47/10/18
ولاية الله مقابل ولاية الطاغوت: حدود الطاعة والتمرد في الفكر الإسلامي
الموضوع: ولاية الله مقابل ولاية الطاغوت: حدود الطاعة والتمرد في الفكر الإسلامي
كُنّا في الآية الثالثة من آية الكرسي، ووصل بنا المقام إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]. لم يقل: يخرجهم الطاغوت، بل أسند الإخراج إلى الأولياء بصيغة الجمع: ﴿يُخْرِجُونَهُم﴾، وفي ذلك إشارة إلى جنس حكام الجور. فمقتضى ذلك أنَّ القرآن يدعو إلى التمرّد على طاعة الطاغوت.
وعليه، فإنَّ أولي الأمر في قوله تعالى: ﴿…أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ…﴾ [النساء: 59] لا يشمل حكام الجور، وينحصر مصداقه بأئمة العدل، وهم المعصومون (عليهم السلام)، أو من ينيبونه نيابة خاصة أو عامة ما دام سائراً على خطاهم.
إذًا هذه الآية الثالثة في آية الكرسي، والآية التي قبلها، تتعرضان لبطلان ولاية الطاغوت المتمثل بحكام الجور.
والقاعدة هي: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[1] ، وهذا مبدأ راسخ وحديث نبوي متفق عليه.
ففي الآية السابقة: ﴿…فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا…﴾ [البقرة: 256]، نجد الأمر بالكفر بالطاغوت، والكفر به يقتضي التمرّد عليه، وحينئذٍ تنحصر الطاعة بالمعصومين (عليهم السلام).
وأمّا نوابهم: فإنهم يطاعون ما داموا على نهج أئمتهم. ومن ثم ذكر علماء الإمامية في باب الاجتهاد والتقليد أنَّ صلاحية الفقهاء والمراجع مقيّدة ومشروطة بكونها ضمن إطار ضروريات الثقلين، وألّا تخالف ضوابط مذهب أهل البيت (عليهم السلام).[2]
والنتيجة: أنَّه في منطق القرآن والثقلين، ليس لحكام الجور أي صلاحية أو سلطة مشروعة، لا في السلطة القضائية، ولا في التنفيذية، ولا في التشريعية. بل إنَّ الانصياع والانقياد لهم هو بمثابة الخروج عن ولاية الله.
فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذا كانت المعصية بيّنة من جهة التنظير أو المصداق، وغير مختلف فيها. فطاعة الإنسان لغير المعصوم إنما تكون في موارد الاجتهاد والشبهات، أمّا في المعصية البيّنة تنظيراً أو تطبيقاً، فلا طاعة لمخلوق. فالطاعة في مثل هذا المورد البيّن هي طاعة للطاغوت وعين الطغيان.
ومثال ذلك: أنَّ الله عز وجل يولي الأب ولاية رعاية ابنه القاصر، ولكن في نطاق ما فيه مصلحته. أمّا إذا أراد الأب أن يأمر ابنه بمعصية الله أو بما يضرّه ضرراً بيّناً، فلا طاعة له في ذلك، وتنتفي ولايته في هذا المورد.
فأي ولاية يجعلها الله، سواء في نطاق خاص فردي أم نطاق عام، فهي مقيّدة بألّا تكون فيها معصية لله وحدوده، قال تعالى: ﴿…تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا…﴾ [البقرة: 229]. وسواء كانت هذه الحدود بيّنة في الشبهة الحكمية أم في الشبهة المصداقية، فليس لمخلوق طاعة في معصية الخالق.
وعليه، فقد يصدق وصف الطغيان على فعل ما ولو في مورد واحد، بالمعنى الأعم من أنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولهذا بحث الفقهاء في باب الاجتهاد والتقليد وباب القضاء مسألة: هل يسوغ لفقيه أن ينقض حكم فقيه آخر؟ والجواب: أنَّه إذا كان الحكم مبنياً على الظن والاجتهاد في مساحة مختلف فيها، فلا يجوز نقضه، سواء كان الاختلاف في الكبرى أم في الصغرى. لكن إذا كان الحكم مخالفاً لأمر بيّن في الكبرى والصغرى، وصدر عن غفلة أو نحوها، فلا حجيّة له ويجب نقضه.[3]
والحاصل: أنَّ في موارد البيّنات، تنظيراً وتطبيقاً، تكون الولاية لله وحده. ولذلك يقول الفقهاء في كل الرسائل العملية: «الضروريات لا تقليد فيها»، أي إنها خارجة عن صلاحية السلطة الفتوائية للفقيه. فهذه حدود الله، أو ما يقرب منها، فإذا كانت مصاديقها واضحة بيّنة، فهي مورد ولاية الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل ذلك تابع منقاد لأوامر الله، فالأصل هي أوامر الله، ثم أوامر رسوله، ثم أوامر الأئمة (عليهم السلام)، وكلٌّ في طول طاعة الله لا في عرضها.
وهنا يأتي بحث الرواية المشهورة: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»[4] . فإذا كان صاحب الراية يدعو إلى غير حدود الثقلين البيّنة، ويدعو إلى سلطنة نفسه بدلاً من تحكيم مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فنعم، هو طاغوت. وفي رواية صريحة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تبيّن ما هي راية الطاغوت، سنرجئها إلى بحث الجهاد. أمّا إذا كان عبداً منقاداً لحدود الله، فهو لا يدعو إلى نفسه بل إلى الله.
ولذلك وردت روايات عدّة في مدح زيد الشهيد (عليه السلام) عن الإمام الرضا والإمام الصادق (عليهما السلام)، حيث علّلوا إمضاء نهضته بأنَّه «لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَا إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، وَلَوْ ظَفَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَا إِلَيْهِ»[5] . فالمدار على كون الداعي منقاداً لأحكام وحدود أهل البيت (عليهم السلام).
إذًا النكتة في حديث «كل راية» واضحة وذات معنى عميق. فمبحث ولاية الطاغوت مقابل ولاية الله في القرآن مبحث حساس جداً، أكّد عليه أهل البيت (عليهم السلام) كثيراً، وقد ورد ذكر الطاغوت في القرآن في ثماني آيات.
فالقتال والنهضة العسكرية متى تكون في سبيل الله ومتى تكون في سبيل الطاغوت؟ تكون طاغوتاً إذا لم تكن في سبيل الله، وسبيل الله هم الأئمة (عليهم السلام). فإذا لم تتقيّد النهضة العسكرية بالبديهيات من أحكام أهل البيت (عليهم السلام)، فهي ليست ولاية لله، بل ولاية للطاغوت. فإذا رُفعت اليد عن بديهة من بديهيات مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، سواء في الكبرى أم في الصغرى، تحولت النهضة إلى سبيل الطاغوت. أمّا إذا التزمت بها، فأنت عبد لله ومطيع لرسوله وأوليائه.
والآية في سورة النساء صريحة في ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].
وقبلها بآية، نجد قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…﴾ [النساء: 75].
ولهذا لما جاء وفد من الكوفة يستأذنون للثورة للأخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)، وراجعوا في ذلك محمد بن الحنفية، فأرشدهم إلى إمام زمانه زين العابدين (عليه السلام) ليأخذوا الإذن منه، مما وضع الإمام في موقف أمني حرج للغاية.[6]
فماذا كان جواب الإمام زين العابدين (عليه السلام)؟ لم يجبهم بإذن صريح أو رفض صريح، بل وضع لهم القاعدة الكلية، فقال: «يَا عَمّ، لَوْ أَنَّ عَبْداً زِنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ»[7] . فالعبرة ليست بشخص القائم، بل بكون النهضة في سبيل الله ولأجل أهل البيت، لا لأجل نفس القائم.
وهنا تظهر السذاجة التي قد يقع فيها بعض المؤمنين الذين يتذرعون للخذلان بذرائع واهية، كاشتراط التصريح من المرجعية في أوضاع أمنية قاهرة لا تسمح بذلك.
لا بد أن يُبيّن الإمام زين العابدين، ولا بد للمرجع أن يُبيّن، فإذا لم يُبيّن، فمن يفهم الحق من الباطل؟ ومن يُميّز الأبيض من الأسود؟ وأين يكون التردد؟ هل أنتم مترددون أصلاً في نفس القيام بالمسؤولية؟
إذن سبيل الله مقابل سبيل الطاغوت قضية واضحة، وما قاله الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ذلك الزمن يُعدّ قاعدة كلية.
وكما يقول الأئمة عليهم السلام، إن هذا التردد والاضطراب عند المؤمنين هو الذي يُوقِع مشروع أهل البيت عليهم السلام في الحرج، إذ يطالبون بفتوى صريحة من الإمام في وضع حرج قد لا يسمح بالإعلان، ثم يتخذون من عدم صدورها ذريعة للخذلان.
والقاعدة هنا: أن الأمور البديهية الواضحة ليست محلاً للتقليد ولا تنتظر فتوى خاصة، بخلاف الأمور الملتبسة والمشتبهة.
لكن الإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يُجبهم بخصوص الإذن وعدمه، بل كان جوابه متضمناً لقاعدة كلية، على الرغم من تعقيد الوضع آنذاك، بوجود الزبيريين من جهة، والأمويين من جهة، وقتلة سيد الشهداء (عليه السلام) كعبيد الله بن زياد من جهة أخرى، فكان الوضع مضطرباً، وهؤلاء القادمون يريدون أن يفدوا بأنفسهم الأبيّة. فكان جواب الإمام (عليه السلام) هو: > لَوْ أَنَّ عَبْداً زِنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ.[8]
والضابطة في ذلك أن هذا القائد يصبح في سبيل الله وليس طاغوتاً، لماذا؟ لأنه تعصّب لنا لا لنفسه، فوجبت على الناس نصرته.
وتأسيسًا على ذلك، فإن طوائف الروايات الواردة في مدح المختار، كمثل ما ورد في مدح زيد، ليست قضايا شخصية في وقائعها، بل هي قواعد كلية معللة، والجامع بينهما هو ضابطة واحدة: هل الحركة في سبيل الله وولاية الله، أم في سبيل الطاغوت وولايته؟
وعليه، فإن معنى الرواية القائلة: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»[9] ، يُفهم في هذا السياق.
فإن قيل: متى يكون صاحب الراية طاغوتاً؟ قلنا: عندما يدعو إلى نفسه، ويسعى لرئاسة يكتنز فيها الأموال باسم الإسلام، ويتستر به ليستأكل به وبالثورية.
إذن سبيل الله هو خدمة المستضعفين، لا جمع الأموال والثروات. وهنا يكمن الامتحان، كما نُقل عن الشهيد الصدر الأول[10] قوله: «من منّا مُلّك فلم يصبح قارون، وقُتل ولم يصبح موسى بن جعفر». فالبرهان على صدق المسير هو خدمة المحرومين، لا رفع الشعارات.
ولذلك فإن العباسيين، وإن كانوا من نسل العباس بن عبد المطلب، إلا أنهم لم ينهجوا منهج أهل البيت عليهم السلام، بل أتوا تحت شعار «الرضا من آل محمد»، لكنهم استغلوا ذلك دجلاً للوصول إلى السلطان والثراء والبذخ والليالي الحمراء، وهلم جرا. فكان شعارهم سبيل الله، وواقعهم سبيل الطاغوت، واكتناز الثروات، والمساومة على المبادئ.
والحاصل أن كل راية قبل قيام القائم عجل الله فرجه يكون صاحبها طاغوتاً، بمعنى أنه يدعو إلى الطغيان، وإلى تعطيل حدود الله وأحكامه، ولو بتبريرات واهية تحت دعوى المصلحة. وهو ما يعني رفع اليد عن الثوابت العقدية والفقهية، فالمذهب هويته بالضروريات والبديهيات، لا بالمسائل الظنية الاجتهادية، والولاية فيه لأحكام الله وحدوده.
ومثال ذلك: ما ذكره الفقهاء من أن التحاكم إلى قاضي الجور بمثابة الكفر، [11] وهو ما يُصطلح عليه بالكفر العملي لا الحقيقي، لأن ولاية الجور هي ولاية الطاغوت، سواء أكانت سلطة قضائية جائرة، أم سلطة تنفيذية جائرة، أم سلطة تشريعية فتوائية جائرة تنظّر لرفع اليد عن ثوابت الدين. فما هو الطاغوت إذن؟ هو أن تحكّم أهواءك على ثوابت الله ودينه.
فالنتيجة أن ولاية الطاغوت وسبيله مسار، وولاية الله وسبيله مسار آخر. وهذا ما تفصح عنه آيتان متصلتان في سورة النساء، وهما الآية الخامسة والسبعون والسادسة والسبعون. أما الآية الأولى، فهي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75).
وقد يُستشهد في هذا المقام بما ذكرته صحفية أمريكية من أن حرب المستضعفين ضد النظام العالمي هي دفاع عن النفس، وإضعاف للنظام الإقطاعي، ومتنفس للشعوب المحرومة في العالم كله.
والشاهد في الآية: أنها لم تقل «المسلمين» فقط، بل عممت لتشمل ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وهو ما يُعدّ أحد غايات الجهاد الابتدائي كما يذكر السيد الخوئي[12] . ثم إن القرآن يصف تلك الدولة، وإن كانت عظمى، بأنها ﴿قَرْيَةٍ﴾، أي متخلفة عن دين الله، ويفسر علة ذلك بأنها ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، أي حكامها.
فمواجهة جبابرة الأرض وفراعنتها وحكام الجور هي من مصاديق سبيل الله، بينما الاصطفاف معهم هو سبيل الطاغوت.
والقاعدة الكلية: أن سبيل الله بيّن، وسبيل الطاغوت بيّن، والاصطفاف يكون علنياً، كما ورد في الحديث المتواتر عند الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم: «مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حُشِرَ مَعَهُمْ».[13] وهنا تكمن النكتة الدقيقة في التمييز بين الموقف المبدئي والموقف المصلحي.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/ye68y4En6jA?si=qI83zLXXnjNLPcFl