47/11/04
مفهوم الشرك والتوحيد في ضوء ولاية الحاكم
الموضوع: مفهوم الشرك والتوحيد في ضوء ولاية الحاكم
كنا في الآية الثالثة من آيات الكرسي الثلاث، وهي تشتمل على ملاحم عظيمة، منها ما هو عقائدي، ومنها ما يرتبط بالفقه السياسي. وقد تقدّم الكلام عن السمة البارزة في الآيتين الثانية والثالثة، وهي الربط الوطيد بين ولاية أئمة العدل وأساس التوحيد.
وإذا أردنا أن نعرف وجه كون الولاية أعظم من الصلاة والصوم والزكاة، نجد في آيات الكرسي ربطاً بين الولاية وأصل التوحيد، الذي هو أعظم من سائر الفروع. فإنَّ القرآن الكريم يربط بين التبرؤ والتنزّه من ولاية حكام الجور وبين الإيمان بالله، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256].
حقيقة الشرك: تأليه حكام الجور
فالألوهية التي ينسبها القرآن للشركاء ويندد بها دوماً، هي في حقيقتها ألوهية حكام الجور؛ فإنَّ اتباعهم هو تأليه لهم، وذلك بجعل صلاحية لهم في قبال صلاحية الله تعالى. ولذلك، يتشدد لسان القرآن في مسألة صنمية حكام الجور وتأليههم أشد من تشدده في قضية الأوثان والأصنام، التي يتخذونها مجرد مصيدة ليتجبروا ويشرّعوا أحكاماً في قبال حكم الله. وهذه هي عبادة الشيطان التي أشرنا إليها سابقاً، فالمشركون دوماً في طاعة الشيطان وقد اتخذوه ولياً.
والشاهد على ذلك: أن آية الكرسي وأمثالها من منظومة الآيات توضح أن أصل معنى الشرك هو هذا، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وتوضح سائر الآيات الواردة في الطاغوت أن مجرد الميول الفكرية والقلبية نحو حكام الجور هو إيمان بهم وكفر بالله. فالتنظير الفكري لشرعنة حكمهم هو كفر بالله تعالى وإيمان بآلهة من دونه. ويبلغ لسان القرآن في التنديد بذلك مبلغاً عظيماً، فيعتبره ديناً جديداً وشركياً. فالسعي إلى أن يتدين الآخرون بشرعية حكام الجور فكرياً وتنظيرياً وقانونياً هو اعتقاد بشركاء لله وآلهة من دونه.
وفي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: 60]، نجد أنَّ القرآن لم يقل: “وقد أمروا أن يقاطعوه” أو “أن يتبرؤوا منه”، بل صعّد اللهجة إلى الأمر بالكفر به، مما يدل على وجوب تطهير الفكر والقلب أولاً وقبل كل شيء.
وبتعبير آخر: إنَّ الشرك الفلسفي أو العقلي، مع أنَّ القرآن يندد به، إلا أنَّ عُمْق الشرك الذي يركز عليه هو الشرك في التولي الفكري لحكام الجور وشرعنة حكمهم.
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51]. فانظر كيف يعبر القرآن بالإيمان بالجبت[1] والطاغوت، مع أنَّ الجبت هو المنظّر الفكري المنحرف. فالإيمان الفكري بهذا المنظّر يعتبره القرآن ديناً وعقيدة منحرفة وشركاً، وليس مجرد ميل فكري.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60]. إنَّ مكمن الإشكال القرآني ليس في التحاكم الفعلي فحسب، بل في مجرد الإرادة، فقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ يشير إلى إرادة قلبية وفكرية، وهي أخطر من نفس التحاكم. فالتطهير الفكري والقلبي هو الوظيفة الأولى، ثم تأتي بعده المقاطعة السياسية والقانونية للطاغوت. ولهذا أكملت الآية: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60].
والحاصل: أن مسار الشيطان ومسار حكام الجور واحد، وهو إبعاد حاكمية الله وجعل الحاكمية لغيره، وهذا هو أعظم الشرك الذي يتحسس منه القرآن. ويتجلى ذلك أيضاً في النشاط العسكري، حيث يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].
ومفاد الآية أنَّ القتال إما أن يكون تحت راية حكام الجور، فتكون راية الشيطان وضلاله، وإما أن يكون في سبيل الله. وسبيل الله في قبال أئمة الجور هم أئمة العدل، أي الذين اصطفاهم الله للخلافة والوصاية بعد سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله). وقد ورد في تفسير “سبيل الله” أنه القتال في سبيل أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي منهاج أهل البيت (عليهم السلام).[2] فمقتضى الآية أنَّ القتال في سبيل حكام الجور هو كفر بالله، والقتال في سبيل الله هو ما كان تحت راية أوليائه.
بل إنَّ القرآن يسمي اتباع حكام الجور عبادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۖ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: 60].
وعليه، فإنَّ منطق العبادة والشرك والكفر والإيمان في القرآن لا يقتصر على معنى الخالقية والرازقية، بل يتسع ليشمل شرعنة حاكمية الطواغيت وحكام الجور، الذين يتحكمون بغير حكم الله ويبتعدون عنه.
فالخطر الأكبر في اتباع أي نظام سياسي أو عسكري أو قضائي لا يستند إلى حكم الله، يكمن في “شرعنة” هذا النظام بجعله مشروعاً؛ فإنَّ القرآن يعتبر هذه الشرعنة كفراً بالله.
وهذا شبيه بما قرره الفقهاء من أنَّ من لم يؤمن بوجوب الصلاة -لا مجرد ترك أدائها- فقد كفر، حتى لو كان يؤديها. فلو أداها عن قناعة باستحبابها لا بوجوبها، فإنَّ هذا الاعتقاد بحد ذاته هو مناط الكفر والإيمان عندهم، تبعاً للأدلة.[3] فعملية التشريع والشرعنة والتقنين الرسمي لأمر يخالف حكم الله هي أمر خطير جداً على المستوى الفكري والقلبي.
ومثال ذلك: من يلتزم بأداء الصلاة ولا يتركها قط، ولكنه لا يقتنع بوجوبها الشرعي، بل يراها مجرد رياضة بدنية. فهذه الشرعنة الفكرية والقناعة القلبية هي التي يعتبرها القرآن مناط الإيمان والكفر، لا مجرد أداء الطقوس العبادية.
بل إنَّ الشرك في التشريع، والكفر في الولاية السياسية والعسكرية والقضائية، وتولي حكام الجور في مقابل تولي حكام العدل، كل ذلك هو المحور الأهم في بيانات القرآن، وليس من المسائل الهامشية.
ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. وقد فسر الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الآية بقوله: «أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ دَعَوْهُمْ مَا أَجَابُوهُمْ وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ».[4] فهذه الشرعنة التي مارسها الأحبار والرهبان يعتبرها القرآن عبادة وربوبية، لأنَّ شأن التشريع هو شأن ربوبي، وليس مجرد الخالقية والرازقية. فدعوى الشرعنة هذه هي نفسها ألوهية وربوبية، بل إنَّ تحسس الوحي الإلهي منها أشد.
ومن هنا نفهم لماذا لم يقل القرآن: “من يكفر بالأصنام”، بل قال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256]، فخصّص حكام الجور بالذكر. وقد مرّ بنا أنَّ هذه الآية هي تفسير قرآني لكلمة التوحيد “لا إله إلا الله”. فالسر في هذا التحسس الشديد من حكام الجور، الذي يفوق التحسس من الأصنام، يكمن في خطورة ولايتهم.
فالنتيجة: أنه لا يصح القول بأنَّ مصطلح الشرك في القرآن لا يُستعمل في بحث الولاية، بل إنَّ ولاية حكام الجور هي ذروة الشرك في المنظور القرآني، كما أنَّ ولاية حكام العدل الذين اصطفاهم الله هي ذروة التوحيد. وليس هذا التركيز الشديد على حكام الجور عبثاً، بل هو لخطورة هذا الباب.
تنبيه: إنَّ التنظير الفكري لحكام الجور لا يقتصر على حكام البلد الذي يعيش فيه الإنسان، بل يشمل طواغيت المجتمع الدولي؛ فإنَّ شرعنة أي نظام لهم يعتبرها القرآن عبادة لهم. ومقتضى ذلك وجوب التبرؤ فكرياً وقلبياً من كل طاغوت على وجه الأرض، ومن كل حاكم جائر ونظام جائر.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. ففي الآية طلب للولي والنصير من الله في قبال القرية الظالم أهلها، وهما مساران متقابلان: ولاية الله في قبال ولاية الطاغوت. وإنَّ أدنى ميل لهم وترويج له يترتب عليه حساب عسير، لأنه إقامة لدين الشرك ودعوة للآخرين للتدين به.
فكل حكم ليس حكم الله في الأرض، إذا قيل عنه: “هذا هو القانون الذي ندين به ونلتزم”، فإنَّ هذا الالتزام القلبي هو “التدين” به. وإنما سمي الدين ديناً من المداينة والمحاسبة. فإقرار أي قانون وضعي غير حكم الله في أي بقعة من الأرض هو نوع من التدين بغير دين الله، وهو شرك وكفر وتحكيم للطاغوت.
فالقضية إذن لا تقتصر على بطلان موالاة حاكم الجور، بل تشمل بطلان حكمه وقانونه أيضاً. فالحاكم الجائر باطل، وحكمه باطل، وقانونه باطل. وهذا يجري حتى في العقود والمعاهدات، فإنَّ كل صلح أو عقد إنما يجوز ما لم يخالف كتاب الله وسنة نبيه، كأن يحلّ حراماً أو يحرّم حلالاً.
أما العقود والمعاهدات التي لا تتنافى مع ثوابت الدين فلا بأس بها، إذ هي من المنطقة المباحة. وأما حكم الجور وقانون الجور، فإن التدين به -بمعنى المحاسبة ودعوة الآخرين إلى الخضوع له والالتزام به- هو التدين عينه، ومنه سمي يوم الدين بيوم الحساب؛ لأن حقيقة التدين هي المحاسبة والالتزام.
وقد اتضح لهم بشكل بيّن أن رهبانهم يحرمون حلال الله ويحللون حرامه، ومع ذلك اتبعوهم والتزموا بالتشريع المناهض لتشريع الله، فبذلك اتخذوهم أرباباً، [5] أي كأنهم آلهة لهم صلاحية التشريع.
وعليه، فإن قضية حاكِم الجور وحُكم الجور والطواغيت لا تختص بالبلد الذي يقطنه الإنسان، بل تشمل كل من على وجه الأرض. فالالتزام بحكم جائر أو حاكم جائر هو تدين يعد شركاً يرتبط بالعقيدة، وليس معنى الشرك محصوراً في أن تعتقد في غير الله أنه خالق رازق، بل هذا أخطر من الذي زعم أنه خالق رازق، لأن له صلاحية الأمر والنهي.
وتأمل في قصة فرعون، فإن القرآن الكريم يوضح أن طغيانه هو مكمن ألوهيته المزعومة. وحين قال لموسى ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]، فأجابه موسى ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 30]، فإن سورة الفجر تفصح أن ألوهية فرعون كانت من جهة الطغيان والجبروت، حيث جعل لنفسه صلاحية الطاعة والتشريع من دون الله.
الطغيان أصل الكفر: قراءة في قصة فرعون وسورة الفجر
وهذا هو الجواب على من يعترض على روايات أهل البيت التي تدعي أن الكفر كله في الحاكمية والولاية، متسائلاً: كيف يكون ذلك والقرآن يركز على الأصنام؟ والجواب: أن سورة الفجر، التي تستعرض تاريخ البشرية، تحدد أن أصل الكفر والشرك هو الطغيان، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ¤ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: 6-7]. فهذه السورة حاكمة تفسيرية على كل السور الأخرى التي قد توضح أن قضية عاد هي قضية الأصنام، فتبين أن قضية الأصنام إنما هي ذريعة للطغيان في الولايات. ثم تواصل السورة: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ¤ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ¤ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 8-10]. فمع أن سوراً أخرى تذكر الأصنام في قصة ثمود، ومع أن فرعون قال: ﴿…لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي…﴾ [الشعراء: 29]، فإن هذه السورة تكشف أن جوهر الألوهية المزعومة والطغيان واحد، وهو ما تفصح عنه الآية التالية: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 11]. فهؤلاء حكام الجور، بطغيانهم وفسادهم، يرون أن الشرعية لهم، فيداينون الناس والمجتمع ويحاسبونهم على طبق القوانين التي يشرعونها ويصدرونها.
ولذلك ورد في روايات أهل البيت -وهي معجزة علمية ودينية في باب القضاء- أن الحكم بغير ما أنزل الله هو الكفر بالله. فالقاضي إذا حكم بغير حكم الله، والمفتي إذا أفتى بغير حكم الله، والسائس إذا حكم بغير حكم الله، فقد كفر بالله. ولماذا يعد كفراً؟ لأنه يقول بلسان حاله إن يد الله مغلولة، فيرد عليه القرآن: ﴿…غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا…﴾ [المائدة: 64]. فمعنى هذا القول هو خلع سلطان الله وصلاحيته وولايته، بل هو سجن لله وحبس له، وجعل حاكم آخر غيره.
ولهذا، عندما أمر القرآن الملائكة بالسجود لآدم في سبع سور، لم يكن الأمر متعلقاً بطقوس عبادية، بل هو أمر بالخضوع والانقياد له، لأنه أمر من الله. ففكر الوثنية ليس في الطقوس البدنية، بل في طاعة غير الله وولاية غير الله. لقد حُورت حقيقة الشرك والوثنية إلى أمور قشرية صورية، بينما لبها هو طاعة ولاية غير الله، في مقابل ولاية ولي الله. وقد قرن الباري تعالى طاعة رسوله بطاعته مراراً في القرآن، كقوله: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾ [النساء: 59].
فأصل الشرك والوثنية والكفر ليس مجرد طقوس بدنية. والتأليه هو هذا الخضوع والانقياد لحكام الجور، أولئك ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ¤ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ¤ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 11-13]. وهذا يثبت أن المجتمع والنظام الاجتماعي ملحوظان في نظر الله تعالى بلحاظ الكفر والإيمان. وإن الانحراف الأعظم في سلسلة هذه الأمم كان الطغيان والجور، وهو أن يرى الحاكم لنفسه صلاحية الأمر والنهي، كما قال فرعون: ﴿…مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ…﴾ [غافر: 29]، وكانت النتيجة ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه: 79].
خلاصة المفهوم: التأليه هو تشريع حكم غير الله
وهنا تتجلى المشكلة؛ فإذا فهمنا بحث الشرك وبحث الألوهية على هذا النحو، يتضح أن معنى التأليه هو أن تمنح غير الله صلاحيات الله عز وجل، وأن تشرعن هذا الفعل، فتقول إن لحكم غير الله مشروعية، وإن الحاكم الذي لم ينصبه الله له مشروعية. هذا التشريع هو التأليه في منطق القرآن، وليس التأليه محصوراً في القول بوجود أبدي أزلي آخر، وهو ما مر بنا من الشرك الفلسفي الذي تعرض له القرآن قليلاً. فأكثر الأمم لم تكن على هذا، بل كانت تقر بأن الخالق هو الله، ولكنهم اتخذوا وسطاء، كما قالوا: ﴿…مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ…﴾ [الزمر: 3]، فجعلوا حكام الجور وحكم الجور طريقاً إلى الله، والعياذ بالله.
إن هذه الحقائق في معنى الشرك والوثنية والتوحيد، ما كنا لنهتدي إليها لولا تعليم أهل البيت وتنبيهاتهم، فلولا أن هدانا الله بتعاليمهم وبياناتهم لما أدركنا هذه الحقائق القرآنية. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/ziUJ8EDTjtU?si=HFe8Swg8xOpEzQS7