« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/11/03

بسم الله الرحمن الرحيم

ولاية الله وولاية الطاغوت في ضوء آية الكرسي

 

الموضوع: ولاية الله وولاية الطاغوت في ضوء آية الكرسي

 

لا يزال البحث جارياً في آيات الكرسي، وتحديداً في الآية الثالثة منها، والثانية التي جاء فيها قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]. ثم تأتي الآية الثالثة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257].

ومقتضى قوله تعالى في الآية الثالثة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أنَّه كلما ثبتت ولاية الله تعالى، ثبتت ولاية رسوله (صلى الله عليه وآله) أيضاً. وعلى هذا النسق، فكلما ثبتت ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثبتت ولاية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[1] ، وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). فهذه الولاية امتدادية، فولاية الله تعني أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو ولي الذين آمنوا أيضاً، ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[2] كما مرّ بيانه. وعليه، فالذي يقابل الطاغوت هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي يواجهه هو أمير المؤمنين (عليه السلام).

**

امتداد ولاية الله وتعريف الطاغوت

وقد ورد في الروايات** ما يفيد أنَّ الطاغوت هو كل من دعا إلى راية ضلال، فهي راية طاغوت.[3] ومقتضى هذا أنَّ كل راية تُرفع قبل قيام القائم عجل الله فرجه، إذا كانت تدعو إلى ضلال وإلى غير منظومة أهل البيت عليهم السلام في القوانين والإدارة وشؤون الحكم، فهي راية ضلال. ويتفرّع على ذلك أنَّ الأنظمة التي لا ترتكز في أساسها على أحكام الدين تُعدّ من مصاديق رايات الضلال، بخلاف دعوة أهل البيت عليهم السلام التي هي دعوة إلى تحكيم أحكام الدين والعدل.

وقد مرّ بنا سابقاً أنَّ القرآن الكريم يبيّن برمزية خاصة أنَّ ولاية الطاغوت تتنافى مع أصل التوحيد.

وتبيّن آية الكرسي، كما مرّ في الآية الثانية فضلاً عن الثالثة وما يتبعها من آيات، أنَّ كلمة التوحيد والتهليل قد أُخذ في حقيقتها ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) وولاية أهل بيته عليهم السلام. ففي قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، إشارة إلى أنَّ تولي الطاغوت يُعتبر في المنظور القرآني تأليهاً له. فالاعتقاد الفكري بصحة أي نظام غير النظام الديني المبني على أحكام الله هو ضرب من الإيمان بالطاغوت. وهذا مصداق قوله تعالى فيمن يريدون أن يتحاكموا في الإدارة والقضاء وسائر القوانين إلى غير الله، وهو طغيان على أحكام الله التي قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾[4] .

والحاصل: أنَّ كل قانون أو حكم أو ولاية أو صلاحية لم يقرّرها الله عز وجل، يسمّيها الباري تعالى طاغوتاً. وعلى هذا الأساس، لا تبقى ريبة في معنى أنَّ رايةً ما يكون صاحبها طاغوتاً. فالتشديد والتأكيد الصادران عن أئمة أهل البيت عليهم السلام على لزوم الحذر من راية الطاغوت، إنَّما هو تحذير للإنسان لينظر في وجهته وانتمائه السياسي؛ هل يدعو إلى أحكام الله أم يخلط ويخبط ويمزج في مواقفه؟

**

الطاغوت كقانون وحكم خارج عن إرادة الله

والشاهد على ذلك** ما ورد مستفيضاً أو متواتراً من أنَّ إقامة حد من حدود الله أنفع للأرض من مطر أربعين يوماً، لما في ذلك من البركات على الأرض.[5] والمقصود بالحد هنا أحكام الله لا خصوص العقوبات المقابلة للديات والقصاص. بل ورد في روايات عديدة أنَّ ذلك أبرك على الأرض وأزكى؛ إذ به تتجدد الموارد الطبيعية والثروات الحيوانية والسمكية وغيرها، كما ينشّط المطر الدورة الحياتية في الطبيعة. فإقامة حكم من أحكام الله وعدم تعطيله أو تجميده هو أبرك على البلاد من أي سياسة زراعية. وليس في هذا دعوة لترك تدبير الدنيا، ولكنَّه تأكيد على أنَّ البعد الغيبي الديني هو الأبرك والأكثر تأثيراً. وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾[6] ؛ فالإنسان مأمور بالفعل، لا بالتواكل، ولكنَّه يتوكل ويعلم أنَّ للجانب الغيبي الأثر الأكبر.

ومثال إطلاق لفظ (الحدود) على (الأحكام) ما ورد في شأن الزوجين في سورة البقرة، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾[7] . فانظر كيف سمّى الأحكام حدوداً، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾[8] ، فبيّن أنَّها أحكام الله.

وتأسيساً على ذلك، يذهب فقهاء الإمامية كافة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو من أعظم الأبواب الفقهية - إلى أنَّ إقامة أحكام الله واجبة بقدر القدرة، وأنَّ تهيئة الظروف لتحصيل هذه القدرة واجبة أيضاً. فإقامة حدود الله تعني إقامة أحكامه، إقامةً فعلية لا تجميداً أو إماتةً أو إزالةً لها.

**

التمييز بين الحاكم وحكم الله

وهنا لا بد من التمييز** بين الحاكم وحكم الله؛ فقد تكون للمرء حساسية تجاه الحاكم شخصاً - سواء كان رجل دين أم فقيهاً أم غير ذلك، وهذا بحث آخر - ولكن لا يجوز أن تكون له حساسية تجاه حكم الله. فشتّان ما بين حكومة الفقه الديني وحكومة الحاكم الفقيه. فهل يستطيع أحد أن يدّعي أنَّ لديه حساسية تجاه القرآن؟ ولقد كانت سيرة الأئمة كالإمام الحسن وفاطمة الزهراء وزين العابدين والباقر والصادق عليهم السلام، هي إلزام الناس بأحكام القرآن والضغط في هذا الاتجاه بكل ما أُوتوا من وسائل. فمعاداة الحاكم شأن آخر له حسابه، وأمّا حكم الله فما هو الموقف منه؟

والنتيجة أنَّ التمييز بين مسار ولاية الله ومسار ولاية الطاغوت هو الأصل، وهو أعظم من شخص الحاكم وكيفية حكمه. ولاحظ كيف يخاطب القرآن الكريم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستنكراً: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾[9] . وفي هذا دلالة على أنَّ صلاحيات الله في الحكم أعظم من صلاحيات سيد الرسل (صلى الله عليه وآله). إنَّ المسألة لا تتعلق برفض حاكم معين من اتجاه سياسي ما، بل تتعلق بالموقف من حاكمية الله ذاتها، فحاكمية الله هي حكم الله.

**

حاكمية الله المطلقة فوق صلاحيات الأنبياء

وقد يُطرح إشكال:** هل يريد القرآن من خلال هذه الآية أن يقرّر أنَّ حكم التوراة مقدم على حكم القرآن؟ والجواب: حاشا وكلا. وهل يريد أن يقول إنَّ حكم النبي موسى (عليه السلام) مقدم على حكم سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)؟ حاشا وكلا. والدليل على ذلك أنَّ القرآن نفسه يصف ذاته في سورة المائدة بأنه ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[10] ، أي على ما سبقه من الكتب. فما هو إذن مراد الآية؟ إنَّ الله عز وجل يستنكر على أولئك القوم محاولتهم استصدار حكم من سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) في مقابل حكم الله الثابت.

ومآل ذلك أنَّ صلاحية سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) نفسها هي دون حاكمية الله المطلقة. ولهذا جاء الأمر الإلهي دائماً بالصيغة التراتبية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[11] ، فالطاعة الأولى لله، كما بيّن ذلك أئمة أهل البيت عليهم السلام. وعليه، فإنَّ فرائض الله وأحكامه لا يملك سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) نفسه صلاحية تخطّيها، فكيف بغيره؟ فإذا كان شيء ما محرّماً في القرآن، أو بيّن القرآن سياسة معينة لنظام ما، فكيف يمكن تخطّي ذلك؟ إنَّها أحكام الله وحدوده كمنظومة متكاملة.

والحاصل أنَّ الآية لا تقدّم التوراة على القرآن، بل تشير إلى حكم الله الأزلي الذي لا يُنسخ، وهو حكم غير مرتبط بكتاب دون آخر، ولم يُسند إلى النبي موسى (عليه السلام)، بل أسنده الله إلى نفسه. فحاكمية الله وصلاحياته فوق صلاحيات الأنبياء جميعاً. وقد بيّن القرآن الكريم في موارد عديدة أنَّ حاكمية الله فوق حاكمية النبي إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام. وهذا هو تشريع الله لا تشريع الأنبياء، ففي دائرة التشريع المطلق، الأمر لله وحده، فكيف يجوز تخطّيه؟

فإذا تم تخطّي تشريعات الله، كان ذلك هو الطاغوت والضلال بعينه، مصداقاً للرواية المتقدمة التي تفيد أنَّ كل راية تدعو إلى ضلال فهي راية طاغوت. فلماذا يلتبس الأمر علينا في فهم معنى راية الطاغوت؟ إنَّ المراد بـ«كل راية تُرفع قبل قيام القائم» هو هذا المعنى. فإنَّ من لا يتمسك بأحكام الله عز وجل وأحكام رسوله وأهل بيته عليهم السلام، ولا يستقيم عليها، يكون لا محالة تحت راية ضلال أو هو طاغوت بنفسه.

والخلاصة: أنَّ تحكيم الحكم يختلف عن تحكيم الحاكم؛ فمرجع تحكيم الحكم هو حاكمية الله. فأي دعوة في المجال الأسري أو الأخلاقي أو السياسي أو العسكري أو في العلاقات الخارجية تنافي ثابتة من ثوابت القرآن الكريم، فهي طغيان وتخلٍّ عن ولاية الله. نعم، هناك رخص واستثناءات في القرآن، ولكنَّها تبقى استثناءات ورخصاً مشروطة لا ينبغي أن تُجعل أساساً.

أمّا من يكرّه الإيمان ويقبّحه، ويحبّب الكفر والفسوق والعصيان، فهذه هي راية الضلال. ولا يقتصر بناء راية الضلال على النشاط العسكري، بل يشمل حتى النشاط الإعلامي الذي يروّج للفجور، فهو راية ضلال وطاغوت أيضاً. فكل راية إعلامية أو اقتصادية أو قانونية هي كيان واتجاه ومسار، ولا ينحصر المفهوم في القضايا العسكرية الثورية.

فكل ما لا يحمل أحكام القرآن هو راية ضلال. فالإعلام الذي يروّج للفجور يضلّ الناس ويطبّعهم على الفسق والتهتك. وليس المطلوب أن يكون المرء عبوساً قمطريراً، أو أن تكون الحياة جحيماً زمهريراً، فهناك أسباب محلّلة، والحد بين الحلال والحرام واضح. ولكنَّ المشكلة في ترويج المحرّم بعينه، سواء كان محرّماً أخلاقياً أم اقتصادياً أم سياسياً أم عسكرياً. فهذه جوانب يجب الالتفات إليها لفهم حقيقة راية الضلال والطاغوت بحسب منطق القرآن وأهل البيت عليهم السلام، وهو فهم لا يقتصر على جانب دون آخر، وكما مرّ في آية الكرسي: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾.

جوهر التوحيد: الكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله

إنَّ معنى (لا إله) هو الكفر بالآلهة التي هي غير الله، فمقتضى كلمة (لا) هو النفي، وعليه فقول (لا إله) يعني الكفر بما يُعبد من دون الله، وقول (إلَّا الله) هو الإيمان بالله عز وجل. وهذا هو عين المطلب في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256]، فليس في الآية كلمة (لا إله) صراحةً، ولكنَّها تحمل المضمون نفسه.

ويتفرع على ذلك أنَّه يجب الالتفات إلى نسق الآية الكريمة، حيث قدَّمت النفي (الكفر بالطاغوت) على الإثبات (الإيمان بالله). وتكمن الرمزية العظيمة في هذا التقديم في أنَّ ولاية حكام الجور، أو حكم الجور، هي عين الشرك والكفر والوثنية، في مقابل تحكيم حكم الله عز وجل.

وعليه، لم يكن تقديم العقد السلبي على الإيجابي عبثاً، فمن فعل ذلك ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256].

والنتيجة: أنَّه ليس كل من قال (لا إله إلَّا الله) بلسانه يكون قد حقَّق مقتضاها، ما لم يكن برنامجه العملي قائماً على نبذ حكم الطاغوت والطواغيت، والسعي لتحكيم حكم الله وإقامته في العالم.

وهذا ما يؤكده قول الإمام علي بن موسى الرضا، وكذلك الإمام الصادق (عليهما السلام)، في الإشارة إلى ولاية أئمة العدل بأنَّها تمام التوحيد.[12]

**

الإمامة والولاية: قضية عقائدية في صلب التوحيد

وقد يُشكل البعض:** كيف تدعي روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ جُلَّ ما ورد في القرآن من مفاهيم الكفر والشرك، إن لم يكن كله، يرجع إلى ولاية أئمة الجور وحكام الطاغوت؟

والجواب: أنَّ نص آية الكرسي يؤسس لهذا المفهوم، حيث إنَّ تولي حكام الجور أو حكم غير الله، والإشادة به، والقيام عليه، يعتبره القرآن الكريم شركاً وكفراً، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: 60]. وعليه، فإنَّ ما تذهب إليه روايات أهل البيت (عليهم السلام) هو نص القرآن الكريم في مواضع متعددة، من أنَّ ولاية الحكم وولاية الحاكم ليست حكماً فقهياً فرعياً، بل هي قضية عقائدية دخيلة في صلب الأصول، ومرتبطة بأصل التوحيد على وجه الخصوص، وهذا من عجائب آية الكرسي.

فمسألة الإمامة ليست مجرد فقه فرعي، كما يعتبرها بعض العامة، إذ كيف تكون حكماً فقهياً فرعياً والقرآن الكريم يصفها في سياقاتها بالكفر والإيمان؟ إذاً هي عقيدة، بل يجعلها في مقابل الإيمان بالله.

وهل هي عقيدة فحسب؟ لا، بل هي من أصول العقيدة التي النجاة مرهونة بها، وبدونها يكون الكفر. وهل هي من أصول العقيدة فحسب؟ لا، بل هي مرتبطة بصميم الأصل الأول في الإيمان وهو التوحيد. فالله تعالى لم يقل: “حتى يصدقوك نبياً”، ولم يقل: “حتى يصدقوك رسولاً”، بل قال: ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، تحكيماً قضائياً وسياسياً وعسكرياً، بل وحتى قلبياً فيما يتعلق بالميول.

فلا يكفي الانتماء والانقياد السياسي الظاهري، بل لا بد من التسليم القلبي، بحيث ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65]، فلا بلبلة ولا نفرة ولا كراهة. إنَّ مجرد التأفف من حكم رسول الله يعتبره القرآن كفراً. وقد ورد أنَّ رجلاً أمام الإمام زين العابدين (عليه السلام) استهزأ بحديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعاجلته النقمة.

فالتحكيم يجب أن يكون في التشريع والسياسة وكل شيء، ولا يكفي ذلك حتى يصل إلى القلب، فلا يجدوا في أنفسهم كراهةً ولا نفرةً، حتى في مستوى الفكر. فإذا كان الإنسان ينظر إلى خلاف أحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورايته، ويرى الصواب في راية الطرف الآخر، فكيف يكون حاله؟

إنَّ الانتماء السياسي والاستتباع القضائي والانصياع المدني، كل هذا لا يكفي ما لم يدخل إلى القلب. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7]، أي لوقعتم في المشقة السياسية والعسكرية وغيرها، فالرسول أدرى بمجاري الأمور كلها. ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات: 7]، فاعتبر الله طاعة الرسول إيماناً. ومقتضى ذلك أنَّه لا يكفي أن تطيع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سياسياً وعسكرياً وتشريعياً، بل لا بد أن يطيع قلبك وفكرك معه، فطاعة البدن وحدها لا تكفي.

فقد يكون الإنسان منقاداً في فقه الفروع، فهو شيعي في الفقه، ولكنه ليس شيعياً في الفكر، وهذا لا يصح أبداً. قد يكون مؤمناً في الفروع، مقدساً، سبوحاً قدوساً، لكن فكره ليس مع أهل البيت (عليهم السلام)، وقلبه ليس معهم، فماذا يفيد ذلك؟ وكيف يفيد؟

تأمل في التدرج القرآني: - أولاً قال: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾. - ثم قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾.

وهل هذا كافٍ؟ لا، ليس كافياً. أن لا أملك كراهةً ولا تأففاً ولا تأوهاً من أحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكرياً، هذا لا يكفي، بل لا بد من أمر أعظم من ذلك.

وما هو الأعظم من ذلك؟ قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فهل كلمة (يُسلِّموا) كانت كافية؟ لا، بل أكَّدها بالمصدر فقال: (تسليماً)، أي تسليماً مطلقاً فكرياً وقلبياً. فالله أكبر، أيقولون إنَّ الله ليس متشدِّداً؟ بل إنَّ الله متشدِّد في أمور دينه.

فائدة: يقول السيد المرتضى[13] إنَّ الصلاة على النبي وآله في التشهد من ضرورات دين المسلمين. وما معنى هذا؟ إنَّ إدراجها في التشهدين، وهما جزء من الصلاة، يعني أنَّ ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) وولاية أهل بيته (عليهم السلام) هي جزء من العقيدة. فآية الصلاة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، في حقيقتها هي قمة الولاية. فالتحكيم خطوة، وعدم وجود الحرج خطوة، والقمة هي التسليم المطلق.

فإذا أُخذت الصلاة على الآل في التشهد، فهذا يعني أنَّ قمة الولاية لا بد أن تكون حاضرة. أن يكون الله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وذرياتنا، قد يكون هذا مجرد لقلقة لسان، وإن كنا نحبهم حقاً، ولكن هل تصل محبتنا إلى الدرجة التي أمرنا الله بها؟ إننا قد نعجز عن تحقيق ذلك في أعظم فريضة، وهذه المحبة هي التي تملي على الإنسان كل مواقفه.

وكما قيل: “لو كان حمزة وجعفر حيين لقطعا أنفسهما دون هذا الأمر”. فأين نحن من مقام حمزة وجعفر (عليهما السلام)؟

والحاصل: أنَّ المقصود من هذه القضية هو التسليم التام. وانظر كيف تنتشر هذه الشيفرات والمعادلات القرآنية في سائر منظومة القرآن. فكلمة ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ في هذه الآية تحوي أسراراً عجيبة، حتى قال عنها أمير المؤمنين والإمام الرضا (عليهما السلام) إنَّ أعظم آية في اصطفاء الولاية لسيد الأنبياء وآل بيته هي هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] المائدة: 55.
[2] البقرة: 257.
[3] جاء في الحديث عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.. تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1414 هـ، ج15، ص53، أبواب جهاد العدو، باب13، ح12
[4] البقرة: 229.
[5] روى الكليني بسنده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لَحَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ أَزْكَى فِيهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً». الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج7، ص174، كتاب الحدود، باب النوادر، ح7
[6] الأنفال: 17.
[7] البقرة: 229.
[8] البقرة: 229.
[9] المائدة: 43.
[10] المائدة: 48.
[11] النساء: 59.
[12] في إشارة إلى حديث سلسلة الذهب المشهور عن الإمام الرضا (عليه السلام) عند دخوله نيسابور، حيث قال بعد أن روى حديثاً قدسياً عن آبائه عن الله عز وجل: “كَلِمَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي”، فلما سارت الراحلة نادى: “بِشُرُوطِهَا وَأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا”. يُراجع: الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام).. تصحيح حسين الأعلمي، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ، ج2، ص135، ح4
[13] هو الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (ت 436هـ)، من كبار فقهاء ومتكلمي الشيعة الإمامية في القرن الخامس الهجري.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo