47/10/20
مفهوم الطاغوت ووجوب الكفر به في ضوء القرآن والسنة
الموضوع: مفهوم الطاغوت ووجوب الكفر به في ضوء القرآن والسنة
لا يزال البحث في الآية الثالثة من آيات الكرسي، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[1] ، وفي سياق قوله سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾[2] . وقد ورد في سورة النساء ما يشير إلى هذا المعنى في قوله: ﴿…يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ…﴾[3] .
وقد مر بنا أنَّ المقصود بالطاغوت هم حكام الجور. وللقرآن تشدد شديد مع ولاية حكام الجور، ويسمي التمرد على ولايتهم، سواء أكانت سلطة قضائية أم سياسية أم تنفيذية أم عسكرية، يسمي هذا التمرد كفراً واجباً بالطاغوت.
ويعبر القرآن الكريم عن التمرد على سلطة أو حكم الجور بـ(الكفر بالطاغوت)، أي عدم تولي الطاغوت. والطاغوت هو حاكم الجور في أي منطقة كانت، أو حتى في النظام الدولي، فالبحث ليس مقصوراً على دار الإسلام أو دار الإيمان، بل هو عام شامل حتى لدار الكفر، كما في خطابه تعالى لموسى (عليه السلام): ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[4] .
فهذه لطيفة تضاف إلى آيات الطاغوت، وهي أنَّ طغيان فرعون كان في الدنيا، لا في الآخرة.
وعليه، فقد مر بنا في سورة النساء أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت تقنينياً، أو تشريعياً، أو فتوائياً، أو سياسياً تنفيذياً؛ يريدون أن يتحاكموا إليه ليبسطوا نفوذهم والتبعية له. والحال أنهم ﴿…وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ…﴾[5] ، وهذا الأمر وارد في آية الكرسي وفي آيات كثيرة، ولا يُستثنى منه إلا حالة الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وذلك بحث آخر.
وعليه، فإنَّ ولاية الطاغوت، أي حكام الجور، هم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ¤ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾[6] . فإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ ما يُصَب عليهم من العذاب ليس عدواناً، فهم من أكثروا الفساد. فإذا طغى حكام الجور في البلاد وأكثروا فيها الفساد، فهل تكون الحمم التي تسقط عليهم عدواناً؟ بل على العكس، هو تنفيذ لقضاء إلهي، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ¤ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[7] .
وكيف يُتحاكم إليهم؟ إنهم لا يحكمون بما أنزل الله، بل يريدون أن يتحكموا بأهوائهم. وهذا الحكم، سواء في باب القضاء أم غيره، مما عنونه الفقهاء استناداً إلى الآية والروايات المستفيضة، هو حكم مُسلَّم وقاعدة قضائية وفقهية وسياسية وعقائدية.
وأصل زيارة عاشوراء، التي يصب كل بند منها وكل جملة في هذا البحث، هو الكفر بحكام الجور.[8]
ومن ثم فإنَّ حكام الجور يتحسسون من زيارة عاشوراء. فلينظر من يتحامل على زيارة عاشوراء، ولماذا يتحامل عليها؟ أهو تضامن مع حكام الجور؟ إنَّ زيارة عاشوراء تؤرق حكام الجور. ويكمن سر تشدد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتأكيدهم على تعلق المؤمنين بالحسين (عليه السلام) في أن لا تغيب عنهم البوصلة، وبصيرة العقيدة بأنَّ الإنسان لا يوالي حكام الجور لا سياسياً ولا قضائياً ولا تشريعياً ولا تقليداً.
وهذا مبدأ من مبادئ منهاج وعقيدة ومذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فالمشروع الحقيقي هو الحسين (عليه السلام).
والحاصل أنَّ معنى الطاغوت والطغيان هو الحاكم، سياسياً كان أم عسكرياً أم قضائياً أم غير ذلك، الذي يحكم بغير حكم الله وبغير حكم النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، سواء في السياسة أم في القضاء أم في أي شأن آخر.
وعليه، فليس كل راية تُرفع قبل قيام القائم (عجل الله فرجه) يكون صاحبها طاغوتاً. والسؤال: متى تكون الراية طاغوتاً؟ والجواب: إنَّه ببديهة علم الفقه وعلم التفسير وعلم الحديث، تكون الراية طاغوتاً إذا لم تسلك مسلك أهل البيت (عليهم السلام)، أي مسلك القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، وحكمت بغير حكمهم. سواء أكانت هذه الراية ناعمة أم ساخنة أم متوسطة بين النعومة والسخونة؛ راية تشريعية أم فكرية أم عسكرية أم سياسية. فالمسألة هنا ليست قصة طغيان محض، بل قد تكون اتجاهاً فكرياً أو تنظيراً. كما قرأنا في الآية الكريمة: ﴿…يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ…﴾[9] . فالجبت هنا، وهذا ليس بحثاً عسكرياً، بل القضية مرتبطة بما يكون على غير هدي الثقلين، فهذا هو الطاغوت. فالسلطة الطاغوتية قد تكون اقتصادية تروج للفجور، وتقوي العداء لدين الله، فلا تحكم بحكم الله ولا بأمره، فتصير بذلك طاغوتاً.
إذن، قضية الطاغوت استعمالاً في القرآن وفي الروايات المستفيضة والمتواترة لا تختص بالراية العسكرية أو السياسية أو الأمنية، بل تشمل حتى الراية الفكرية والقضائية والناعمة. فكل اتجاه أو مسيرة تلتزم بالموازين الإلهية، فليست بطاغوت وليست راية طاغوت.
أما ما كان على غير موازين الله، ولا يحكم بأحكام الله، وينظّر لغير أحكام الله ولغير النظام السياسي الذي يريده الله، فهذا هو الطاغوت. وهذه قاعدة مُسلَّمة في الفقه وفي الروايات: من عطل حداً من حدود الله، وليس المقصود بالحدود العقوبات فحسب، بل أي حكم من أحكام الله.
فمثلاً، في باب أحكام الأحوال الشخصية، لو عُطِّل حكم من أحكام الزوجين بلا مبرر، وبدعوى أنَّ المجتمع قد يعيب علينا، فهل نعطل الحكم الضروري، لا الأحكام الظنية، من أجل ذلك؟
فهذه نكات يجب الالتفات إليها. وعليه، إذا تتبعنا استعمال كلمة (طاغوت) في الأبواب الفقهية والعقائدية والروائية والقرآنية، فسنرى لها عمقاً وسعة. وأما معنى “كل راية قبل قيام القائم”، فمعنا فيه رواية خاصة سنقرأها لاحقاً، وهي تبين نفس النكتة والمعنى. لأنَّه يتشبث بها القاعدون والقاعدات، والمتقاعسون والمتقاعسات. وتعبيرهم: هل يدعو لنفسه أم يدعو لأمته؟ هل يدعو لحكم الله ولأوليائه؟ وهذه هي أحكامه، وهذا بحثها.
إذن، هذا الأمر من الله، وقد أمروا بأن يكفروا به، وأن لا يتحاكموا إليه. إنَّ تشدد القرآن هذا مرتبط حتى بالعقيدة، بحيث لا يكون في القلب أدنى ميل إليهم.
ولاحظ في قوله تعالى: ﴿…يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ…﴾[10] . فالقضية فكرية قلبية قبل أن تكون موقفاً سياسياً أو قضائياً. فلا ينبغي أن تحدثك نفسك بمجرد هاجس يميل إلى حكام الجور، فهذه نجاسة قلبية عقائدية لا يغفرها الله إلا بعد توبة نصوح. فالقضية ليست على الصعيد السياسي أو الموقف العام أو العسكري فحسب، بل هي على الصعيد القلبي. وقد أمروا أن يكفروا به، فمعصية القلب بميوله وأهوائه هي أن يتحبب إليهم ويتودد، أعوذ بالله.
وما قيل في تفسير ذلك في القرآن، أنَّ الله يقول: ﴿…يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ…﴾[11] ، فالجبت هو التنظير لغير أحكام الله ونظام الله. وقد عبر عن الموقف المطلوب بـ(الكفر)، فقال: ﴿…وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ…﴾[12] .
فقبل الموقف السياسي والعسكري، بل أصلاً على صعيد الفكر والقلب، يجب أن تتبرأ وتتنزه. وهذا ما نجده في كل الزيارات المتواترة والأدعية المتواترة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فليس الأمر مبنياً على رواية أو اثنتين أو ثلاث.
فأصل المذهب، وأصل هوية الحسين (عليه السلام) هي هذه التي يؤكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) بشدة. وهذه أمور نحاسب عليها، حتى في التنظير نحاسب عليها. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ…﴾[13] . وقد بُيِّن معنى الجبت، وهو ما يقطع الطريق أو يقطع عن الحق. فمن الذي ينظر خلاف حكم الله؟ أهي حكومة مدنية؟ وما الذي تقصده بها؟ وهل تقول إنَّ ما فسح الشارع فيه من أحكام العقل تُمضى؟ أم تقول لا يُقدَّم الحكم البشري على حكم الله؟ إنَّ هذا التنظير هو الجبت، ولا علاقة له بالمنازل العسكرية أو السياسية.
فعلى صعيد التنظير، قد يكتب قلمك مقالة أو كلمة أو عنواناً فيه تجميد لحكم من أحكام الله الضرورية، واستبداله بما تشتهيه البشرية وتستهويه، فهذا هو الجبت والتنظير له. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾[14] . إنَّ القرآن وقف بالمرصاد لكل أشكال الباطل على كافة الأصعدة.
وهذا هو الاقتراب من الطاغوت المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ…﴾[15] . وقد قالوا في معنى الركون: هو الميل اليسير والاعتماد عليهم.
وفي آية أخرى في النشاط العسكري: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ…﴾[16] . أي انظر إلى نشاطك العسكري أو السياسي، أين يصب؟ وانظر إلى الغاية، هل هي تحكيم غير أحكام الله ورسوله وأهل البيت (عليهم السلام)؟ فإن كان تحكيماً لغيرهم فاحذر.
وقد مر بنا حديث يونس بن عبد الرحمن، وهو يسأل الإمام (عليه السلام) عن المرابطة والأنشطة العسكرية للدفاع عن المسلمين، فسأله الإمام: هل هي عنهم -أي عن بني العباس-؟ قال: لا، بل عن الإسلام.[17] فكما ذكر ابن القيم الجوزية[18] في وقائع عديدة، أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: “رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته”، فكثير يموتون في واقعة واحدة، لكنهم يحشرون على نواياهم. فهذا نوى الدفاع عن الإسلام، لا عن العباسيين. فالنية تبرمج مسار الإنسان وتحدده.
ففي كل نشاط، سواء كان قضائياً، أم فكرياً، أم قلبياً، أم ترويجياً، يتحسس القرآن من ولاية حكام الجور، ويقابلها بولاية الله وولاية أوليائه.
وكذلك الآية الكريمة: ﴿…فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[19] . إنَّ طاعة حكام الجور هي ديدن حتى المذاهب الشركية، فمشركو قريش كانوا يطيعون سادتهم، كما يحكي القرآن عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[20] .
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾[21] .
وبقيت آيات أخرى تُستعرض، لأنَّ القرآن جعل هذا المبحث حساساً جداً، يلقي بظلاله على فكر الإنسان وعقيدته وميوله ومواقفه وانتمائه السياسي والعسكري.
عقيدة الإنسان وميوله ومواقفه وانتمائه السياسي والعسكري. فكم من قتيل يظنه المسلمون والمؤمنون أنه في سبيل الله، ولكن الله تعالى يكشف عن حقيقة النوايا. بل قد تغتر الملائكة بظاهر الحال، [22] ولكن الله يكشف أن النية لم تكن خالصةً لوجهه، إذ كانت غايتها ولاية أئمة الجور ترويجاً لراية الجور، فكيف يقبلها الله؟ إنها ليست راية الحق، بل راية الباطل.
والحاصل: أن هذا المبحث من المباحث الحساسة جداً التي تمس كل شؤون الإنسان. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/E7SNdoHsmQU?si=rpXuE-WKxDjQQBXm