47/10/19
الشهادات الثلاث وأصل الدين
الموضوع: الشهادات الثلاث وأصل الدين
وقد ذُكر أنَّ في القرآن الكريم ثماني آياتٍ في الطاغوت، وكلمة “الطاغوت” كما مر بنا في الاستعمال القرآني والروائي قد استُعملت في أئمة الجور وحكامه.
ففي آية الكرسي من سورة البقرة، وهي سورة مدنية، نجد أنَّ السور المدنية عموماً تُعنى ببناء نظام الدولة الدينية والنظام الاجتماعي للإسلام، بينما تُعنى السور المكية بتأسيس أصل العقيدة والمفاهيم العقائدية والأخلاقية وما شابه ذلك، وهذا هو النمط الغالب في السور، لا الدائم.
فائدة: إنَّ للسور المدنية، لا سيما النصف الأخير منها الذي نزل من السنة الخامسة أو السادسة للهجرة فصاعداً، ظاهرة قرآنية خطيرة، وهي اشتداد لغة الإمامة والولاية لأهل البيت، ودحض منهج مناوئيهم بشكلٍ صريحٍ وصارخ. ويتفرع على ذلك نقطة عقائدية سياسية مرتبطة بإمامة أهل البيت وولايتهم، فسورة الأحزاب، وسورة محمد (صلى الله عليه وآله)، وسورة التحريم، وسورة براءة، وهي من أواخر السور المدنية نزولاً، صارخة لا في بيان النظام السياسي والاجتماعي للدولة الدينية فحسب، بل في أمرٍ زائدٍ على ذلك، وهو إمامة أهل البيت وولايتهم، ووضوح منهاجهم.
والحاصل أنَّ هناك ثلاث ظواهر في منظومة القرآن ينبغي الالتفات إليها، ولها أثرها في مباحث علوم التفسير. وبالعودة إلى قضية الطاغوت، فقد جعل الله عز وجل تولي ولاية حكام الجور نقيضاً تاماً لولاية الله ولأصل الدين، وهذا دليل على أنَّ الولاية لأئمة العدل هي من أصول الدين وأسسه.
فإنَّ عدم تبليغ الأصل الثالث، وهو الشهادة الثالثة بالولاية، يستلزم عدم تحقق الأصل الثاني والشهادة الثانية، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة - 67]، ومقتضى ذلك انتفاء الرسالة من الأساس، وانتفاء الشهادة الثانية تبعاً لذلك، وهذا حسمٌ قاطعٌ لا تخيير فيه، بل هو لزوم ووجوب.
والشاهد على ذلك: ما ورد في سورة المنافقين، حيث يقول تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون - 1]، فلماذا تعرض القرآن لنفاقهم في الشهادة الثانية (الرسالة) ولم يتعرض لنفاقهم في الشهادة الأولى (التوحيد)؟ إنَّ في ذلك نكتة، وهي التركيز على الشهادة الثانية.
فالشهادة الأولى كان يقر بها حتى مشركو العرب، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف - 87]، وقال أيضاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان - 25]، وهذا دليل على أنَّ الشرك كله يكمن في الوسائط بين الله وخلقه، فمحل النزاع الدقيق هو الشهادة الثانية والثالثة، لا الشهادة الأولى.
ولاحظ هنا أيضاً في آية الغدير من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة - 67]، فإنَّ عدم تبليغ هذه الشهادة الثالثة وما استقر قرارها، يجعل الشهادة الثانية منتفية تماماً، فيكون مآله ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. فالشهادة الثانية من دون الثالثة يعدها القرآن كفراً، والشهادة الثانية لا وجود حقيقياً لها إلا بالشهادة الثالثة.
تنبيه: إنَّ هذا التقريب يقبله السيد الخوئي[1] في كتاب الصلاة عند بحث الأذان، إذ يرى أنَّ دلالة الآية على ذلك ضرورية وبديهية.
ثم دقق في لفظ “الرسول” في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ولم يقل “يا أيها النبي”، فإذا لم يبلغ الولاية ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، وهذا يعني أنَّ الإيمان ببعض ما أنزل على النبي دون بعض لا يكفي، بل يجب الإيمان بكل ما أنزل عليه، حتى لو كان المنزل في علي بن أبي طالب، وحتى لو كان ذلك مما يبغضه قلب السامع. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة - 67]، ففي ذلك إشارة واضحة إلى أنه كانت هناك فتنة متوقعة، وكان التمرد محتملاً، إذ كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتوقع انقلاباً مضمراً، أو ما يمكن تسميته ربيعاً جاهلياً قبلياً، ثم ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة - 67].
والنتيجة: أنَّ هاتين الآيتين تدلان بوضوح على أنَّ الحقيقة الشرعية للتشهد ثلاثية، وليست ثنائية ولا أحادية.
وفي مقابل ولاية الطاغوت، أي حكام الجور، تقوم ولاية أئمة العدل الذين نصبهم الله أئمة، وهذا التلازم قائم في كل السور التي تعرضت لولاية الطاغوت.
معنى الطاغوت: التحاكم إلى حكام الجور
إنَّ أخطر ما يثير غضب الله وسخطه ونقمته هو أن تتولى حكام الجور، فلله عز وجل حساسية خاصة تجاه هذا الأمر، إذ يعتبره بمنزلة الكفر بالله في مقابل الإيمان به. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء - 60]، ولم يقل “وقد أمروا أن يعصوه”، بل أمروا أن “يكفروا به”، ومقتضى ذلك أنَّ موالاة الطاغوت سببٌ لزعزعة أصل الإيمان.
فكذب من زعم أنه يؤمن بالله ورسوله وهو يوالي الطواغيت من حكام الجور موالاة حقيقية، والكلام هنا في الموالاة القلبية من محبةٍ وتوددٍ وانبطاحٍ، وهو أمرٌ خطيرٌ جداً، أما التقية فلها بحث آخر.[2] وهذا التحاكم يشمل السلطة القضائية لحكام الجور على صعيد الوطن أو المنطقة أو الإقليم أو حتى المجتمع الدولي، كما يشمل السلطة السياسية والتنفيذية والتشريعية، فيُترك قانون الله ويُجعل القانون البشري للطواغيت هو الحاكم، وما أساس الأمم المتحدة إلا تجمع لطغاة البشر وجبابرته.
وهذا التحاكم المنهي عنه يشمل النزاعات الفردية والسياسية والاجتماعية والدولية، فكل ذلك مصداق لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء - 60].
والحاصل: أنَّ ولاية الطاغوت هي التحاكم إليه، كما في آية سورة النساء.
تفسير حديث «كل راية قبل القائم فصاحبها طاغوت»
لذلك مر بنا أمس معنى الرواية القائلة: «كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت»[3] ، فمن الواضح أنَّ المراد به من يريد أن يحكم بأحكام غير الله ورسوله والأئمة.
تنبيه: إنَّ الكثير ممن يتشبث بهذه الرواية لنفي شرعية أي نهضة سياسية أو عسكرية في زمن الغيبة الكبرى، يغفل عن الروايات الأخرى المفسِّرة والحاكمة التي تبين معنى “راية الطاغوت”، فالطاغوت هو من يحكم بغير حكم الله ورسوله والأئمة، وكما ورد: «من دعا إلى غير حكمنا، كانت رايته راية طاغوت».
والآية الكريمة نفسها توضح ذلك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء - 60].
وهذا منطق من يقول: “أنا أعتقد بالإسلام والدين الحق، لكن السياسة شيء آخر، وعالم المفاوضات شيء آخر”. وقد يُعتذر لذلك بالتقية، فيصير التغيير دائماً والمبادئ طارئة، وهذا قلبٌ للحقائق. ثم تواصل الآيات وصف حالهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء - 61]، فهم يصدون عن أحكام الله ولا يحكمونها، بحجة أنَّ الدين شيء والسياسة والمجتمع الدولي شيء آخر، حتى ينسى المرء دينه وأصله وفصله.
ثم يكمل تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء - 62]، فإذا أعرضوا عن أحكام الله أصابتهم الفتن من الظلم وغيره، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء - 62]، مبررين فعلهم بأنهم براغماتيون يوازنون المصالح، وأنَّ ما فعلوه كان إحساناً وتوفيقاً. وهذه الآيات من الآية (60) إلى (63) من سورة النساء تسرد حال أهل ولاية الطاغوت.
ثم يقول تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء - 63]، فإنَّ مرجع أفعالهم هو الهوى، وحب الدنيا، والهروب من المسؤولية. ثم تذكر الآية التالية بالقاعدة الكلية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء - 64]. وهذا يذكرنا بقوله تعالى في سورة النور: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور - 50]، فهم لا يرجون العدل في أحكام الله، بل في أحكام غيره.
إذًا: يتضح أنَّ معنى الطاغوت المستعمل في القرآن هو حكام الجور أو الحكم بغير حكم الله. وهذا المبحث في سورة النور مرتبط بما ورد في سورة النساء، وهو أنَّ تحكيم أي حكم غير حكم الدين، أي حكم الله ورسوله والأئمة، هو راية الطاغوت.
فحتى لو كان توجهك السياسي أو العسكري ناعماً غير عنيف، فإن لم تحكم فيه بأحكام الله وأحكام الدين، فرأيتك راية طاغوت. بينما الذي يتوجه لتحكيم حكم الله ورسوله والأئمة، فرأيته راية هدى، وإن كان أسلوبه عنيفاً.
لا أقول إنه لا يراعي الموازنات، بل يلاحظها، ولكن التحكيم الأولي للمبادئ هو ما يجعل الراية راية هدى وليست راية طاغوت.
وعلى هذا، فإن تفسير راية الطاغوت الوارد في قولهم: «كل راية قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت» هو هذا التفسير المستفاد من بيانات القرآن الكريم، وقد أشير إلى ذلك في سورة النساء من الآية 60 إلى الآية 63، وفي سورة النور في الآيتين 47 و48.
مفهوم الجبت والتنظير الفكري المنحرف
ونرجع الآن إلى بقية الآيات التي تقابل بين ولاية الله وولاية الطاغوت، ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء - 51].
فإن قيل: ما هو الجبت؟ قلنا: كل تنظير غير ديني أو يعاكس الدين فهو جبت؛ لأنه يدعو إلى ولاية الطاغوت. فالجبت عندما يكون التنظير غير ديني، فإنه يسوق الناس إلى الطاغوت.
والحاصل: أن كل فكر ينحرف عن الدين فرايته راية فكرية طاغوتية، وكل فكر وتوجه يتمحض في الدين المستقيم فرايته راية هدى. فمثلاً، التنظير بأن الوطن مقدم على الدين هو من مصاديق الطاغوت. وقد مر بنا في بحث فتاوى علماء النجاة أن هذه من البديهيات وليست من الفتاوى الظنية. فلا يصح أن يقال: إن العزة للمؤمنين أولاً، ثم للرسول، ثم لله؛ فإن تقديم عزة المؤمنين على عزة الله انحراف بيّن.
فائدة: إن التنظير المنحرف عن الدين هو بحد ذاته ليس من الدين. وإنما سُمي التنظير الفكري المنحرف جبتاً؛ لأن مادة (الجبت) مشتقة من (جَبَّ)، أي: قَطَعَ، فهو يقطع الطريق إلى الله وسبيله، إذ ينظّر تنظيراً لا يطابق الدين، كأن يقول قائل: إن العزة أولاً للبشر والمواطن، ثم للرسول، ثم لله، وهذا قول عجيب. ونحن الآن في صدد الحديث عن الطاغوت، وهو على وزن (فَعَلُوت) من الطغيان.
إن تحكيم القوانين الوضعية البشرية على الأحكام الدينية هو الجبت؛ لأنه تنظير منحرف، وهذه هي راية الطاغوت. وكل راية، ليس فقط الراية العسكرية الساخنة، بل كل نهضة فكرية أو اجتماعية أو سياسية لا تتخذ من دين الله وأحكام الله وأحكام رسوله وأحكام الأئمة منظومة لها، فهي راية طاغوت. ويقولون للذين كفروا ما حكاه القرآن عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء - 51]. فمن يجعل ولاية غير المؤمنين والكافرين مقدمة على ولاية المؤمنين، فلا صلة له بالإيمان، ورايته راية ضلال وطاغوت.
إذاً، يجب أن نفهم من مجموع الآيات والروايات معنى قولهم: «كل راية قبل قيام القائم (عليه السلام) فصاحبها طاغوت»، وذلك بتحديد ضوابط الطاغوت والجبت. وآية الكرسي تبين أين هي ولاية الله وأين ولاية الطاغوت، وأين سبيل الله وأين سبيل الطاغوت، وهم حكام الجور.
وهذه الآية في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [سورة النساء - 60]. يتحاكمون إليه في القضاء، وفي التشريع، وفي السلطة السياسية. فإذا قيل إن السلطة الدولية يجب أن تكون عند حكام الجور، وإن هذا هو الرشد والحكمة، فهذا هو رأي الطاغوت، وهذا تنظير جبت يقطع الطريق ويحرف المؤمنين والمسلمين والبشرية عموماً عن الهداية. فهؤلاء يدعون إلى ولاية الطاغوت، سواء كان الداعي صحفياً، أم منظراً قانونياً، أم محللاً سياسياً، أم مالكاً لسلطة سياسية أو عسكرية.
الامتحان العملي للولاية: قضية الإمام الحسين (ع)
إن قلوبهم مملوءة حباً لحكام الجور. ونحن نعرف من عظمة زيارة عاشوراء أنها تدعو إلى تطهير القلب أولاً، فلا يكفي الادعاء بقول: “يا حسين”. والسر في تأكيد الأئمة (عليهم السلام) على الحسين سيد الشهداء (عليه السلام) هو أن في قضيته امتحاناً سياسياً عقدياً للإنسان: مع من تصطف؟ ومع من يكون هواك ومواقفك ودعمك؟ أي حسين هذا الذي تناديه؟ هل هو الحسين الذي لا يهادن حكام الجور؟ فأنت تقول: “يا حسين”، وهو القائل: «ولِيٌّ لِمَنْ وَالَاكُمْ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عَادَاكُمْ»[4] ، و«سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ»[5] .
إذاً، ليس عبثاً تركيز أهل البيت (عليهم السلام) على تطهير المؤمنين من ولاية الطاغوت بالحسين (عليه السلام)؛ فهو كالسيف ذي الحدين، سيف ذي الفقار. فكيف يستقيم أن يتودد المرء وينشر ثقافة الود لحكام الجور، ثم يقول: “يا حسين”؟
القتال في سبيل الله مقابل سبيل الطاغوت
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء - 76]. فعلى المؤمن أن يحدد بوصلة نشاطه، أهو يصب في سبيل الله أم في سبيل الطاغوت؟ وقتاله العسكري في سبيل من؟ أفي سبيل يزيد العصر أم يزيد ذلك الزمان؟ على المسلم والمؤمن أن ينظر في أي نشاط له، هل يصب في صالح حكام الجور أم حكام العدل؟ وهل هو لتحكيم حكم الله أم حكم غير الله؟
وهذا هو معنى «كل راية قبل قيام القائم…»، وإلا فهناك روايات كثيرة في رايات الهدى، وقد مر بنا أمس ذكر كثير من الروايات التي تمدح المختار[6] معللةً، أو تمدح زيد الشهيد[7] ، لأنه كان مخلصاً لا يبتغي أن يصير تاجراً أو مليارديراً. وكذلك ميثم التمار وحجر بن عدي، فمشكلة المخلص أنه لا يُشترى. هؤلاء بقوا على العهد ولم يبدلوا تبديلاً، حتى لو كان الثمن هو القتل، ولم يبحثوا عن حيلة شرعية لتبرير أنفسهم؛ لأن القيم عندهم أهم من النفس والمال والرئاسة. فكل نشاط على الصعيد الإقليمي أو الدولي يصب في تحكيم أحكام الله فهو في أمان الله.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.