47/07/23
الموضوع: الرشد والتبين والغواية والهداية والضلال
الغواية قبال الرشد
من الآيات التي تسهم في توضيح الرشد، معرفة ما هو ضد الرشد؛ فضد الرشد هو الغواية أو الضلال. وقد أشير إلى ذلك في قوله: «في خلاف النفس رشدها»؛ فالمهم أن الغواية تقع في قبال الرشد مهما يكن، كما أن الضلال طبعاً في خلاف مع الرشد.
ومن اللطيف الالتفات إلى أنه قد يكون هناك رشد لكنه غير متبين، فآيات الغواية أو آيات الضلال فيها إسهام في توضيح معنى قوله تعالى: ﴿((قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)).﴾[1] ومن الشواهد على هذا التقابل قوله تعالى: ﴿((وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا)).﴾[2]
هنا نلحظ التقابل بين الضلال والرشد، وليس هذا فقط، بل نلاحظ أن الضلال يقابله أهل الولاية والرشد. فالضلال والغواية كل منهما يقابل الرشد. والرشد درجات كما مر في قوله تعالى: ﴿((لَأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا))،﴾[3] فكما أن الرشد درجات، فإن تبيّن الرشد أيضاً درجات.
تبيان البينة على الغيب وأمير المؤمنين (ع) صنو النبي (ص) في الإظهار على الغيب
في شأن سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ورد قوله تعالى: ﴿((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ))﴾[4] . إن قوله ﴿((بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ))﴾ يدل على معنى خاص، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان على بينة من ربه وبينها النبي لي»[5] .
وهذا التعبير ﴿((عَلَى بَيِّنَةٍ))﴾ هو بيان وتوضيح يختلف عن لو قيل: "أفمن كان على قرب من ربه" أو "مكانة"؛ فقد يكون الشخص قريباً من ربه لكن لا يستبين هذا الشيء، بخلاف التعبير القرآني الدقيق: ﴿((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ)).﴾
وقوله تعالى: ﴿((وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ))﴾ يدل على أن هناك في الأمة شخصاً ورجلاً هو صنو النبي في الغيب، لا في البدن فقط. هذه الآيات الثنائية تدل على أنه مع النبي في شخص رجل ثنائي معه.
الآيات ثلاثية الأصول وثنائية النبي (ص) والوصي (ع)
كما أن لدينا في موارد عديدة آيات "ثلاثية الأصول" في أصول الدين، مثل:
• قوله تعالى: ﴿((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)).﴾[6]
• وقوله تعالى: ﴿((وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)).﴾[7]
• وقوله تعالى: ﴿((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)).﴾[8]
• وقوله تعالى: ﴿((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا))،﴾[9] حيث جمعت الآية بين الله ورسوله والنور.
فكذلك توجد في أصول الدين آيات ثنائية، مثل:
• قوله تعالى: ﴿((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ))،﴾[10] وهي ثنائية في النبي ووصيه.
• وقوله تعالى: ﴿((إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ))،﴾[11] وهذه ثنائية بين النبي ومن اصطفاه الله وأعده للمقام.
• وقوله تعالى: ﴿((وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ))،﴾[12] وهي ثنائية بين القرآن الذي أتى به النبي وأمير المؤمنين.
فالآيات فيها ثلاثية الأصول، وفيها ثنائية بين الأصل الثاني والثالث.
إيمان النبي وعلي وفاطمة (ع) على بينة من الغيب
نرجع إلى قوله تعالى: ﴿((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ)).﴾[13] لم يقل الباري تعالى "أفمن كان على قرب" أو "وجاهة"، بل قال "بينة". فهو مقرب وقريب وهو على بينة؛ أي إدراك ووضوح من هذا القرب من الله، ومقام البينة هو مقام رسول الله طبعاً.
ولاحظوا، هذه البينة ليست بينة حسية، إنما هي "بينة الغيب". الغيب بيّن له؛ غيب الغيوب الغيهوب بيّن له من ربه، لا من ملكوت فحسب. وهذا يقابله الفريق الآخر في قوله تعالى: ﴿((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم)).﴾[14]
إذن ﴿((بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ))﴾ هي بينة غيب. وفي وصف فاطمة الزهراء سلام الله عليها أنها "على بينة من ربها"، حيث ورد في زيارتها: «أشهد أنكِ كنتِ على بينة من ربك»[15] .
إذن إيمان النبي ﴿((آمَنَ الرَّسُولُ))،﴾[16] وإيمان علي، وإيمان فاطمة، هو "على بينة من الغيب". ولماذا يسمى إيماناً إذن؟ لأن الغيب لا محدود، وهذه البينة بالنسبة إليه بيان.
التشبيه والتشبه والتشابه لا يعرض على علم أهل البيت
شبيه بذلك، القرآن الكريم يقول: ﴿((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)).﴾[17] الضمير في ﴿((بَلْ هُوَ))﴾ عائد لمن؟ ليس للمحكمات فقط، بل لكل القرآن. إذن، كل القرآن عند "الذين أوتوا العلم" بيّن وليس متشابهاً. فكيف تقول بأن الراسخين في العلم عندهم المتشابه متشابه ولا يعلمون تأويله؟ ألسنا نقرأ القرآن كاملاً؟ فلا يصح أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ﴿((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ))﴾[18] ؟ فالقرآن يفسر بعضه بعضاً.
وفي سورة العنكبوت - ولماذا يستحب قراءتها ليلة القدر؟ لأن ليلة القدر مربوطة بالإمامة، والسور التي تشرح لك الإمامة يستحب قراءتها ليلة القدر كسورة القدر والدخان والعنكبوت والروم - تقول السورة: ((بَلْ هُوَ)) أي القرآن كله ((آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ))، ولكن ليس عندكم كلكم، بل في فئة منكم وهم "الذين أوتوا العلم" الذين أفصح القرآن عن معيتهم له. فالقرآن ليس متشابهاً عندهم.
فماذا نصنع مع هذه السورة؟ هل نقول سورة العنكبوت ناسخة لسورة آل عمران؟ لا يا أخي؛ في باب العقائد والمعارف ليس في البين نسخ، النسخ في فروع الشريعة نعم، أما في المعارف والعقائد فلا يوجد نسخ قط، إنما يوجد مزيد من بلورة وفتق وبسط للحقائق.
إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بينة، وأصلاً ليس محجوباً عنه الغيب. فكيف تقول: "حسبونا كتاب الله"؟ وكيف تقول: "ما نحتاج للنبي"؟ هل النبي يجتهد؟ المجتهد هو الذي لا يعلم، أي الجاهل؛ فإما يجتهد أو يقلد أو يحتاط. حركة الفكر من المعلوم إلى المجهول تكون عند من لديه مجهول. أما الذي الغيب بالنسبة إليه كله نور وبيان، هل يجتهد أو يحتاط؟ كيف يتجرأ علماء الجمهور ويقولون: "النبي يجتهد"؟ الغيب بالنسبة إليه بينة.
الباري تعالى أعطاه علم القرآن، وعلم القرآن كتاب مبين ﴿((وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ))﴾[19] . وهذا الكتاب أعطاه الله لسيد الأنبياء، فهو "على بينة من ربه". وعالم الغيب والشهادة أظهره على غيبه ﴿((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ))﴾[20] ، فبالنسبة لمن ارتضى من رسول صار الغيب شهادة.
وقد يقول قائل: الآية تقول ﴿((قُلْ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي... فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ))﴾؟ الجواب: نعم، الأنبياء كانوا على بينة من ربهم، ولكن ﴿((فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ))؛﴾ أي أن هذا الاستبيان للغيب غير حاصل لكم، ﴿((أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)).﴾[21] أما الأنبياء وأوصياء الأنبياء فيشهد القرآن أنه ليس محجوباً عنهم الغيب. التشبيه والتشابه إنما يعرض على الإنسان بسبب الجهل، أما إذا كان عنده علم فأي تشابه يصير بالنسبة إليه؟ ﴿((وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)).﴾[22]
الغواية والضلال قبال الرشد والهداية
فبالتالي: ﴿((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)).﴾[23] الرشد موجود ولكنه ليس بالضرورة مبيناً، والتبين درجات. فدعونا نغوص في بحار "الغي" كما استعرضنا التبين.
الغواية تقع في مقابل الرشد والهداية والضلال أيضاً. وربما يقال إن الغواية تستخدم دائماً في موارد الانحراف عن علم لا عن جهل.
وانظر كيف يصف الله قوم صالح (ثمود)؟ قال تعالى: ﴿((وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ))﴾[24] ، وكانوا مستبصرين. هذا المطلب مهم؛ وهو أن الغواية فيها معرفة بالهداية، لكنه مع ذلك يعاند ويلج في الانحراف ﴿((وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)).﴾[25]
فالغواية فيها معرفة، ورغم المعرفة لا يتبعها، بل "يركب رأسه" ويعاند. فالغواية تختلف عن الضلال؛ الغواية انحراف في الإرادة وليست انحرافاً في الإدراك. المشكلة هنا: نجاة الإنسان لا تكفي فيها الهداية المعرفية والإدراكية، بل يشترط فيها زيادة على ذلك "إرادة النجاة". إذا لم تكن في البين إرادة تصير غواية.
وهذا الفرق بين "جحد" و"أنكر"؛ ﴿((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ))﴾[26] فالجحد إنكار عن علم، بخلاف التكذيب الذي قد يكون بسبب الجهل.
وعجيب أمر إبليس في تمرده على الله عز وجل؛ ينسب الغواية لمن؟ إلى الله ﴿((قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ))﴾[27] ، مع أن الغواية هو من قام بها.
تبيان الرشد عن أنواع الغواية
الغواية أنواع؛ في بداية الغواية تكون عن معرفة وبصيرة، شبيه قوم صالح، وكما في قوله تعالى: ﴿((وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ))﴾[28] . لكن عندما يتوغل الإنسان في الغواية يُسلب، وحتى البصيرة تنعمي؛ ﴿((طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ))﴾[29] ، و﴿((خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ))﴾[30] فيُسلب منهم التعقل. فالغواية فيها معرفة في الابتداء، ولكن ليس بالضرورة أن تبقى هذه المعرفة مع الإيغال في الغواية.
إذن: ﴿((قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ))﴾[31] قد تكون بمعنى تفرّق وتميّز. الغي أصل المعرفة موجودة فيه ولكن ليس ضرورياً بقاؤها. فالمحجة قد أتمها الباري تعالى إلى درجة التبين وهو الرشد المميز عن الغواية.
وطبعاً تبين الرشد يزيد من الرشد، والمزيد من الغواية مزيد من العمى حيث يسلبهم النور. ومن اللطيف ربط هذه الآية ﴿((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...))﴾ بذيل آية الكرسي: ﴿((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ))﴾[32] ؛ في البداية النور موجود، ولكن كلما مشوا في الضلالة - ومن أخطر آثار المعاصي سلب النور عن القلب - لا يكاد يبصر ولا يميز ﴿((كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم))﴾[33] ، ﴿((أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ))﴾[34] ، ﴿((لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا)).﴾[35]
فكلما تزداد الغواية يُسلب النور، وبالعكس: كلما تزداد الطاعة والولاية يزداد النور ﴿((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ))﴾[36] ؛ فرأسمال النور الموجود عنده يزيده الله ﴿((نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)).﴾[37]
لذلك في القرآن الكريم هذه النظرية موجودة: ﴿((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ))﴾[38] ، و﴿((رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا))﴾[39] ، فالنور فيه إتمام وفيه زيادة.