولاية من أمر الله بولايتهم، وهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وآل بيته الذين أمر الله أيضاً بولايتهم وأوجب مودتهم.
وعليه، فإنَّ ولاية الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿…إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ…﴾ لم يقتصر عليها القرآن الكريم، بل قال: ﴿…إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ…﴾ [المائدة: 55]. فلماذا ضم الله عز وجل المخلوق إلى الخالق؟ وقرن بينهما؟ وليس ذلك لأن المخلوق خالق -حاشا لله- بل لأن مظهر ولاية الخالق وبابها هو هذا المخلوق.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾ [النساء: 59]، وقد ورد الأمر بالطاعة بألفاظ أخرى، من مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ…﴾ [الأحزاب: 36]. ثم إنَّه قَرَن بطاعة الله وطاعة رسوله طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما تصدق بالخاتم وهو راكع.[1]
ويُذكر أن لذلك اثني عشر مورداً، وهذا العدد لا يشمل الموارد التي وردت بألفاظ أخرى.
وعلى هذا، فإنَّ الطاعة هي ولاية أيضاً، ومن ألفاظها الأخرى غير ما ورد في آية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ…﴾، قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ…﴾ [النساء: 65]، وهو من صميم بحث الولايات.
ففي خمس آيات، وربما في عشرات الموارد الأخرى بألفاظ وألسنة مختلفة، يأمر الله عز وجل بالطاعة والولاية لله ولرسوله ولأهل البيت عليهم السلام.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ…﴾ [الأنفال: 41]، فاللام هنا هي لام الولاية، وقد صُرّح فيها بحق الرسول وذي القربى.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ…﴾ [الحشر: 7]، فاللام هنا أيضاً تفيد الولاية لله وللرسول ولذي القربى. وبسبب نزول هذه الآية أعطى النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فدكاً، فكانت مصداقاً لهذه الآية، فكيف بمن يدعي الانتماء لأهل البيت ثم لا يبصر هذا الأمر الجلي.
والحاصل أن قضية الولاية أو الطاعة قد وردت في الحقيقة بألسنة متعددة، وليس بلسان واحد.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ…﴾ [التوبة: 105]، فهناك رقيب وولي عليكم، وهو الله ورسوله، وفي آية أخرى ﴿…وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [المائدة: 55]، فالمنظومة ثلاثية.
فقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [المائدة: 55] مع قوله: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾ [النساء: 59] يؤسس لتقسيم ثلاثي موجود في عدة منظومات عقدية.
وبالتالي، لا يُراد من ولاية الله مجرد الولاية الإلهية، بل هي الولاية الثلاثية المشتملة على ولاية الرسول وذي القربى. وهو إقرار من الله ثابت له أزلاً وذاتاً، وثابت للرسول بإقدار منه تعالى، وهي ولاية تكوينية لا تشريعية فحسب.
وقد ورد في زيارات النبي (صلى الله عليه وآله) وروايات كثيرة أخرى أن النبي هو “المكين”، أي المتمكن من الطاعات في ملكوت الله، وأن ملكوت الله قائم على طاعة النبي، فهو نبي الملكوت، وهذا يعني أن الأمر تكويني.
ويشهد لذلك ما ورد في وصف جبريل (عليه السلام)، مع نفي المقايسة بالنبي (صلى الله عليه وآله): ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ¤ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21]. فإذا كان جبريل بهذه القوة والمكانة، فكيف بمن هو فوقه بنص القرآن؟
فالأمر بطاعة الله والرسول في قوله: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾ [النساء: 59] لا يخاطب به الإنس والجن فقط، بل يخاطب به جميع ملائكة الله، فكل ما لملائكة الله من ولاية تكوينية هي تحت إمرة الله وإمرة الرسول وإمرة ذي القربى، وقد مرّ بيانه مراراً.
والقاعدة هنا هي التمييز بين الشريعة والدين: - فالشريعة في الفروع يخاطب بها الإنس والجن. - أما الدين، فكل مخلوقات الله يخاطبون به؛ من ملائكة وأرواح وغيرهم.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الأوامر العقدية كالإيمان بالله ورسوله، والولاية لله ورسوله والذين آمنوا، لا يقتصر الخطاب بها على الجن والإنس، بل يشمل الملائكة والأرواح، بل كل شيء، بتعبير القرآن الكريم: ﴿…وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ…﴾ [الإسراء: 44]. فالخطاب هنا لم يقل “وإن من روح” أو “من نفس” فيعمم على كل نفس، ولم يخصه بالجن والإنس، بل قال “من شيء” ليكون أعم. ولذلك يموت الملائكة حتى المقربون منهم، لأنهم أنفس، والنفس تذوق الموت، [2] ولم يخص ذلك بالجن والإنس.
فقوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾، لم يقل “إن من نفس” أو “بشر” أو “جن” أو “ملك”، بل قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾، فكل من يصدق عليه أنه “شيء” فهو يسبح، وإذا كان يسبح فهو مخاطب بالدين.
ويتفرع على ذلك فهم شهادة الجوارح يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿…قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا…﴾ [فصلت: 21]. فالعصاة يوم القيامة يدركون أن لجلودهم أرواحاً صامتة قد نطقت، وهذا مصداق لقوله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾، حتى الجلود. وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65].
وقد يرى المتشبع بالثقافة المادية العلمانية أن هذا من قبيل الخرافات وأساطير الأولين التي لا تناسب المنهج العلمي، ويتساءل عن ثنائية الشاهد والمشهود عليه.
والجواب أن القرآن يؤكد هذه الحقيقة في موضع آخر: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 22]. إنه تصوير قرآني بديع، فالسمع غير الأذن، والبصر غير العين، بدليل قوله تعالى: ﴿…لَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا…﴾ وقوله ﴿…وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا…﴾ [الأعراف: 179]. ولذلك يقول القرآن: ﴿…وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ…﴾ [النحل: 78]، فجعلكم شيئاً وهذه القوى شيئاً آخر.
إنها ثنائية بين قوة البصر وروح الإنسان، وروح السمع وروح الإنسان. فهذا البصر له روح حية شاعرة، وهذا السمع له روح حية شاعرة، سخرها الله لنا لكنها تشهد علينا. فإذا كانت لهذه الجوارح أرواح شاعرة، صح قوله تعالى: ﴿…وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ…﴾.
إذًا، الموجودات التي نراها جامدة في حسنا السطحي، هي في الحقيقة ذات أرواح. قد يتساءل قائل: ما هذه الأساطير؟ وهل هذا حديث علمي؟ والجواب أنه ليس علماً مادياً، بل هو علم علمائي رباني. فهذه الموجودات الجامدة ذات أرواح صامتة، لكنها شاعرة، وتشهد على الإنسان. الأيدي والأرجل والجلود، كلها موجودات يستخدمها الإنسان، لكن لها أرواحاً شاعرة صامتة، وعندما تسأل يوم القيامة: ﴿…لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا…﴾، يكون الجواب: ﴿…أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ…﴾ [فصلت: 21]. لم يقولوا “أشعرنا” أو “أعلمنا”، بل “أنطقنا”. هذه حقائق قد تبدو في منطق المادية خزعبلات، لكنها من بديهيات القرآن الكريم.
ويشهد لذلك ما ورد من أن الأرض تشهد على الإنسان، وليس كل الأرض، بل بقاع الأرض، فكل بقعة لها روح، وهذا هو مفاد روايات أهل البيت عليهم السلام.[3] ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، فلهما روح، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
وعليه، فإذا كان الدين بهذا الشمول، فإنَّ المخاطب بقوله تعالى: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ…﴾ [النساء: 59] هو كل المخلوقات، لأن هذه الولاية عقيدة يخاطب بها كل شيء في منظومة الدين. فولاية الله وولاية الرسول وولاية ذي القربى تمتد لكل المخلوقات والكائنات والموجودات، كما تمتد ولاية الله التكوينية والتشريعية.
والنتيجة أننا في أي موضع وجدنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ…﴾ [البقرة: 257]، نفهم منه ولاية الله، وولاية الرسول، وولاية ذي القربى. ذلك أن الله قرن ولايتهم بولايته، فصار باب ولايته هو ولاية الرسول، وباب ولاية الرسول هو ولاية ذي القربى، وهو نظام واحد مطرد في الوحي، في السور والآيات.
فحين قال للملائكة: ﴿…اسْجُدُوا…﴾ [البقرة: 34]، كان المراد: أطيعوا خليفة الله طاعة تامة. قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ¤ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28-29]. والأمر بـ “قعوا” يفيد السرعة والفورية والدفعية بلا أي تلكؤ، فالتلكؤ في هذا المقام معصية، والتمجمج معصية. إنها دعوة إلى الحزم والبت في الامتثال.
وانظر إلى نظام التعامل بين النبي موسى والخضر عليهما السلام، كيف كان الخضر يتعامل مع موسى بصرامة وبَتٍّ، دون قبول لأي تلكؤ. - بعد خرق السفينة، قال الخضر: ﴿…أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 72]. - فاعتذر موسى: ﴿…قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73]، أي لم أتحفظ على الوصية. - وبعد قتل الغلام، قال موسى: ﴿…أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً…﴾ [الكهف: 74]، فعاد الخضر وقال: ﴿…أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 75]. - وفي الثالثة كان الفراق: ﴿…هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ…﴾ [الكهف: 78].
إن صحبة الخضر تحتاج إلى تسليم مطلق، بلا تلكؤ أو تمجمج، وهي درجة خاصة من الانضباط. ويقال إن بعض الدوائر الخاصة في دولة الظهور لصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه لا يُقبل من أفرادها تمجمج ولا تلكؤ ولا تباطؤ. وكذلك الدوائر الخاصة بسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، كأمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يكن رسول الله ليقبل منه تلكؤاً أو تمجمجاً.
وفي يوم الدار، عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، قال النبي: “من يؤازرني على هذا الأمر؟” فقام أمير المؤمنين فوراً، فقال له النبي: “اجلس”. ثم أعاد الدعوة في المجلس الثاني، وفي المجلس الثالث، فكان أمير المؤمنين يقوم في كل مرة.[4]
قال: «أنت لها يا علي». فكان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون كالحديدة المحماة؛ بخلاف غيره ممن يتلكّأ ويتجبجب ويتباطأ. ويُلحظ في زيارات أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ أعظم صفة فيه أنه كان سلماً مطلقاً لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله).
وهذا التسليم عن بيّنة طبعاً، لكنه تسليم مطلق لا يكتفي بالبرهان الإجمالي؛ فإنَّ النبي موسى (عليه السلام) كان عنده برهان إجمالي على مقام الخضر (عليه السلام)، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف - 65]، ومع ذلك حصل منه تلكّؤ في التفاصيل.
ومما يُذكر في هذا السياق ما نُقل عن بعض مصنفات العامة من أنَّ للناصبي عندهم أقساماً متعددة، وأنَّ من جملة تلك الأقسام: «من رُويت له فضيلة في عليٍّ (عليه السلام) فشكَّ فيها أو تلكّأ».[5] فالتلكّؤ في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) يُعدُّ في بعض الدوائر من موجبات النصب.
والحاصل: أنَّ في بعض الدوائر الهامة في الدين، لا سيما في الفرائض العقائدية، لا يُقبل التلكّؤ أو التجبجب.
فإن قيل: إنَّ هذا التشديد فيه مبالغة وغلوٌّ وإفراط.
قلنا: قد يبدو ذلك في منطق البعض، ولكن حقيقة الشريعة هي الانقياد التام. ففي بعض الدوائر والفرائض، وخصوصاً في المراتب القريبة من الحق تعالى، لا يُقبل أدنى تلكّؤ؛ إذ قد يهبط النبي عن مقامه العالي إلى مقام دونه بسبب خاطرٍ من الخواطر. ومع أنَّ الأنبياء عليهم السلام معصومون، وأنَّ ترك الأولى ليس بمعصية، [6] إلا أنَّه قد يوجب نزول درجة النبي أو الملك المقرّب؛ لأنَّ التلكّؤ والتباطؤ في تلك المقامات غير مقبول.
أما من يصل إلى هذه الدرجة فذلك بحث آخر.
ومثال ذلك: ما يُنقل في طبيعة العلاقة بين أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام، حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الراعي الروحي لهما. فقد نُقل أنه بحضور بعض الصحابة، فتح النبي (صلى الله عليه وآله) ليلاً مجلساً للمحاسبة بينهما، وقال لعليٍّ (عليه السلام) ما معناه: «يُنسب إليك أنك فعلت كذا أو أنَّ موقفك من فاطمة كان كذا». فأجاب أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا رسول الله، لم يخطر ذلك على بالي». وفي هذا الجواب تتجلّى عظمة مقامهما عليهما السلام.
فمقام أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا هو فوق مقام قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور - 37]، بل هو فوق مقام آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب - 33]. وقد استُدل بآية ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ﴾ على عصمة أهل البيت عليهم السلام، وهي هنا تشير إلى مرتبة أعلى.
فالآية تنفي عنهم الإلهاء، أما قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لم يخطر على بالي» فهو ينفي أصل الخطور، وهذه هي مرتبة «عصمة الخواطر»، وهي درجات متفاوتة. فهذا هو الاندفاع في التسليم والانقياد والطاعة على أكمل وجه، وهو مقام سامٍ يجلُّ عن الوصف، فضلاً عن العمل به.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.