« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/10/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الشرك والكفر في المعرفة أو في الولاية

 

الموضوع: الشرك والكفر في المعرفة أو في الولاية

 

كنا في آية الكرسي أو آيات الكرسي، وهي ثلاث آيات، وما أعظمها من آيات خصّصها الوحي بعِظَمٍ خاص.

الآية الثالثة في آية الكرسي هي قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257]. وهذه الآية مرتبطة بالآية الثانية في آية الكرسي، بل بالآية الأولى كذلك.

الولاية كأساس لكلمة التوحيد

وقد مرّ بنا في الآية الثانية شرحٌ لكلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، التي هي نفيٌ للشرك أو للإلحاد أيّاً كان، وإثباتٌ للتوحيد. وقد فُسِّرت كلمة التوحيد والتهليل في هذه الآية الكريمة بالولاية. وليس المراد خصوص ولاية الإمام صلوات الله عليه، بل المراد أساساً ولاية الله، ثم ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم، ثم ولاية القربى أهل البيت عليهم السلام. فكلمة “لا إله إلا الله”، كلمة التهليل، مأخوذٌ فيها الولاية: ولاية الله، وولاية الرسول، وولاية الأئمة.

وذلك لأنَّ الطاغوت، كما مرّ بنا مراراً في القرآن الكريم، يُستعمل في فراعنة البشر؛ فلا يُستخدم لفظ الطاغوت في الأصنام، بل استُخدم في فراعنة البشر، أي حكام الجور. وكم هو خطبٌ خطير أمر حكام الجور؛ فمن يتولى حاكم جورٍ فيا ويله، ومن يدافع عن حاكم جورٍ فيا ويله. لذلك يقول القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: 256]، أي يكفر بحكام الجور، لا أن يمتدحهم أو يحامي عنهم. ومقتضى ذلك أنَّ هذا التولي لحكام الجور، والركون إليهم، والاعتماد عليهم، والمحاماة عنهم، يعتبره الله عز وجل كفراً به تعالى.

وهذا نصٌّ في القرآن الكريم على أنَّ أكثر الكفر الذي يُتعرَّض له، والشرك الذي يُبتلى به، هو شرك الولاية، وليس شرك المعرفة.[1] .

فشرك المعرفة هو الذي يتعرّض له عقلياً الفلاسفة أو المتكلمون أو العرفاء أو المفسرون، وعادةً يقصدون منه الثنائية في واجب الوجود، [2] . أو أنَّ الذات الأزلية المطلقة هل يمكن أن تتعدد ثنائية أم لا. ولكن بحسب بيانات القرآن، وبما يبيّنه أهل البيت عليهم السلام الذين هم أدرى بما في بيت القرآن، فإنَّ أكثر البشر من المشركين مبتلون بشرك الولاية لا بشرك المعرفة. أي الثنائية في وجود الواجب في نطاق المعرفة، والمراد من الثنائية ما يؤول إلى اثنين أو ما يزيد على الواحد. فالمراد من الشرك في المعرفة هو هذا. وهناك شواهد عديدة جداً في القرآن الكريم على أنَّ الشرك ليس الشرك في المعرفة، فغالباً لا يبتلي البشر بالشرك في المعرفة، بل يبتلون بشرك الولاية.

أما شرك الولاية فلا يقول صاحبه إنَّ واجب الوجود متعدد، بل قد يقرّ بأنه واحد وهو إله الآلهة. والآن لو تتبعت مذاهب المشركين في الهند أو في الصين أو في أماكن أخرى، أو القبائل التي تعيش في مناطق نائية في قارات العالم، لوجدت أنهم يقرّون بإلهٍ أعلى مع طقوس الشرك وعبادة الشياطين.

والشاهد الأبرز هو إبليس، فإنَّ كفره لم يكن كفر معرفة، بل إنما كان شركه وكفره كفر ولاية.

والقاعدة هنا: أنَّ الولاية ليست في مقابل التوحيد، بل الولاية في مقابل المعرفة؛ فثمّة معرفة بالله وبالتوحيد، وثمّة ولاية للتوحيد، وهما جناحان للإيمان بالله. وكذلك في النبوة، هناك معرفة بالنبوة، وولاية للنبي، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. وهذا خطأ ربما شاع قروناً في كلمات الأعلام، حيث جعلوا الولاية في مقابل التوحيد، وهو اشتباه؛ فالولاية ليست في مقابل التوحيد، بل في مقابل المعرفة. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فإذاً، هناك معرفة بالنبوة وولاية للنبي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]. فهذا خطأ شائع في كلمات الأعلام، ربما لألف سنة، أنَّ الولاية مقابل التوحيد، والصواب أنها مقابل المعرفة.

ويتفرع على ذلك: أنَّ إبليس وإن لم يكن لديه كفرٌ في المعرفة أو شركٌ فيها، ولكن كان عنده كفرٌ وشركٌ في الولاية؛ إذ تمرّد على ولاية الله، فلم يطع الله ولم ينقد له، ولا لنبي الله آدم، ولا لخليفة الله وإمام زمانه آدم. فكان عنده شرك وكفر ولاية، وليس كفراً وشركاً في المعرفة، حتى إنَّ معرفته بنبوة النبي آدم كانت ثابتة، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62]، فهو يعترف بالتكريم والاصطفاء، لكنه لا يخضع لولاية نبوة آدم ولا لولاية خلافته. فشرك إبليس وكفره كان في الولاية: ولاية الله، وولاية النبي آدم والنبوات، وولاية إمامة آدم وخلافته.

وفي بيانات أهل البيت عليهم السلام، الذين أوصافهم توقيفية من الوحي، والذين هم صقور العرش أو الأقمار الصناعية العرشية، إن صحّ هذا التعبير العصري لإيصال المعنى، أنَّ القرآن نادراً ما يستعمل الشرك والكفر في شرك المعرفة أو كفر المعرفة، وإنما غالب استعمال القرآن للشرك والكفر، إن لم يكن كلياً، هو في كفر الولاية وشرك الولاية. وهذه ظاهرة قرآنية مهمة في الوحي وفي بيانات أهل البيت عليهم السلام.

**

شواهد قرآنية وعقلية

فما الفرق إذن بين شرك المعرفة وشرك الولاية؟** شرك الولاية قد يكون صاحبه ذا معرفة صحيحة ومستقيمة، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، ومع ذلك يسميهم القرآن مشركين. فهل كان لديهم شركٌ في المعرفة؟ كلا، بل كان شركهم في الولاية. لقد اتخذوا وسائط وشفعاء من عند أنفسهم، أي تقحّموا صلاحيات ليست لهم، بل هي لله وحده. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68]. فليست لكم هذه الصلاحيات، فكيف تتقحّمون صلاحيات الله؟ فالصلاحية هي ولاية. فمشركو العرب، بل كل المشركين، لم يكن شركهم في المعرفة، بل في الولاية.

والعجيب ممن لا يتعمّق عقلياً في هذا المبحث، ويسترسل بشكل سطحي في اللغة، ثم يقول: كيف يدّعي أهل البيت هذا الشيء؟ هذه الروايات زخرف! والحال أنَّ الزخرف في تضلّعه هو، إذ ليس له تضلّع، فمشيُه العلمي زخرفي، بدلاً من أن يحكم على الروايات بأنها زخرف.

والحاصل: أنَّ هناك فرقاً بين الشرك في المعرفة والشرك في الولاية؛ ففي باب المعرفة لا يوجد تردّد أو إبهام أو تلبّس، بل الأمر واضح.

وكمثال على ذلك: تأمل في حال الفيلسوف الملحد الذي يقول: “أنا أنكر وجود الله”. فنسأله: هل هذا المعتقد واقعي أم لا؟ فإن قال: “واقعي”، قلنا له: أنت قد أقررت بالواقعية، وهذه الواقعية إما مؤقتة أو مطلقة. فإن كانت مطلقة، فقد فررت من الله إلى الله، فلا يمكن الفرار من حكومته. وهذا كما في بيان النبي إبراهيم (عليه السلام): ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. فهو قد توجّه إلى المهيمن على كل شيء: رب الرياح، ورب الماء، ورب النار، ورب الأرباب، والقوة الملكوتية المهيمنة على كل شيء. فلاحظ كيف ذهب النبي إبراهيم إلى المهيمن على ذلك كله.

ومقتضى ما سبق: أنه في جانب المعرفة، لا يوجد بالدقة من ينكر وجود الله إلا السفسطائيون[3] . اللجوجون، وإلا فلا يوجد تردّد في الفلسفة أو علم الكلام أو العرفان في أنَّ “اللامتناهي” غير قابل للتثنية. فالواقعية المطلقة واحدة، وهي التي تقيس صدق الأشياء وكذبها. لذلك، فإنَّ الشرك والإلحاد في جانب المعرفة لا يُتصوّر إلا نادراً وعلى نحو اللجاج، وإلا فهو ميت. قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]. ولذلك، فإنَّ أغلب المشركين، سواء كانوا من العرب أو غيرهم، مشكلتهم ليست في المعرفة، بل في الولاية، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23].

فالنتيجة: أنَّ المشكلة العمدة هي في باب الولايات. وهذا برهان عقلي واضح وشواهد عظيمة في القرآن على حقيقة ما يدّعيه أهل البيت عليهم السلام، وهي دعوة حق، أنَّ جلّ ما استُعمل من كلمة الشرك والكفر في القرآن، إن لم يكن كله، هو كفر الولاية. والعمود الفقري لكفر الولاية هو الطاغوت، أي حكام الجور وأئمة الجور. والكفر بالطاغوت مقابل للإيمان بالله، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]. وهنا لا يُقابل الله بخلقه، فكيف يُقابل الباري تعالى بالطاغوت وهو مخلوق من المخلوقات؟

ومن ثمّ هناك دعوة وحيانية أخرى يبيّنها أهل البيت عليهم السلام، وهي أنَّ كلمة “الله” الواردة في كثير من الآيات التي فيها سياق مقابلة، قد يكون المراد بها ولي الله أو رسول الله. نعم، كثير من الآيات التي ورد فيها لفظ الجلالة، ليس المراد بها الذات الإلهية بالدقة، بل المراد منها ولي الله.

فالمراد منها ليس الذات الإلهية، بل ما يقابل المخلوق وهو الطاغوت، أي المخلوق الخيّر في مقابل المخلوق الشرّير، فالمقابلة تقع بين مخلوق ومخلوق. وأما الخالق جل وعلا، فمن ذا الذي يقابله وهو مخلوق؟

وقد ورد نظير هذا المعنى في الرواية عن الرجل الذي قال بحضرة الإمام الصادق (عليه السلام): الله أكبر، فقال (عليه السلام): «اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْ‌ءٍ؟»، قَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «حَدَّدْتَهُ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ»[4] . فجعل الإمام (عليه السلام) وصفه تعالى بأنه أكبر من كل شيء تحديداً له، وهو وصف للمخلوق لا للخالق.

والبرهان العقلي على ذلك، وإن كان لطيفاً، هو أنك إذا قصدت من “أكبر” معنى المقايسة مع المخلوق، فقد جعلته طرفاً في المقارنة، فيصير مخلوقاً مثلها، ولا يكون خالقاً.

وعليه، إذا قوبل الطاغوت مع لفظ الجلالة، فهل يعقل أن تكون الذات الإلهية طرفاً في هذه المقابلة؟ وقد تقرّر أن ذات واجب الوجود لا يقابلها شيء، فكيف تقابل بمخلوق؟ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم - 10].

فالنتيجة: أن المراد بلفظ الجلالة في سياق المقابلة مع الطاغوت ليس الذات المقدسة، بل لا بد من تقدير مضاف محذوف، فيكون المعنى: ولي الله، أو رسول الله، أو عبد الله المكرّم. وهذه حقيقة مستفادة من بيانات أهل البيت عليهم السلام، وهي أن الله لا يقابل بشيء، فإذا ورد في سياق ما يقابله، فالمراد هو مظهر أمره ومجلى صفاته.

ومثال ذلك: إذا قيل “سبيل الله” في مقابل “سبيل الطاغوت”، فإن سبيل الله هنا هو سبيل الإمام الذي نصبه الله صراطاً هادياً إليه وإلى جنته. وهذه نكتة كلامية وعقائدية بالغة الأهمية، لأن الله جل وعلا لا يقابل بشيء، والمقابلة تستلزم التحديد، والتحديد يقتضي المباينة بالحدود، والله منزّه عن أن يحدّ بحد.

وهذه قاعدة عقلية عميقة، ربما لا يدرك كنهها إلا الأوحدي من الفلاسفة والمتكلمين والعرفاء، وهي القاعدة التي أشار إليها أمير المؤمنين والإمام الصادق عليهما السلام، وفيها من الأسرار ما فيها.

وعلى هذا الأساس، فإن قول المصلّي: “الله أكبر” ليس مجرد لقلقة لسان، بل هو مفهوم عقائدي عميق.

فالصلاة برمتها منظومة من المفاهيم العقائدية، من تكبيرة الإحرام إلى التسليم. فلا بد أن يجول الفكر في معاني أذكار الصلاة وكلماتها، كي ينجذب القلب إلى الباري تعالى، ويُفتح له باب لذيذ مناجاته. وأما إذا كانت المفاهيم غير واضحة، فما جدوى هذه الحركات والألفاظ؟

والحاصل: أن الصلاة برمتها كتلة عقائدية، وليست مجرد عمل من أعمال الفروع. وقد ورد في المعنى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما مؤداه أن من لم يعرف تأويل الصلاة، فإن صلاته لا حقيقة لها، بل هي مجرد حركات بدنية خالية من الروح. فالصلاة مزيج متكامل من الفكر والقلب والبدن والروح والنفس، وهي منظومة متكاملة. وقد ورد في روايات عديدة عن أمير المؤمنين وغيره من الأئمة عليهم السلام أن لكل حركة من حركات الصلاة البدنية معنى تأويلياً؛ فالانحناء في الركوع له مفهوم عقائدي لا بد من معرفته.

فأفعال الصلاة وحركاتها وأذكارها كلها عقائد، فما هو الشيء في الصلاة الذي يخرج عن كونه عقيدة؟ وقد ورد في الحديث: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَنَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَتَنَكَّبِ الْفِتَنَ»[5] . ويروى في معناه أيضاً أن من لم يعرف حقيقة الصلاة فقد أنكر حق أهل البيت عليهم السلام، فإن لهم في الصلاة حقيقة. فكما أن ثواب زيارة الإمام مشروط بمعرفة حقه، كذلك قبول الصلاة مشروط بمعرفة حقيقتها. وقد ورد في بعض الآثار تعبير لطيف يشير إلى ضرورة معانقة الصلاة، وكأنها كائن حيّ له روح وملكوت.

فالصلاة إذن، في جوهرها، كتلة عقائدية ملكوتية. وقد سماها المعصوم (عليه السلام) معراجاً، فقال: «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»[6] . فإذا عرف الإنسان حقيقتها، عرجت به إلى الملكوت. وقد أفاض بعض الأعلام في هذا المبحث، فربطوا بين حقيقة الصلاة والمعراج، وبيّنوا أن كبار العارفين إنما وصلوا إلى مقاماتهم عبر بوابة الصلاة.[7]

والخلاصة: أننا انطلقنا من تحليل معنى “الله أكبر” في الصلاة، وبيّنا أن تفسيرها بـ”أكبر من كل شيء” هو وصف للمخلوق، لأنه يقتضي المقايسة. أما الوصف الإلهي الحق، كما ورد عن الأئمة عليهم السلام، فهو أن الله “أكبر من أن يوصف”. وهذا الفهم الشائع لمعنى “أكبر من كل شيء” قد يُعدّ مدخلاً خفياً للوقوع في التحديد والتشبيه. ومن هنا نعود إلى التفريق بين شرك المعرفة وشرك الولاية، لنؤكد أن الشرك في المعرفة بالمعنى الدقيق يكاد يكون غير متصوّر، فالتوحيد المعرفي مركوز في الفطرة، ومعنى “الله أكبر” هو “أكبر من أن يوصف”، لا “أكبر من كل شيء”.

وعليه، إذا قوبل اسم الجلالة بالطاغوت، فلا يمكن أن تكون المقابلة مع الذات الإلهية التي لا يقابلها شيء، بل لا بد من تقدير مضاف محذوف، فيكون المراد هو ولي الله أو رسوله أو عبده المكرّم. فتكون المقابلة بين أئمة الحق وأئمة الجور، وبين أئمة العدل وأئمة الظلم. وحينئذٍ يتضح معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة - 256]، أي: من يكفر بأئمة الجور ويؤمن بأولياء الله وخلفائه، فهذا هو الذي تكتمل به كلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، وهو المستمسك بالعروة الوثقى.

وهذا برهان قرآني على حقيقة دعوة الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث سلسلة الذهب: «كَلِمَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي»، ثم قال: «بِشُرُوطِهَا وَأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا»[8] . فشرط التوحيد هو الولاية، لأن المقابلة لا تصح بين الخالق والمخلوق، بل بين مخلوق ومخلوق، فلا معنى لها إلا بذلك. وبهذا تتضح عدة حقائق قرآنية يكشف عنها أهل البيت عليهم السلام، وهي ليست مجرد دعاوى، بل هي لباب المعرفة المستقى من معين الوحي.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] يُعد التفريق بين “شرك المعرفة” و”شرك الولاية” من المباحث الدقيقة في علم الكلام والتفسير الروائي، حيث يُنظر إلى الأول كإنكار لوجود الخالق أو إثبات شريك له في الذات، وهو قليل الوقوع، بينما يُنظر إلى الثاني كإشراك في الطاعة والاتباع والتشريع، وهو ما تبتلى به أكثر الأمم. يُراجع تفصيل ذلك في المباحث المتعلقة بتفسير آيات الولاية والتوحيد الأفعالي.
[2] واجب الوجود: مصطلح فلسفي وكلامي يُطلق على الموجود الذي يكون وجوده من ذاته، لا من علة خارجة عنه، وهو الله تعالى في الفكر الإسلامي.
[3] السفسطائيون: هم فلاسفة يونانيون اشتهروا بالتشكيك في إمكانية الوصول إلى الحقيقة الموضوعية، والتركيز على الجدل والإقناع بغض النظر عن صحة الحجة.
[4] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص117، باب “معاني الأسماء واشتقاقها”، ح9
[5] الصفار، محمد بن الحسن. بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم.. تصحيح وتعليق الحاج ميرزا محسن كوجه باغي، منشورات الأعلمي، 1404 هـ، ص21، ج1، باب6، ح1
[6] لم يُعثر عليه بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، وهو من الأحاديث المشهورة على الألسن. وقد وردت روايات قريبة في المعنى، منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ». يُراجع: الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج3، ص265، باب “فضل الصلاة”، ح6
[7] يشير المحاضر إلى أستاذه السيد هاشم العاملي، وهو من العلماء الذين اهتموا بالجانب العرفاني للصلاة.
[8] الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام).. تصحيح وتعليق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ، ج2، ص135، باب37، ح4
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo