« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/07/29

بسم الله الرحمن الرحيم

التبين بين الرشد والغواية في الآيات

 

الموضوع: التبين بين الرشد والغواية في الآيات

كان الكلام في قوله تعالى في آية الكرسي: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، حيث جعلت الآية مباينة بين الرشد والغواية. وقد أُخذت آيات الغواية كتعليل، فمعرفتها والتمييز بينها وبين الرشد هو تعليل لقوله: «قَد تَّبَيَّنَ».

ومن المناسب استعراض آيات الغواية، كقوله تعالى حكاية عن إبليس: «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ» [الأعراف: 16]. وهذا -سبحان الله- تطاول من إبليس على الله عز وجل، حيث يُسند الغواية إليه سبحانه، والحال أن الغواية هي فعله هو (إبليس)، كما في قوله تعالى: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» [ص: 82]، وقوله: «فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ» [الصافات: 32]. فالفعل فعل الإنسان نفسه.

وحتى لغةً، إذا لاحظنا معنى الغواية نجدها تأتي عن عمد وعناد، وليس عن جهل وغفلة. وقد استُعملت في حق شأن آدم (على نبينا وآله وعليه السلام) عندما ذاقا طعم الشجرة: «فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» [طه: 121]. المقصود بـ "غوى" هنا ترك الأولى، وليس معصية؛ سُمي غواية لأنه عن علم وليس عن غفلة، ولكن بلحاظ تفويت الأكمل. وهذا يدل -سبحان الله- على أن الغواية تُستعمل أيضاً في ترك الأولى، وهذه درجة من درجات الغواية.

فترك الأولى يعني اختيار ما هو ليس بأكمل، من دون أن يكون ارتكاب معصية فيها حرمة ومفسدة. شبيه بالتلميذ في الصف الذي يُتوقع منه درجة كاملة (100%)، فإذا أتى بـ 18 أو 19، فإنه يُحاسب عليها. هي (18) ليست سيئة في نفسها (معدل 90% أو 95%)، لكن بالقياس إليه وإلى التوقع منه تعتبر نقصاً. من هذا اللحاظ قد يعاقب الله عز وجل الأنبياء، عقوبةً على ترك الأولى للترقي، لا على معصية، كما حصل ليونس بن متى وغيره.

درجات الغواية في الآيات المبينة وغير المبينة

في مورد آخر، قال تعالى في شأن النبي موسى (على نبينا وآله وعليه السلام): «فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ» [القصص: 18].

مر بنا أن الغواية فيها ما هو خفي وهذه أخطر، وفيها غواية مبينة، وهناك غواية وسط لا هي مبينة بينة ولا هي خفية. فالغواية درجات، وتُطلق حتى على ترك الأولى كما مر.

أما ما ورد من إسناد الإضلال والغواية إلى الله تعالى في قوله: «أَضَلَّهُمُ اللَّهُ»، أو الغواية في بعض السياقات، فليس معناه أن الله يفعل القبيح أو يزيف لهم الأشياء ويحتال عليهم -حاشا لله-، بل معنى إضلال الله عز وجل هو عدم هدايته، أي أنه يسلب التوفيق. والإسناد بهذا اللحاظ -حتى لو كان بلفظ "يغويكم"- ليس بمعنى أن الله يلبّس عليهم ويدفعهم نحو المعصية، بل بمعنى أنه يسلب عنهم الهداية والنور فيغوون.

الإرادة ونظام الأسباب والعناوين المنسوبة لله في الهداية

جاء في قوله تعالى على لسان نوح (عليه السلام): «وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [هود: 34].

قوله «يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ» أو "يريد الله أن يضلكم"، الإرادة هنا ليست بمعنى تسبيب الشر من الله -حاشا لله-، فالقاعدة القرآنية تقول: «مَّا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ» [النساء: 79]. وقد ذكر البعض أن المعنى: إن كان الله يريد أن يغويكم (بسبب سوء اختياركم)، فالإغواء نتيجة لمن لا يريد الهداية.

وليكن؛ حتى في العصاة، فإن إضلال الله أو غوايته لهم ليست عنواناً من عناوين الشر بمعنى صدور الشر منه تعالى، فهذا محال. وإنما المعنى هو سلب الهداية والنور. لماذا سلب عنهم؟ لأنهم أتوا بالمعاصي، فهم في الحقيقة حجزوا أنفسهم عن فيض الله، فحتى هذا المقدار من السلب بالدقة يرجع إليهم (إلى تسببهم).

تقدير الشر في العناوين وسلب الخير المنسوب لله

إن الله لا يريد ظلماً للعباد، ولكن تقدير الشر والخير هو من الله. وهنا يجب التمييز: تقديره شيء، وتسبيبه شيء آخر.

يقول تعالى: «وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا» [النساء: 78].

ثم تأتي الآية الفاصلة بعدها مباشرة: «مَّا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ» [النساء: 79].

هنا التقابل بين الضلال والغواية في قوله تعالى: «مَا أَضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ» [النجم: 2]؛ فالغواية عن علم وعمد، والضلال أعم.

وقد يُضل الله بالقرآن، كما في قوله: «وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ» [البقرة: 26]، وقوله: «وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ» [البقرة: 15]، والإمداد في الطغيان والعمى هو نوع من الإضلال والغواية، وكذلك: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ» [التوبة: 125].

كل هذا يعني عدم إفاضة النور لهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ومن هنا ندعو: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين". فحتى هذا الحرمان من الفيض الكمالي -الذي بسببه يقعون في النقائص- ليس تسبيبه من الله، بل بسببهم هم، وإن كان تقديره من الله.

[14:00] الفرق بين التسبيب والتقدير للشر

هذا بحث مهم في عالم المعرفة: الفرق بين التسبيب والتقدير.

الآية الكريمة تقول: «قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ»، «عند الله» يعني أن هذا من جهة تقدير الله وقضاءه؛ فالشر والخير تقديره وتدبيره وقضاؤه من عند الله.

أما الآية التي تليها: «مَّا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ»، فهنا يتحدث عن التسبيب.

     "من عند الله" = تقدير وتدبير وقضاء.

     "من الله" (في الحسنة) = تسبيب الخير.

     "من نفسك" (في السيئة) = تسبيب الشر.

فكثير من العقول لا تميز وتفكك بين التقدير (القضاء) وبين التسبيب الخارجي، وهما شيئان.

وهذه من القواعد العظيمة التي وردت في الروايات، ودونها الصدوق في كتاب "الاعتقادات". (وكتاب الاعتقادات للصدوق عدا بحث السهو وبحث الطب، المتون التي أوردها فيه هي معادلات مهمة مستفيضة ومتواترة عن أهل البيت عليهم السلام، مثل قاعدة "خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام").

المهم، نرجع إلى الآية: الإغواء أو الإضلال أو ما شابه ذلك من عناوين سلبية، تسبيبها ليس من الله، بل هي بمعنى سلب الكمال فيقعون في النقائص، وسبب هذا السلب هو العبد نفسه، وإن كان التقدير من الله. وهذا لا يعني أن المخلوق مستقل عن الله، بل يبقى تحت قدرته.

علو أدب أهل البيت (ع) لدى الساحة الإلهية

في قوله تعالى حكاية عن الخطاب الإلهي لإبليس: «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ» [الحجر: 42].

هذا التعبير واستثناء الغاوين، يعبر عنه بـ "الأدب مع الله"، أي عدم الإزراء بالساحة الإلهية، وعدم إسناد ما لا يليق إليه.

ولعظم معرفة أهل البيت (عليهم السلام) بالله، لا يستطيع أحد أن يتأدب مع الله أدباً إلهياً كأدبهم، فهم كما ورد: "لا يسبقكم ثناء الملائكة" في معرفتهم وتأدبهم مع الله ومراعاة حقوقه.

[20:00] درجات الغواية ودرجات العناد في الآيات

قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ» [الأعراف: 201-202]. فالقرآن يثبت مس الجن والشياطين.

وفي آية أخرى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا» [الأعراف: 146].

ما معنى «لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا»؟ لو كانت آية في الآفاق (كونية محضة) لآمن بها الإنسان، فعدم الإيمان هنا يعني الإعراض والجحود. الإيمان بالآية يقتضي أن لها ادعاءً ومنصباً إلهياً في الدين، فتُصدّق بها أو لا تُصدّق.

[23:40] الطاعة لله نجاة من السحر والشياطين والعين

بمناسبة الحديث عن مس الشيطان، يقول تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» [الأنعام: 7].

وهنا نكتة لطيفة في علاج السحر والعين ومس الشياطين والجن (الموجودات غير المرئية)؛ إنما تضر هذه الأمور بالإنسان إذا استسلم لها. أما إذا قاوم بإرادة وصلابة، فهذا دواء لكل هذه الأمراض الروحية.

وساوس الشر تأتي في الإنسان من الشيطان، فإذا صدقها الإنسان وتابعها واطمأن إليها، حينئذ يكون للشيطان عليه سلطان. أما مع عدم الاتباع، فلا سلطان له، مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ».

[27:00] جل الكفر والشرك مرتبط بجحود الآيات الناطقة (الحجج)

لاحظ التعبيرات القرآنية: "جحدوا بآياتنا"، "لا يؤمنوا بآياتنا"، "كذبوا بآياتنا".

هذه كلها تشير إلى الحجج الناطقة (الأنبياء والأوصياء). وإلا ما معنى التكذيب بالآية؟ الآية لها "ادعاء" وأنت تكذب بها، فهي ناطقة وليست صامتة.

قال تعالى: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا» [النمل: 14].

وقال: «أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ» [النمل: 82].

فالتصديق إنما يكون لمن يدعي شيئاً؛ فالآية تدعي وتنطق، وأنت تكذب أو تجحد. ولذلك نجد في القرآن الكريم أن جل الكفر والشرك مرتبط بالجحود والتمرد والتطاول والتكذيب على هذه الآيات (الحجج).

وفي سورة الرعد أو النمل: «سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا». ماذا تعني "فتعرفونها"؟ يعني أنك كنت على سابق معرفة بها. وأي آيات تكون في سابق معرفة بها؟ هي الحجج الناطقة التي كُذّب بها.

[32:00] الآيات الناطقة (عيسى ومريم ع) هي الحجج الناطقة

من الشواهد الصريحة على أن الأنبياء والأولياء هم الآيات، قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً» [المؤمنون: 50] (وفي سورة أخرى جعل النبي عيسى آية).

فالتكذيب والتصديق والإيمان والجحود منصبٌّ على هذه الآيات الناطقة.

وكذلك قوله: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ» [فصلت: 29].

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo