47/08/01
الرشاد في ولاية النبي والآل صلى الله عليه وآله والغواية في عداوتهم
الموضوع: الرشاد في ولاية النبي والآل صلى الله عليه وآله والغواية في عداوتهم
تكاثر المعاصي يسلب نور الهداية
بقيت بعض الآيات المرتبطة بالغواية، كقوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، ومثل قوله تعالى: «وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».
ليس معنى الآية أن الله يجبر العباد فيضلهم ويغويهم، بل هذا إسناد لمعنى آخر؛ وهو أنه حينما يُسلب الإنسان من الله عز وجل نور الهداية فإنه يضل، مصداقاً لقوله: «وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ». فقوله "يضلل الله" لا يعني أن الله يضله ابتداءً، بل إن الله يسحب نور الإبصار الفكري أو العقلي. ومتى يسلبه؟ يسلبه بسبب معاصٍ تكاثرت، كما قال تعالى: «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ».
إذن الغواية والإضلال يسندان إلى الله بهذا المعنى، وإلا فإن الإضلال بمعنى الإغواء هو من إبليس، فيجب أن يكون الإنسان يقظاً في فهم إسناد الأفعال وبأي معنى جاءت.
أشد إمتحانات الوحي في البصيرة
نظير ما تقدم قول النبي موسى (على نبينا وآله وعليه السلام) في قضية فتنة العجل: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي...»، فالافتتان هنا يعني امتحان الله عز وجل، وليس بمعنى الإضلال.
ومر بنا مراراً بحسب الوحي في القرآن والعترة أن من أشد امتحانات الوحي الامتحانات في البصيرة، وفي العقل والقلب؛ فالطبقات العليا في الإنسان امتحانها أشد وأصعب من الطبقات النازلة.
شواهد على إرادة الحجج الناطقة من لفظ الآيات
أيضاً قوله تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا...».
نفهم من الآية أن الاهتداء بآيات الله لابد أن يكون فيه تواضع وخضوع، كما في قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...»؛ أي تواضعوا لآدم واخضعوا له، ولا تتكبروا عليه. إلا إبليس «أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ»؛ أي تعنت وعاند.
فالتطاول والتكبر يكون على حجج الله المصطفين من الأنبياء والرسل والأئمة، وهم الحجج الناطقة.
شفاعة ووساطة النبي والآل (ص) في الآيات
وفي سورة المنافقين: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ...»؛ أي يشفع لكم، فرسول الله وسيط وشفيع. الآية تقول «تَعَالَوْا» إلى الشفيع، ونظيرها: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ...»، لكنهم لم يأتوك، بل أعرضوا وتكبروا وكانوا جحيميين. فقوله "جاؤوك" يطابق قوله "تعالوا" إلى رسول الله.
أما من يقول: "ما حاجتي برسول الله؟ أنا أريد (انترنت) مباشراً مع الله!"، فيقال له: ويحك! أين أنت و"الانترنت المباشر"؟ هل أنت ممن يفد على الله مباشرة؟ كن مع الوسيط والوسيلة، الوجيه والعزيز عند الله. إذا كان الإنسان "مصخّماً" (أي مليئاً بالذنوب والقذارات)، فهل يريد أن يفد بقذاراته على الله عز وجل؟! لابد أن توسّط بينك وبينه واحداً طاهراً نقياً موجهاً، كما في الآية: «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً».
إذن، وظيفة العباد هي التوسل برسول الله «تَعَالَوْا»، ووظيفة الرسول (صلى الله عليه وآله) هي الاستغفار والتشفع «يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ». ومن يعرض عن الشفاعة والتوسل فهو منافق شاء أم أبى، كما تصفهم الآية: «لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ».
ونظير هذا المعنى، ما روي عن ذاك التلميذ للإمام الباقر (عليه السلام) الملقب بـ "البر التقي"، حيث قال: "التركيز على شفاعة رسول الله، ما هذا؟ هذا خداع عن العمل الصالح". فغضب عليه الإمام الباقر وقال له: "ويحك يا أبا أيمن! أغرك برك وصلاحك؟ أغرك أن عف بطنك وفرجك؟ والله إن في القيامة لأهوالاً -أو أفزاعاً- يحتاج فيها الأنبياء لشفاعة سيد الأنبياء".
فمهما كان الأنبياء مخلصين وعباداً ومتقين، فإنهم لا ينجون بتقواهم وعبادتهم عن محاسبة الله، بل لا ينجون إلا بشفاعة سيد الرسل؛ لأن في القيامة أهوالاً -كما في مضمون روايات عديدة- لا ينجو فيها الأنبياء إلا بشفاعة سيد الرسل. وأنت تريد بعبادتك الشكلية وبرّك هذا أن تنجو؟!
أمير المؤمنين (سلام الله عليه) -وهو من هو، الذي هو بعد النبي أرفع أهل البيت، وهم أرفع اصطفاءً بنص القرآن من إبراهيم وموسى وعيسى- يقول للنبي: "يا رسول الله، لم يصبنا خير قط إلا بك".
فهل يبالغ أمير المؤمنين؟ حاشاه. بل ورد في إحدى الزيارات أن الأئمة لا يصلون إلى مقام رسول الله في الآخرة إلا بشفاعة النبي. هذا سيد أهل البيت هكذا، فماذا نقول نحن؟ وماذا يقول غيرنا؟ وماذا يقول الأنبياء؟ إنهم محتاجون لشفاعته، ومن دونه لا ينجون أبداً.
التكذيب والتكبر على آيات الله الحجج الناطقة
نعود للآية: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ»؛ أي أمالوها كما يلوي الجمل أو الزرافة عنقه إعراضاً. «وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ» أي يعرضون ويصدون، «وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ». فالخضوع إذا ورد في القرآن لآيات الله، فالمقصود بها الحجج.
وبالمقارنة بين سورة المنافقين وسورة الأعراف الآية 40: «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا»، نلاحظ أن القرآن قال "استكبروا عنها" ولم يقل "عليها". لماذا؟ هذا ما يعبر عنه في علم النحو بـ "التضمين"؛ أي أن هناك فعلاً مقدراً، فالمعنى: "استكبروا عليها وصدوا عنها". فالقرينة على الفعل المقدر (صدوا) هي كلمة (عنها)، ولأن الجار والمجرور (عنها) لا يناسب (كذبوا) ولا (استكبروا) اللذين يتعديان بـ (على) أو الباء، حُذف الجار والمجرور المناسب لهما وأُتي بما يناسب الفعل الآخر المضمن (الصد).
إذن هلاك الإنسان، بحسب آية الأعراف، يكمن في ثلاثة أمور:
1. التكذيب بآيات الله (الحجج الناطقة)، فالآيات عندها ادعاء إما أن تصدق أو تكذب.
2. الاستكبار؛ وهذا مرض آخر.
3. الصد والإدبار والجفاء والقطيعة.
فقد يصدق الإنسان ولا يكذب، وقد يتواضع ولا يستكبر، لكنه يجفو ويقطع ويدبر عن الحجج الناطقة، أو عن مراقدهم وعلومهم، ويعتكف على علوم البشر معتبراً إياها أعظم من كلمات أهل البيت.
الطباطبائي وأهمية الغوص في علوم الوحي
جيد أن يطلع الإنسان على علوم البشر، لكن لا أن يعتكف كل عمره عليها ويهجر الوحي. وقد نُقل عن العلامة الطباطبائي (رحمه الله) -نقله أحد المراجع عن نفس العلامة بحضور السيد الگلپايگاني- أن والدته أتته في المنام وعاتبته قائلة: "كم أنت عاكف على الفلسفة والعرفان البشري ولم تغص بعدُ في الوحي؟".
هذا عتاب لمرجع كبير وتلميذ للعلامة الطباطبائي، فكيف بغيره؟ لا أقول أن يذهب الإنسان لعلوم الوحي "حافي القدمين" بلا أدوات، بل لابد أن يتدرب في العلوم والمناكفات البشرية كي يستعد للغوص في الوحي، ولكن لابد أن يغوص في الوحي.
وبالعودة إلى موضوع الصد والاستكبار، فهذه أمراض، فبعضهم يصد ثم يستكبر، وبعضهم يستكبر ثم يصد، كلاهما قطيعة، مقابل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ».
الصلاة تجديد عهد بالله والنبي والآل (ص)
الصلة هي الإقبال، والمودة صلة. وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ» هي صلة.
إنما شُرعت الصلاة وسميت صلاة لأنها صلة بين العبد وربه، وبين العبد ونبي ربه. فشرف الصلاة وروحها ليس بذكر الله وحده دون نبيه، بل هي صلة وتجديد عهد بالله وبالنبي وبأهل البيت.
السيد المرتضى وذكر الآل واجب في تشهد الصلاة عند المسلمين
يقول السيد المرتضى (رحمه الله) في رسائله: "أجمعت الأمة -كل المسلمين وليس الشيعة فقط- بالضرورة على أن ذكر الآل في الصلاة (ولو بالصلاة عليهم) مطلوب"، وغالبيتهم يرونه واجباً والقليل يرونه مستحباً. المهم أن الله أمر وطلب من كل المسلمين أن يذكروا الآل في الصلاة، وتحديداً في "حاق" العبادة وفي "بطن" التشهد وقلبه.
ويشير السيد المرتضى إلى أن المسلم ملزم بذكر الآل تسع مرات يومياً في الصلوات (باعتبار التشهدات: مرة في الصبح، وثماني مرات في الظهرين والمغرب والعشاء).
فتوى السيد المرتضى في وجوب الشهادة الثالثة
يقول السيد المرتضى: أمر الله في حاق العبادة بذكر الآل، وهذا يعني أن الصلاة أنشئت لإحياء ذكر الله، وذكر النبي، وذكر الآل. وهذا الذكر لنتعرف ونؤمن ونعظم الله، ثم نعظم النبي بتعظيم رسالته، ثم نعظم الأئمة بتعظيم ولايتهم.
وبهذا يستدل السيد المرتضى على أن الشهادة الثالثة واجبة في التشهد، وله في ذلك فتاوى متعددة في رسائله (فتوى ثالثة ورابعة وخامسة)، وكذلك ذكرها في فتوى لمسائل "الميافارقيات".
بل حينما استفتوا السيد المرتضى: هل نعمل بـ "كتاب الشلمغاني"؟ قال: نعم اعملوا به. والشلمغاني (في القرن الثالث والرابع) كان كتابه معمولاً به عند الشيعة وفيه الشهادة الثالثة في التشهد.
وكذلك استفتي السيد المرتضى: هل نعمل بـ "كتاب الشرايع" لعلي بن بابويه (في القرن الخامس)؟ قال: نعم يجوز العمل به. وكتاب علي بن بابويه موجود فيه فتوى الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة.
فالعلماء أحياء بعلمهم وأدلتهم، وليسوا أمواتاً. والمسألة مسألة أدلة وليست تقليداً أعمى.
الحلي والنراقي ووجوب الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة
كذلك حينما استفتوا السيد المرتضى: هل نعمل بـ "كتاب الحلبي"؟ قال اعملوا به. وكتاب الحلبي موجود وفيه ذكر الأئمة في الصلاة استناداً لـ "صحيحتين للحلبي" وفيهما أمر (سَمِّهِم)، وهذا الأمر استفاد منه العلامة الحلي في كتابه "المنتهى" واعتبره "كبرى" في التشهد أن ذكر الآل واجب (سواء بصيغة الصلاة أو بصيغة أشهد).
وكذلك النراقي في كتابه "المستند" (في باب التشهد) يعتمد هذا، ويعتبر أن ذكر الآل في تشهد الصلاة واجب، حيث يجتزئ بالصلاة على النبي والآل، ويستطيع أن يأتي أيضاً بالشهادة الثالثة.
سلار الديلمي والشهادة الثالثة في تشهد الصلاة
اللطيف أن تلميذ السيد المرتضى، سلار الديلمي، أفتى في كتابه "المراسم" بالشهادة الثالثة، نفس فتوى الشلمغاني ونفس فتوى علي بن بابويه. وسلار الديلمي من الأعلام الكبار (توفي في النصف الثاني من القرن الخامس بعد الشيخ الطوسي)، وهو ممن شارك في تغسيل وتجهيز السيد المرتضى مع صهره السيد الجعفري والنجاشي.
سيرة علماء الامامية في وجوب الشهادة الثالثة
فلاحظ إذاً أن سيرة علماء الإمامية في القرن الثالث والرابع والخامس كانت على وجوب الشهادة الثالثة في التشهد.
الرشاد في الخضوع والانقياد للنبي والآل (ص) والغواية في عداوتهم
نعود إلى الأصل القرآني التشريعي: «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا...»، فالتصديق لا يكفي، بل لابد من الخضوع والإقبال على أهل البيت.
وفي سبع سور من القرآن كرر الله الأمر: «اسْجُدُوا لِآدَمَ». والسجود هنا ليس عبادة وتأليهاً لغير الله -لأن عبادة غير الله حرام مطلقاً في كل زمن- بل هو منتهى الطاعة والانقياد لآدم بما هو وسيط، كسجودنا للكعبة، فنحن لا نؤله الكعبة وهي أحجار، فكيف برسول الله وكيف بالإمام؟
نلتفت هنا لمطلب دقيق: لماذا في تكرار القصة، عبر الله تارة بـ «اسْجُدُوا»، وتارة بـ «فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»؟
ما الفرق بين "اسجدوا" وبين "قعوا له ساجدين" في النحو والبلاغة؟
"فقعوا" تدل على أن الأمر فوري لا يحتمل التلكؤ، ولا التمجمج، وبلا هوادة؛ أي "اخضعوا برمتكم".
وقد تكرر هذا الجرس الإنذاري في سبع سور لبيان كيفية التعامل مع الحجج الناطقة، وأن الإدبار عنهم غواية، والإقبال عليهم رشاد، مصداقاً لقوله تعالى في آية أخرى: «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ... أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ».
فالرشد في الإقبال على رسول الله والخضوع له. وكما قال الإمام الرضا (عليه السلام): "من أقبل علينا أقبلنا عليه، ومن أدبر عنا أدبرنا عنه".
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين