47/07/21
الموضوع: الرشد ولا إكراه في الدين
الرشد في تدبير الإنسان مرهون بالتوكل على الله
في سورة الكهف، نجد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾[1] هذه الآية الكريمة، وما قبلها من آيات قصة أصحاب الكهف، هي في صدد بيان أن الرشد في مسيرة الإنسان، وفي كل أبعادها ومواطنها، مرهون بالتوكل على الله، وبذكر الله، وبالالتفات والتوجه إليه عز وجل.
فالإنسان حينما يلحظ في تدبيره للأمور الإمكانيات الميسرة له، يجب عليه أيضاً أن يلحظ هناك قوة عظيمة من الباري تعالى؛ أي يمزج بين قوته المحدودة المخلوقة الضعيفة وسعيه، وبين الالتفات لمصدر كل شيء وهي قوة الباري تعالى؛ فحينئذ يكلل عمله بالنجاح والظفر، فإن الله يحب المتوكلين. فدوماً يجب على الإنسان أن يربط برنامجه في كل الميادين والمسارات بالتعلق القلبي بالغيب، ومصدر القوة، وحينئذ يكون المدد.
قدرة الباري لحل المصاعب
إن التوكل يوجب الرشد؛ ولماذا يوجب الرشد؟ لأن الإنسان حينها لا ينهزم أمام العقبات والصعاب، بل يكون شعاره: "يا من تُحل به عقد المكاره"[2] ، فمهما كانت المكاره معقدة إلا أنها تنحل بقدرة الباري، "ويفثأ به حد الشدائد"، ويلتمس منه المخرج إلى روح الفرج؛ إذ "ذلت لقدرتك الصعاب، وتسببت بلطفك الأسباب".
التنجيم بين الحلال والحرام والتوكل
في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) وبيانات الفقهاء، التنجيم منه ما هو حرام وقد يصل للكفر، ومنه ما هو حلال. وباختصار: التنجيم الحرام الذي قد يوصل للكفر هو أن يبني الإنسان على أن الأوضاع الفلكية والنجوم هي أسباب تكوينية وكونية لا محيد عن حصول النتائج على وفقها؛ فإذا توغل اعتقاد الإنسان بهذه الأسباب الفلكية وكأنما انقطع توجهه إلى ما وراء هذه الأسباب، صار هذا تنجيماً محرماً وشركاً، لأنه انقطع عن مسبب الأسباب، بينما الصحيح هو: "تسببت بلطفك الأسباب"، فحتى إحراق النار هو بإذن الله وليس بقدراتها الذاتية المستقلة، ﴿"يا نار كوني برداً وسلاماً".﴾[3]
سلاسل العلل الغيبية أو الحسية تأثيرها بإذن الله
إحدى المؤاخذات التي يؤاخذ بها الفلاسفة -رغم ذكرهم أن العلل مجاري فيض الله- أنهم كثيراً ما يغفلون ويجعلون سلسلة العلل والمعلولات كأنما هي أسباب لا محيد عنها، وكأنما هي أسباب مستقلة في التسبيب، وهذا شرك خفي أو جلي. فالإنسان عندما يلاحظ الأسباب -ليس الفلكية فقط، بل حتى الطبيعية والمادية والفيزيائية- ويراعيها في محاسبات تدبيره بقول مطلق، وينقطع عن الاعتماد والالتفات إلى قدرة الله فوقها، فهو شرك.
بينما عندما يعيش الإنسان التوحيد في ممارساته وتدبيره، ويكون دوماً متوكلاً -والتوكل يعني الالتفات الدائم إلى أن مصدر القوة هو ما وراء هذه الأسباب- فإنه لا ييأس ولا يتشائم ولا يطمئن (الاطمئنان المطلق) لهذه الأسباب. "ما بعث الله نبياً قط إلا وأخذ عليه أن لله البداء"؛ أي أن سلسلة العلل سواء الغيبية أو الحسية قوام تأثيرها بإذن الله، ففيها البداء، والله عز وجل ليس مقهوراً للأسباب والعياذ بالله، وليست يداه مغلولة للأسباب، بل هو مسبب الأسباب، "الذي استغنى عنك وبعذابك، ومن استغنى عنك وعن رحمتك، ولا الذي أساء واجترأ عليك ولم يرضك خرج عنك". فالغفلة عن حقيقة أن الأسباب وقدرتها هي من الله، تعد شركاً خفياً أو جلياً، وكذلك الخوف والخشية من غير الله.
لا قوة للأسباب الا بالله ولا كاشف الا هو
التوكل وإن كان ممارسة روحية قلبية، لكنه بالدقة يرجع إلى محاذٍ ومرادف له في الفكر؛ وهو أن كل تلك القوى خاضعة لقوة الله، فلا حول لكل الموجودات ولا قوة للأسباب إلا بالله، يستطيع أن يعطل ما يشاء منها. وتجد في القرآن الكريم: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾[4] ، فالله تعالى قابل بين الضر والخير؛ في الضر لا كاشف إلا هو، وفي الخير لا راد لفضله، فهو على كل شيء قدير. وفي آية أخرى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾[5] .
النظرة المعرفية التوحيدية توجب برمجة رشيدة في التدبير
هذه الأسباب في هذه العوالم يمكن تسميتها أسباباً صورية، والفاعل الحقيقي هو الله. هذه النظرة المعرفية التوحيدية توجب للإنسان برمجة رشيدة في الإدارة والتدبير، سواء على الصعيد السياسي الاجتماعي، أو الأسري، أو الفردي. ﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾[6] ، وهذا يدل على أن الرشد مراتب: رشد، وأرشد، وأرشد الأرشد، وليس مرتبة واحدة.
اعداد قابلية المخلوق لفيض الله
القرآن لا يدعو إلى الغيب فقط، بل يدعو للشهادة أيضاً: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[7] . ومع قوله ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾[8] ، إلا أنه يشير إلى أن هذا الإعداد والاستعداد صوري، لا بمعنى أنه لا دور له، بل دوره "إعداد قابلية المخلوق". وهذا ما يعبر عنه في بحوث المعقول بأن كرم الله وفيض الله لا تعطيل له، وإن رأينا تعطيلاً أو تأخيراً فسببه المخلوق نفسه، فالقابلة لم تستعد، وإلا فليس هناك توقف أو تلكؤ في فيض الله تعالى. فالإعداد له دور في تكميل قابلية القابل.
التدبير في الحذر للمعصوم والاخذ بالأسباب رشد
كلما ازداد الإنسان توكلاً -توكلاً وليس تواكلاً- ازداد رشداً. أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) هو أشد الموجودين رغبة وعشقاً للشهادة، وفي حين ذلك هو أشد الناس حذراً. هل هذا تناقض؟ لا. فتدبير المعصوم في الحذر الأمني كان أشد من كل المسلمين بحسب النصوص الواردة، فلم يترك النبي (صلى الله عليه وآله) ولا أمير المؤمنين وبقية الأئمة الأخذ بالأسباب، ولكن في حين أخذهم بالأسباب لا يجعلون المصير وقناعاتهم القلبية مرهونة بها، وهذا هو الرشد.
فأنت أيها الحاكم أو الوزير، إن كانت إمكانياتك لا تستطيع إنجاز نظام الخدمات الكامل، لا تيأس، فليس كل شيء هو الأسباب المعلومة لنا، فما خفي من الأسباب أعظم مما ظهر، وهو الله عز وجل مسبب الأسباب.
الاسباب في المخلوقات معدة لا فاعلة
في بيانات أهل البيت (عليهم السلام): "وإن الله يصلح أمر المهدي (عجل الله تعالى فرجه) في ليلة"، كما أصلح أمر موسى. فقدرة الباري تعالى غير مكبلة بالأسباب المخلوقة، ودور الأسباب في كل عوالم المخلوقات بالدقة هي "أسباب مُعِدّة" وليست فاعلة. فالتوكل يفجر في الإنسان الهمة وعدم اليأس والإحباط، ويزيل الكبت النفسي، ليكون الإنسان دائم النشاط.
الموازنة بين القابل والفاعل و لا وقوف في الفيض الالهي
من جهة الفاعل (الباري تعالى) لا يوجد توقف ولا تأخير، التأخير سببه القابل. فعملية الموازنة بين الغيب والمادة هي موازنة بين القابل والفاعل؛ ففيض الله دفعي، وإن كان تدريجياً فبسبب القابل. وكلما التفت الإنسان إلى هذه المعادلة وهذه الحقيقة ازداد رشده في الإدارة والتدبير العام والخاص. وحتى لا يعتمد الإنسان على الملائكة -رغم عظمتهم- يجب أن يجعل إيمانه بالله وراء الملائكة، ومحيطاً بالملائكة وكل المخلوقات. "توكلوا على الله واستشهدوا" كما في المضمون.
الرشد في عالم السياسة مع التوكل
التوكل هو لغة العقل العملي لخلوص التوحيد. فالتوحيد في الفكر يقابله التوكل في القلب والعمل. والرشد في عالم السياسة والوظائف الاجتماعية والمسؤوليات العامة، يكون بأن يمتلك الإنسان "إنترنت التوكل"؛ وهو نوع من الارتباط الحي الذي يحادي التوحيد والمعرفة. هذا الرشد يعطي القائد العسكري والأمني والاقتصادي شجاعة وقدرة، فليس التعقل أن تقتصر على الأسباب والمواد المتوفرة، بل أن تعي أن وراء الأسباب شيء آخر.
عظمة التوكل لسيد الشهداء في عاشوراء
النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر سيد الشهداء بانه يُقتل، ولكن ترى أفعال الإمام الحسين في الجهاد يوم عاشوراء، وقبله وبعده، وكأنما الأمر ليس محتوماً، وكأن هناك مجالاً للتغيير. لماذا؟ لأن توكل سيد الشهداء على الله أعظم مما أنبأه به جده المصطفى -مع أن سيد النبيين هو كلمة الله-. فتوكل الحسين لم يجعله يتقاعس أو يستسلم للحظة الأخيرة، لأنه يعلم أن الله سيغير المعادلات، وهو أكبر واقعية من كل الواقعيات.
شجاعة امير المؤمنين (ع) في إدارة الازمات الامنية والاقتصادية
إذا كان القائد يستسلم للظروف ويسمي ذلك "براغماتية" أو "واقعية"، فنقول له: من قال إن الواقعية هي واقعية الأسباب فقط؟ الله هو أكبر واقعية وأكبر حقيقة نغفلها ونلتفت للأسباب المخلوقة التي تستعطي الباري تعالى.
يقولون للمتوكل: "أنت متهور، لست إدارياً". ولكن انظر لخيبر كيف فُتحت؟ ذهب إليها أبو بكر فرجع يُخذّل الناس والناس يُخذّلونه، وذهب عمر ففشل ورجع يُجبّن الناس والناس يُجبّنونه؛ أي يلقي اللوم في الفشل العسكري على الناس. وكذلك في "ذات السلاسل" وغيرها من الموارد.
إنها ليست قصة شجاعة وفروسية بدن فقط، بل "شجاعة في الإدارة". في أزمة "ذات السلاسل" الخطيرة التي أنبأ جبرائيل النبي بها وأن الدولة مهددة بالسقوط، فشل أبو بكر، وفشل عمر، وفشل عمرو بن العاص في إدارة الأزمة، فبعث النبي علياً (ع) فنجح في إدارتها. وحينما شاهده الثلاثة قالوا "سينجح، دعونا نفشله"، لكنهم لم يقدروا. في مواطن عديدة تعصف بدولة النبي أزمات مزلزلة، فلا ينكفئ إلا أن يبعث أخاه علياً (ع) لحلحلة الأزمة، مديراً مدبراً شجاعاً لا يكتفي بالإمكانيات الموجودة.
التخطيط الالهي والرشد والادارة
من هنا نعلم أن الذي يستمد من التخطيط الإلهي هو الأكثر جدارة في الرشد والإدارة. أما الجبان فهو من استمداده من تدبيره الضعيف، ويسمي نفسه "براغماتي".
البراغماتية والجمود على الاسباب المادية أو على الخداع الاعلامي
تصير منهزماً أمام الدول والحرب الإعلامية والنفسية، وتجبن حتى تتطبع مع العدو وتمسخ نفسك، كما يفعل المثبطون والمخدرون واليائسون. ويسمون التدبير المتصل بالغيب "تهوراً"، ويجمدون على الأسباب المادية. وأنا أتعجب من الوهابية كيف يجمدون على الأسباب المادية ويقولون هذا عين التوحيد والحكمة! والحال أن دولتهم تعتمد على الجمود على المادة.
أي أسباب مادية؟ هل هي الحرب الإعلامية التي ليست إلا تخويفاً نفسياً؟ العدو نفسه ليس بهذه البراغماتية التي تتصورونها، هل هي واقعية هوليودية في الإعلام؟ أم واقعية الخداع؟ أم واقعية العين الخارجية؟ هذه ليست براغماتية، هذه "كلاكماتية" (كلام فارغ)، فلماذا تستثني الله عز وجل من الواقعية؟ انظر كم مرحلة من الزيف عندنا، "ولو وَلِيَها أبا الحسن لسار بهم سيراً سُجُحاً".
لم يفتح فتحاَ الا بوجود على واولاده (ع)
لقد أعطوا القيادة لمن فشلوا في مواطن عديدة، في الإدارة والتدبير، حتى في حروب الردة -التي سموها كذلك- استعانوا عدة مرات بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كما في مصادرهم، إذ لم يستطيعوا إدارتها، فضلاً عن فتوح فارس والروم. ففي القادسية لولا وجود سعد بن أبي وقاص وعناصر من أمير المؤمنين ما استطاعوا فعل شيء، ولا أبو عبيدة في الروم، ولا خالد، لولا وجود مالك الأشتر (عنصر علي بن أبي طالب).
لم يفتح الله للإسلام فتحاً قط إلا بعلي وبولد علي. سنة الله لا تتبدل إلا بأهل البيت؛ فتح إندونيسيا، ماليزيا، ألبانيا، الشيشان، كلها بأهل البيت وبالسادة من ذرية البتول. "بكم فتح الله وبكم يختم". لا يخدعوك في المصادر، دقق سترى أن أي فتح لا يتم إلا بهم، سنة من الله، لا تقوم للإسلام عزة ولا راية إلا بهم. وهذا هو الرشد في مشروع أهل البيت، والخذلان والخزي في الرايات الأخرى.