47/07/22
الموضوع: لا اكراه في الدين / الرشد والنظام الاجتماعي
الرشد استراتيجية المستقبل ما بين موسى والخضر (ع)
مرّ بنا جملة من الآيات المرتبطة بالرشد، باعتبار أن الآية الكريمة: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[1] ، وهذه الآية أيضاً في سورة الكهف في الخطاب بين السيد الخضر والنبي موسى (على نبينا وآله وعليهما السلام)، حين قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[2] .
في هذه الآية نجد أن علم السيد الخضر علمٌ مرتبط بالإدارة الاجتماعية والسياسية والأمنية، وهو ما يُعرف بـ "علم الولاية" حسب ما ورد في بيانات روايات أهل البيت (عليهم السلام).
سيرة الأنبياء غاياتها عابر للأزمان
لاحظ الرعاية الاجتماعية التي قام بها الخضر؛ فذاك الغلام الذي كان مشاغباً لوالديه، كان مقدراً عند الله أن يلد الأب والأم بدلاً منه بنتاً يخرج من نسلها سبعون نبياً، وهذا ضخٌّ نوري عظيم في المجتمع. إن قضية التنسيل والنسيج الاجتماعي شيء مهم، وهذا يدلل على أن البرامج الإلهية في تدبير الأرض لا تلاحظ الوضع الحالي الراهن فحسب، بل تلاحظ أجيالاً من البشر، وكيف يخطط ويدبر لها من الآن.
وقد ذكرنا مراراً أن الأنبياء وأوصياء الأنبياء في إدارتهم وتدبيرهم من الخطأ أن نقرأ سيرتهم بلحاظ المردود الراهن الحالي، فلن نفهم سيرتهم؛ لأن التخطيط الإلهي الموجود لديهم عابر لزمانهم وأوانهم.
فإذا أردنا أن نحلل مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) بلحاظ زمن معاوية وبني أمية فقط، لن نفهم فلسفة سيرته؛ فأمير المؤمنين يلاحظ الأجيال ككل، وكيف أن هذه الأفعال والمواقف ستكون لها تداعيات وأمواج من زمانه (صلوات الله عليه) إلى يوم القيامة. وكذلك الأمر في أفعال النبي (صلى الله عليه وآله).
فطبيعة التدبير الاجتماعي السياسي الحضاري للانبياء والأوصياء عابر للقرون، بل عابر لعالم الدنيا إلى عالم البرزخ والرجعة والقيامة والجنة والنار. إن الدين يمتلك "خارطة الطريق" وخارطة المستقبل، ويلاحظ تداعيات الأفعال إلى عوالم عديدة، وينسق بين هذه العوالم ليحصل الإنماء والتكامل في كل واحد منها، وهذا أمر أصعب وأدق. فالمشروع الإلهي ليس مشروعاً بشرياً ضيقاً، والرشد هو "استراتيجية المستقبل" كما يقال، وهو منطوٍ في بحث الرشد.
الأدوار الخفية العظيمة لصاحب العصر (عج) لحماية الأرض
هذا جانب آخر من فعل السيد الخضر مرتبط بالنظام الاجتماعي والأنساب والأجيال، وكذلك كفالة ورعاية الأيتام والمحرومين من حيث لا يشعرون. واللطيف أن هذا يدلل على كيفية قيام الخضر كمأمور إلهي بالرعاية والكفالة من دون أن يشعر أصحاب السفينة بمن أنقذهم، بل ربما لم يشعروا كيف حصلت النجاة لهم أصلاً. وكذلك في قصة الجدار: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾[3] ، فمن أين لهذين الغلامين أن يعرفا من حفظ لهما ثروة أبيهما، سواء كانت مادية أو معنوية؟
هذا شاهد على أن ولي الله الأعظم، الإمام صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)، عندما يقوم بأدوار عظيمة لإنقاذ البشر وهدايتهم طيلة ألف سنة، يقوم بها بنحو لا يشعر به لا ملوك الأرض ولا البشر، وهي أمور مصيرية.
فيأتي سائل أو معترض ويقول: "ما فائدة إمام لا نعرفه؟"، وأنت يا حضرة السائل ما دورك وما شأنك؟ هل أنت جالس في غرفة مركزية لعمليات قيادة الكرة الأرضية كي أعلمك، وعدم علمك له دور وموقع من الإعراب؟! هم ملوك الدنيا لا يدرون كيف تحصل الأمور.
الأرض لله، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[4] . سورة الكهف تبين لك أن "قطب رحى الأرض" يقوم بأدوار نافعة ومصيرية ومنجية جداً، والبشر في غفلة ساهون جاهلون.
الأدوار الخفية للنبي والآل (ص) أعظم من المعلنة
هذا الأمر ليس خاصاً بصاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بل آباؤه السابقون كذلك. مراراً وتكراراً مرّ بنا في بحث سيرة أئمة أهل البيت: يا أخي لا يمكن حصر أدوار أهل البيت في الأدوار المعلنة؛ فما خفي وغاب عنا من أدوار النبي وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وبقية الأئمة هو الشيء الأعظم والأخطر.
الأئمة لديهم تعدد أدوار ووحدة هدف؛ الدور المعلن واحد أو اثنان، لكن ما خفي أعظم. الآن بدأت تتكشف وثائق تاريخية دامغة لا يعلم بها علماء الإمامية ولا علماء الجمهور عن الأدوار الخفية للإمام جعفر بن محمد الصادق في دول وشعوب المغرب العربي. بدنه ظاهراً قابع في المدينة المنورة (صلوات الله عليه) أو تحت الإقامة الجبرية في العراق لسنوات، ولكن أدواره كانت فاعلة هناك. وكذلك بدأت تتكشف شيئاً فشيئاً الأدوار الخفية للإمام الباقر.
إذا كانت الدولة البشرية لها أدوار خفية وراء الكواليس، فكيف بالدولة الإلهية وقائدها؟ شعور البشر بذلك أو عدم شعورهم لا ينفي أن ذلك الإمام هو قطب الأرض وقطب رحى الدين، "ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير". لاحظ قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾[5] ، قابيل استلم الرسالة وانتفع بها من دون أن يشعر أن هناك مرسِلاً وإرسالاً. فعدم شعورنا ليس دليلاً على العدم. والذي يطالب أي دولة أو قائد بأن تكون كل أدوارهم معلنة فهو ساذج وأحمق؛ فعمدة الأدوار والأنشطة دوماً مخفية، والمعلن شيء سطحي، والخفاء برهان على مدى القدرة والتدبير، وهو "منهج الغيبة" المتفوق.
إجمالاً، دور الخضر وعلمه مرتبط بالإدارة الاجتماعية السياسية، فالرشد مرتبط بالوظائف والمسؤوليات، وبالبيئة الاجتماعية والاقتصادية. وكما طلب أصحاب الكهف: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾[6] أي بيئة صالحة.
وفي هذا السياق، نذكر الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾[7] ، والقريب صفة لله لا للعباد -خلافاً لمغالطة الوهابية أو بعض العرفاء-. هذه الآية تبين أنه في خضم المسؤوليات الاجتماعية لا ينسى الإنسان الاستمداد والتوكل على الله لكي لا تكون دوافعه مقطوعة عن الغاية الإلهية.
وقد انتقد النبي لوط (عليه السلام) قومه من هذا المنطلق الاجتماعي قائلاً: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾[8] ، فالرشد هنا بلحاظ الظاهرة الاجتماعية مقابل الفساد. وكذلك قوم شعيب ربطوا الرشد بالنظام الاجتماعي والمالي في اعتراضهم: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾[9] . وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾[10] .
كبح الكبرياء دواء تحصين للحاكم من الطغيان
في برهان عظيم يشير إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر، يبين كيف يقي الحاكم نفسه من الديكتاتورية والطغيان والبطش بعباد الله. ما هو دواء التحصين؟
يذكر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أمراً عظيماً جداً وهو "كبح الكبرياء في النفس". التعبير بـ "كبح" موجود، أي كبح رعونة النفس وغرورها ونخوتها. يقول أمير المؤمنين: هذا ضروري للحاكم، فإن لم يروض نفسه على هذه الآداب الإلهية، سيتبدل من حاكم خادم لعباد الله إلى باطش وطاغية وديكتاتور.
وهذا العهد بيان معجز في هيكل الدولة النموذجية، حتى أن الأمم المتحدة رشحته ليكون أطروحة مثالية للدولة العادلة. فلكي يقي الحاكم نفسه من أن يصبح فرعوناً أو نمروداً، عليه دوماً أن يكبح جماح نفسه، ويتضعضع ويتواضع أكثر، وإلا سيبتلى بالاستبداد والشر.
مخافة الله (تعالى) رأس الحكمة
نعود للآية الكريمة التي وردت على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾[11] .
إن القائد لكي يكون مخلصاً غير مفرط، يجب أن يحرص على الخضوع والتسليم لله، وتذكر عظمة الله وعقابه، وحينئذ يكون من أهل الرشد. فـ "رأس الحكمة مخافة الله" كما في تعبير الإمام (عليه السلام). هذه المخافة إذا كانت في الإنسان تصبح كأنما كل أفعاله حكيمة، وتطهر من الأنانية والطغيان والقواعد الباطلة.
وفي هذا ارتباط وثيق بين بنود الدين وبين رشد الأرض وصلاحها.