47/11/01
ولاية الطاغوت ودرجات الشر في المنظور القرآني
الموضوع: ولاية الطاغوت ودرجات الشر في المنظور القرآني
وقد مرّ بنا أنَّ كلمة الطاغوت في القرآن الكريم استُعملت على وجه الحصر في حكّام الجور، ولم تُستعمل لفظة الطاغوت في القرآن في الأصنام أو عبادة الوثن الحجري، بل استُعملت في حكّام الجور. فإذَنْ، مصطلح الطاغوت نصاً في القرآن الكريم يُستعمل في حكّام الجور، وولاية الطاغوت التي وردت في مثل قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾[1] تعني ولاية حكّام الجور.
وهؤلاء حكّام الجور، أيّاً ما كانت هويتهم الانتسابية، سواء كانوا منتسبين إلى الكفر، أم منتسبين إلى أهل الكتاب، أم منتسبين إلى الإسلام، أو حتى منتسبين –والعياذ بالله– إلى الإيمان، فإنَّ القرآن الكريم يطلق عليهم وصف الطاغوت، مع الإشارة إلى أنَّ الطغيان درجات.
ويتبيّن مما سبق أنَّ في القرآن الكريم تحسّساً شديداً، كما مرّ بنا في مجموع السور والآيات، من ولاية وتولّي حكّام الجور قلباً وفكراً، أو سياسياً وعسكرياً، أو اجتماعياً، سواء في السلطة القضائية، أم في السلطة التنفيذية، أم في غيرها من السلطات.
ولنلاحظ الآية الأخرى التي قرأناها سابقاً ونعيد قراءتها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾[2] . هنا ركّز النص على الإيمان؛ والمراد بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ليس بالضرورة أن ينتسب المرء إلى مذهب يعبد هذا الحاكم الجائر، أو مذهب يُسمّى بموالي حاكم الجور، بل إنَّ مجرّد فكرة المطاوعة والانقياد والمتابعة لحاكم الجور يعبّر عنها القرآن بأنَّ هذا إيمان.
فالتبرير الفكري، والمساندة الفكرية، أو الميول القلبية لحكّام الجور، يعبّر عنه القرآن بأنَّه إيمان بالطاغوت أو بالجبت.
والجبت كما مرّ بنا، هو أصل التنظير لغير حكم الله ولغير سبيل الله، فكل تنظير أو تبرير فكري من هذا القبيل يُعدّ جِبتاً.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾[3] . يُحاسَب الإنسان حتى على المفاضلة النسبية، فقولك: “هذا أهدى من هذا” عليه حساب وكتاب، و”هذا أرشد من هذا” كل ذلك عليه حساب وكتاب.
ولذلك رفض أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يساوي بين الخوارج وبني أميّة، مع أنَّ كليهما كان خصماً له، لكنه رفض المساواة بينهما.[4] وسبحان الله، فإنَّ من يقول إنَّ أهل النار كلهم سواء، فهو كافر بالوحي الإلهي؛ لأنَّ الوحي الإلهي نفسه يصرّح بوجود خالدين في النار وغير خالدين، وبوجود ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.[5]
وما هي أوصاف القرآن الكريم للنار؟ إنَّ القرآن الكريم نفسه يميّز بين أهل النار؛ فمنهم من يُعرضون على النار ولم يقل إنهم يدخلونها، ومنهم من يدخل ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ¤ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾[6] . فالقرآن الكريم نفسه لا يجعل أهل الشر على درجة واحدة.
فإذَنْ، في منطق القرآن الكريم حتى أهل النار ليسوا على درجة واحدة. يقول القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾[7] . ولماذا سبعة أبواب؟ إنها شبيهة بالطبقات.
وبالتالي، حتى في أهل الشر، نلاحظ في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا﴾[8] . إذَنْ، فمن أهل الشر من هو شديد العتوّ، وفيه العاتي، وفيه شديد العتوّ، وفيه الأشدّ. أليس هذا تمييزاً من القرآن الكريم؟
فإذَنْ، الأولويات موجودة في القرآن، حتى أهل النار لا يجعلهم القرآن الكريم على درجة واحدة. فمن يقول: “أنا لا أُسلّم بأنَّ أهل النار مختلفون في الدرجات”، فهذا كفر بالوحي؛ فالوحي نفسه يقرّر أنَّ أهل النار درجات. وهذه بصيرة معرفية ضرورية في الوحي الإلهي، سواء من الكتاب أو من سنّة المعصومين، وهي أنَّ أهل الشر درجات.
**
الثمرة العملية: تحديد الأولويات في الصراع
ما الثمرة في ذلك؟** إنَّ أهل الشر وأهل النار درجات؛ ففيهم من هو في غيّ، ومن هو في غيّ أشدّ، وفيهم العاتي، وشديد العتوّ، والأشدّ. وبلا شك، فإنَّ الذي هو أشدّ شراً وأشدّ شقاوة، لا تكون محاسبته في ميزان العدل كمحاسبة من هو دونه.
ولذلك نجد أمير المؤمنين صلوات الله عليه في وصيته للإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، وكذلك في كلام الإمام الحسن (عليه السلام)، ما يدل على أنَّ بني أميّة أولى بالحرب من الخوارج. أي إنَّ كلام الإمام (عليه السلام) مفاده أنَّ حرب صفّين أولى من حرب النهروان، ووجوب الحرب في صفّين آكد من وجوبها في النهروان. ولذلك قال: «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي»[9] ، فإنَّ أمرهم يسير.
وكذلك الإمام الحسن (عليه السلام)، عندما طلب منه معاوية الاستعانة به في حرب الخوارج، ورفض الإمام الحسن قائلاً ما حاصله: لو أردت أن أخوض بجماعتي من شيعتي حرباً عسكرية، فأنت يا معاوية أولى بالحرب من الخوارج.[10]
لاحظ أنَّه حتى في الحرب العسكرية هناك أولويات؛ فهناك الأشدّ عداوة والأخف عداوة، والأشدّ شرّاً والأقلّ شرّاً، وليسوا على حدّ سواء. هذا المنطق واضح جداً سواء على الصعيد السياسي، أم على الصعيد العسكري، أم على الصعيد الأمني، أم على الصعيد الثقافي والفكري؛ ففي كل الأصعدة هناك درجات.
فنلاحظ هنا أنَّ القرآن الكريم يُبدي شدّة النكير على هذا الإيمان المذكور في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، فليس الأمر مجرّد تولٍّ سياسي، بل هو تولٍّ على صعيد الإيمان الفكري أو الميول القلبية، وهو نجاسة في القلب ورجس فيه؛ أي تولّي الطاغوت وحكّام الجور، وحبّ حكّام الجور.
وقد ورد في الحديث: «مَنْ أَحَبَّ عَمَلَ قَوْمٍ حُشِرَ مَعَهُمْ»[11] . بل إنَّ القاعدة أعمّ، فـ«مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً حُشِرَ مَعَهُ»[12] . وأخطر شيء في الانحراف هو تحبيب الشر أو الطغيان في القلب. فإذَنْ، ميول الفكر أشدّ مسؤولية من الميول السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، وهذه الميول يسمّيها القرآن إيماناً.
يقول تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾[13] . أمّا أن يُحبَّب إليكم الكفر، ويُحبَّب إليكم الفسق، ويُروَّج للفسق، ويُطبَّع مع نشره في المجتمع، فهذا تحبيب للفسق.
**
آلية عمل الحب والبغض في القلب
ما هو الفرق بين “حبّب” و”زيّن”؟** إنَّ التزيين أخصّ من التحبيب، فالزينة سبب للحب.
ثم يقول تعالى في سورة الحجرات، وهي من أواخر السور المدنية نزولاً وفيها تشديد عظيم في أمر الولاية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ…﴾[14] . هنا سمّى طاعة الرسول وقيادته وولايته وتولّيه واتّباعه إيماناً، وسمّى معصية الرسول والتمرد على ولايته كفراً وفسوقاً وعصياناً. فالإيمان ليس مجرّد عقائد فكرية، بل هو متجسّد في الرسول، كما قيل في يوم الخندق: «بَرَزَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّهِ»[15] . وعندما يقول أئمة أهل البيت عليهم السلام: «الإيمان رجل»[16] ، فإنهم يعنون سيد الرسل أو وصيّه.
ومثال ذلك: أنَّ الزوج إذا كان يتذكّر دائماً إحسان زوجته إليه، فإنَّ هذا يخلق في قلبه حبّاً لها؛ فالإحسان زينة، و«النَّاسُ عَبِيدُ الْإِحْسَانِ»[17] ، والزينة سبب للحب. وكذلك الزوجة إذا تذكّرت ملف الإحسان من زوجها لها، فإنَّ ذلك يوجب حبّها له.
وماذا يصنع السحر؟ إنَّ السحر يسخّر الشياطين ليُذكِّروا الزوج أو الزوجة بسيئات الطرف الآخر، ويُنسوهم إحسانه. وهذا لا يقتصر على الزوجين، بل يقع بين الأب والابن، والأرحام، والأصدقاء، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾[18] . فالشيطان أو الجن يذكّرون الإنسان بسلبيات الطرف الآخر، وينسونه إيجابياته.
فالإنسان العاقل الحكيم لا يغترّ بتذكّر سلبيات الطرف الآخر، بل يوازن قلبه بتذكّر إيجابياته.
ولنلاحظ الآن حتى في العلاقة بين العبد وربّه، لماذا يزيد الشكرُ إيمانَ الإنسان؟ لأنَّ الشكر هو أن يتذكّر الإنسان نِعَم الله عليه وإحسانه إليه. حتى ورد عندنا في الروايات أنَّ تذكّر إحسان الله على العبد أعظم مرتبة من الشكر باللسان؛ لأنَّ تذكّر إحسان الله يوجب محبة الله في قلب الإنسان. فكأنما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾[19] معناه أنك بتذكّرك للنعم تُحبّب الله إلى قلبك، وهذا نفع لك أنت أيها الإنسان. فالشكر يعود نفعه إلى العابد لا إلى المعبود.
إذَنْ، ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾. لذلك لاحظ لو أنَّ عدوّاً أرسل إليك خمسة آلاف انتحاري، وتسبّب هؤلاء بملايين القتلى، ثم تنسى هذا وتتعامى عن البصيرة، وفي المقابل تنسى إحسان من واساك بدمائه من دول الجوار، وتتقرّب إلى الذي أراق منك الملايين من الدماء، فهذا مسخ في القلب والفكر.
إنه مسخ في القلب والفكر، وإلا فـ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾[20] . أمّا أن تُطمس سيئات خمسة آلاف انتحاري أزهقوا أرواح الملايين، وتُنسى، بينما يُنسى إحسان من شاركوك في الدماء والدفاع، فهذا مسخ بيّن.
إنَّ كل كلمة وتصريح وموقف يطلقه الإنسان، واللهِ سنُحاسب عليه حساباً شديداً. فأن تُحبّب العدو بلقلقة لسان، فهذا يعني أن تكون «وَلِيّاً لِمَنْ عَادَاهُمْ، وَعَدُوّاً لِمَنْ وَالاهُمْ»[21] ، وهذا عكس ما ورد في زيارة عاشوراء من المسؤولية الشديدة. وهذا ما يحدث الآن.
فكأنما يُقال: يجب أن تقرأ زيارة يزيد بن معاوية، لا زيارة الحسين (عليه السلام)! يجب أن تذهب لزيارة الضغينة!
إذَنْ، فالقرآن الكريم يركّز على خطورة موالاة الطغاة والأعداء في القلب والفكر. إنَّ زيارة عاشوراء التي نظنّها سهلة، هي في الحقيقة من أصعب المسؤوليات؛ ففيها وظائف تُحرجنا وتورّطنا في الحساب في القبر وفي القيامة أشدّ ما يكون. وقد مرّ بنا أنَّ تشديد القرآن في ولاية الطاغوت شديد جداً.
ومر بنا أن كلمة الطاغوت في القرآن الكريم استُعملت حصراً في حكام الجور، ولم تُستعمل لفظة الطاغوت في القرآن الكريم في الأصنام أو في عبادة الوثن الحجري، بل استُعملت في حكام الجور.
فإذاً، مصطلح الطاغوت يُستعمل نصاً في القرآن الكريم في حكام الجور، وولاية الطاغوت التي وردت في الآيات مآلها إلى ولاية حكام الجور. وهؤلاء حكام الجور -أيّاً ما كانت هويتهم الانتسابية، سواء كانوا منتسبين إلى الكفر أم إلى أهل الكتاب أم إلى الإسلام، بل حتى إلى الإيمان والعياذ بالله- يطلق عليهم القرآن الكريم وصف الطاغوت، ومعلوم أن الطغيان درجات.
وعليه، فإن في القرآن الكريم -كما مر بنا من مجموع السور والآيات- تحسساً شديداً من ولاية حكام الجور وتوليهم، سواء كان ذلك على الصعيد القلبي والفكري، أم على الصعيد السياسي والعسكري والاجتماعي، وهذا يشمل السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية.
وتأمل في الآية الأخرى التي قرأناها سابقاً، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء - ٥١].
وهنا تركيز على الإيمان؛ فليس المقصود بـ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مجرد الانتساب إلى مذهب يعبد هذا الحاكم الجائر، أو يسمى بموالاته، بل إن مجرد فكرة المطاوعة والانقياد والمتابعة لحاكم الجور يعبر عنها القرآن الكريم بأنها إيمان به. فالتبرير الفكري والمساندة الفكرية والميول القلبية لحكام الجور، كل ذلك يعبر عنه القرآن بأنه إيمان بالطاغوت أو بالجبت.
والجبت، كما مر بنا، هو أصل التنظير لغير حكم الله وسبيله.
وفي الآية المتقدمة يُحاسب الإنسان حتى على المفاضلة النسبية؛ فقولك: “هذا أهدى من هذا” عليه حساب وكتاب، وقولك: “هذا أرشد من هذا” عليه حساب وكتاب. ولهذا رفض أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يساوي بين الخوارج وبني أمية، مع أن كليهما كان منحرفاً.
ومن العجيب أن من يقول إن أهل النار كلهم سواء، فهو في حقيقة الأمر يكفر بالوحي الإلهي؛ لأن الوحي نفسه يقرر تفاوتهم، فمنهم الخالدون في النار، ومنهم غير الخالدين، ومنهم من هو في ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء - ١٤٥]. فالقرآن الكريم نفسه يميز بين أهل النار، فمنهم من يُعرض عليها ولم يقل يُدخلها، ومنها ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ¤ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة - ٦-٧]. فالقرآن لا يجعل حتى الأشرار على درجة واحدة.
يقول القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر - ٤٤]. وهذه الأبواب السبعة شبيهة بالطبقات أو الدركات. ويتجلى هذا التمايز في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا﴾ [مريم - ٦٩].
فالحاصل: أن في أهل الشر من هو عاتٍ، ومن هو شديد العتُوّ، ومن هو أشد عتُوّاً. أليس هذا تمييزاً وتفصيلاً من القرآن الكريم نفسه؟ فالقول بعدم التسليم باختلاف درجات أهل النار هو كفر بالوحي، لأن الوحي نفسه يصرح بأن أهل النار درجات.
إذاً، هذه بصيرة معرفية ضرورية مستفادة من الوحي الإلهي، كتاباً وسنة، وهي أن أهل الشر درجات.
وما الثمرة المترتبة على ذلك؟ الثمرة هي أن جبهة الشر ليست على درجة واحدة؛ ففيها الغي وفيها ما هو أشد غياً، وفيها العتوّ وفيها ما هو شديد وأشد. وبلا شك، فإن الذي هو أشد شراً وشقاوة لا يُحاسَب كغيره، فلا تكون المحاسبة واحدة. ولذلك نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته للإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، وكذا في كلام الإمام الحسن، يقرر أن بني أمية أولى بالحرب من الخوارج، بمعنى أن وجوب الحرب في صفين كان أولى من وجوبها في النهروان. ولذلك قال: “لا تقاتلوا الخوارج بعدي”[22] ، مشيراً إلى أن أمرهم بسيط.
وكذلك عندما طلب معاوية من الإمام الحسن (عليه السلام) الاستعانة به في حرب الخوارج، رفض الإمام ذلك وقال ما مفاده: لو أردت أن أخوض حرباً عسكرية بمن معي من شيعتي، لكنت أنت يا معاوية أولى بالحرب من الخوارج.
فتأمل كيف أنه حتى في الحرب العسكرية هناك أولويات؛ فهناك عدو أشد عداوة وآخر أخف، وهناك من هو أشد شريّة ومن هو أقل، وليسوا على السواء. وهذا المنطق جارٍ على الصعيد السياسي والعسكري والأمني والثقافي والفكري، وعلى كل الأصعدة.
فلاحظ كيف يتحسر القرآن الكريم في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، ليس فقط على التولي العملي، بل على التولي على صعيد الإيمان الفكري والميول القلبية، التي هي رجس ونجاسة في القلب. فحب حكام الجور يندرج تحت قاعدة: “من أحب عمل قوم حُشر معهم”، بل وقاعدة: “من أحب شيئاً حُشر معه”.
والأخطر في الانحراف هو تحبيب الشر والطغيان في القلب. فالرضا بعملهم يوجب الحشر معهم، فكيف بمن أحبهم؟
وعليه، فإن الميول الفكرية أشد مسؤولية من الميول السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، وهذه الميول هي التي سماها القرآن إيماناً.
وفي مقابل ذلك، يقول تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات - ٧]. أما أن يُحبب إليك الكفر والفسوق، ويُروّج له ويُطبّع معه، فهذا هو الخطر. اقرأ الآية الكريمة: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ…﴾. فالنص لم يقتصر على التحبيب، بل أضاف التزيين.
وما الفرق بين التحبيب والتزيين؟ هذه الآية من سورة الحجرات، وهي من أواخر السور المدنية نزولاً، وفيها تشدد بالغ في مسائل الولاية والبراءة. وقد جاءت في سياق قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ…﴾ [الحجرات - ٧].
فانظر كيف سمى النص طاعة الرسول وقيادته وولايته وتوليه واتباعه إيماناً، وفي المقابل، سمى معصية الرسول والتمرد على ولايته كفراً وفسوقاً وعصياناً. وهذا ينسجم مع قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام): “برز الإيمان كله إلى الشرك كله”[23] ، وعندما يقول أئمة أهل البيت عليهم السلام إن الإيمان رجل، فإنهم يعنون سيد الرسل (صلى الله عليه وآله).
ومثال ذلك في العلاقات الإنسانية: إذا داوم الزوج على تذكر إحسان زوجته إليه، فإن ذلك يخلق في قلبه محبتها، لأن تذكر الإحسان يزين المحسن في عين من يُحسن إليه، فالناس عبيد الإحسان. وكذلك الحال مع الزوجة إذا تذكرت إحسان زوجها، والأب مع ابنه، وبين الأرحام والأصدقاء.
وعلى الضد من ذلك، فإن السحر -كما في قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة - ١٠٢]- يعمل على تسخير الشياطين لتذكير أحد الطرفين بسيئات الآخر وإنساء إحسانه، فتنشأ العداوة.
فالعاقل الحكيم هو الذي لا يغتر بتذكر السلبيات، بل يوازن قلبه بتذكر الإيجابيات.
وهذا المنطق يجري حتى في علاقة العبد بربه؛ فالشكر يزيد الإيمان لأنه يرتكز على تذكر نعم الله وإحسانه. وقد ورد في الروايات أن تذكر إحسان الله إلى العبد هو مرتبة أعظم من الشكر اللساني، لأنه يوجب محبة الله في القلب. وهذا مقتضى قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان - ١٢].
فالشكر في حقيقته نفع يعود على الشاكر نفسه، إذ به يحبب الله إلى قلبه فيزداد إيماناً.
وتأسيساً على ما سبق، إذا أرسل إليك عدو خمسة آلاف انتحاري تسببوا في مقتل الملايين، ثم تتعامى عن هذه الحقيقة، وتنسى في المقابل إحسان من واساك بدمائه من دول الجوار، وتطمس سيئات ذلك العدو، فهذا مسخ في القلب والفكر. وهذا خلاف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت - ٣٤].
فكل كلمة وتصريح وموقف يطلقه الإنسان سيُحاسب عليه حساباً شديداً. فزيارة عاشوراء ليست مجرد لقلقة لسان، بل هي مسؤولية شديدة؛ فكل كلمة فيها صدق يجب أن تنعقد عليها القلوب. أما أن يُحبب الإنسان عدو أهل البيت، فهذا مصداق لقلب حقائق الزيارة، فتصير: “ولي لمن عاداكم، وسلم لمن حاربكم، وحرب لمن سالمكم، وعدو لمن والاكم”، وهذا ما يجري في الواقع للأسف. وكأنما يُطلب من المرء أن يقرأ زيارة يزيد بن معاوية لا زيارة الحسين، وأن يزور الطغاة لا الأصفياء.
والخلاصة: أن القرآن الكريم يركز على خطورة موالاة الطغاة والأعداء في القلب والفكر. فزيارة عاشوراء التي قد نظنها سهلة، هي في حقيقتها من أصعب المسؤوليات، وإن فيها وظائف تضعنا في حرج شديد وتورطنا في الحساب في القبر والقيامة أشد ما يكون. وكما مر بنا، فإن تشدد القرآن في ولاية الطاغوت شديد جداً.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.