47/07/20
الموضوع: الرشد ولا اكراه في الدين
عنوان الرشد هو في النظام الاجتماعي الصالح قبال الفاسد
كان الكلام في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[1] ، وقد عُللت هذه الآية في آية الكرسي بـ ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. وهاتان المعادلتان مذكورتان في سور عديدة بألفاظ مختلفة، فالمدار ليس على جمود اللفظ بل على المعنى، كقوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[2] أو ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾[3] والمقصود نفي الوكالة التكوينية لا الاعتبارية وآيات عديدة أخرى.
وحينما عُلل نفي الإكراه بوجود الاختيار والامتحان لحصول العلم والقدرة والإرادة بـ ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[4] ، فإن كلمة "الرشد" تقودنا إلى منظومة الرشد في القرآن.
إن الرشد في القرآن - كما في قوله ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾[5] (أي رشده) - يُستعمل بلحاظ ما نسميه "العقل الاجتماعي" أو "النظام الصالح الاجتماعي"، في قبال الفساد الاجتماعي الذي يعبر عنه بالغواية. فالجانب هنا ليس فكرياً محضاً، بل هو جانب عملاني على الصعيد الجمعي؛ ورشد الإنسان مرتبط بالهوية الاجتماعية، وليس كمال الإنسان وتكامله منحازاً عن النسيج الاجتماعي، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾[6] .
فالجانب الجمعي دخيل في هوية الفرد، كما أن هوية الأسرة والعشيرة دخيلة فيه.
البيئة الاجتماعية الفاضلة لسيد الرسل (ص)
ومن هنا كان "النبز" (اللمز) من قريش - طبعاً غير القسم الطاهر منها - لرسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ لأن الله عز وجل اختار لسيد الأنبياء البيئة الجمعية المجتمعية الفاضلة.
النبي (صلى الله عليه وآله) عندما يبين عظمة اصطفاء الله له، يبين كيف أن الله اصطفى له بيئة اجتماعية عظيمة مكاناً وزماناً ونسباً وأهلاً.
اجتماع ذروة النور وذروة الظلام في عهد النبي(ص)
وإن كان القسم الآخر من قريش يعيش - كما تقول الصديقة الطاهرة - في "مستنقع الرذيلة" وشراستها، فقد اجتمع في زمن النبي ذروة النور وذروة الظلام.
فقريش مُلئت ظلماً وجوراً، ولكنها في المقابل مُلئت نوراً وضياءً؛ لوجود بني هاشم، وعبد المطلب، وأبي طالب، وعبد مناف، وحمزة بن عبد المطلب، وجعفر الطيار.
سؤدد النبي (ص) في وجود أصحاب الكساء(ع) وبني هاشم
فضلاً عن وجود أصحاب الكساء، فهذه من الأمور الدخيلة في سؤدد سيد الأنبياء.
النبي يشرح سؤدده على الأنبياء بأن الله جعل له الخمسة أصحاب الكساء معه. وكونهم معه - وهو سيدهم - لا ينافي أن هويته (صلى الله عليه وآله) مأخوذ فيها عظمة أصحاب الكساء؛ فلأنه عظيم جعل الله أركان عظمته ابن عمه وصهره أمير المؤمنين، وابنته سيدة النساء، وحفيديه سيدي شباب أهل الجنة.
فالمحيط الذي يحيط بسيد الأنبياء ويعتمد عليهم في الدين لا بد أن يكونوا بمستوى عظيم، وهذا دخيل في هوية النبي نفسه.
احتجاجات سيد الأنبياء (ص) بأصحاب الكساء وآبائه (ع)
لذلك يحتج النبي على سيادته على الأنبياء في أحاديث متواترة بـأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن والحسين، وحمزة، وجعفر الطيار، وجده عبد المطلب وهاشم. هذه الاحتجاجات موجودة؛ لأن أساس هوية سيد الأنبياء مأخوذة فيها هذه الأمور.
احتجاج أمير المؤمنين (ع) على السقيفة بحمزة وجعفر (ع)
وكذلك احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الشورى (بعد مقتل عمر) على الخمسة الباقين من الستة، احتج بسبعين برهاناً، منها البيئة الاجتماعية المحيطة به: مصاهرته للنبي، زوجته سيدة النساء، ولداه الحسنان، عمه حمزة. ويستدل بخمسين برهانا مستقلا أيضا.
فالدخيل في هويته هو الرشد البيئي، كما أن مريم دخيلة في هوية النبي عيسى (عليه السلام)، حيث يخاطبه الله في الأحاديث القدسية بـ "يا ابن الطهر البتول"، مع أن عيسى أفضل من مريم، ولكن ذكرها ﴿﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾[7] يدل على دخالة "العقل المجتمعي" في عقل الإنسان والرشد الجمعي دخيل في رشد الانسان.
عظمة دور آباء النبي (ع) في التمهيد للنبي (ص)
ومما يتبين به هذا الأمر: أن الله عز وجل أرسل أعظم معلم في الأنبياء إلى قريش، ولم يرسله إلى فلسطين أو مصر أو العراق أو فارس، مع أن هذه البلدان حظيت بأنبياء كثر (إبراهيم، نوح، موسى، عيسى).
فلمَ أرسل الله سيد الأنبياء ومعلمهم إلى قريش؟ هل يعقل أن تكون أرضية قريش هابطة وأرضية البلدان الأخرى صاعدة، ويفرط الله في المعلم العظيم ليرسله إلى المتخلفين؟! العقل لا يصدق ذلك.
إذاً قريش - رغم الوحي الأخلاقي والرذالة والنجاسات وملئها بالظلم - مُلئت نوراً ببني هاشم وآباء النبي.
دور آباء النبي (ص) أعظم من دور الانبياء
آباء النبي قاموا بدور تمهيدي موطئ لسيد الأنبياء أعظم مما قام به سلسلة الأنبياء في فارس والعراق والشام ومصر بدءا من إسماعيل ولو مخفية. العقل الحضاري والكلامي يقول ذلك؛ فليس من المعقول أن يبعث سيد الأنبياء إلا وهويته مأخوذ فيها سلسلة آباء وأجداد لهم دور عظيم جداً.
أضف إلى ذلك أن معجزة القرآن ليست طبية كعيسى، ولا ناقة تخرج من الجبل، ولا كمعجزة موسى في عالم الخيال (والفرق بين المعجزة والسحر أن السحر عالم برزخ وخيالات غير مرئية فأتاهم الله بقوة في ذلك العالم)، ولا كمعجزة نوح في النجارة والفن.
معجزة سيد الأنبياء لقريش كانت "فكرية عقلية" (القرآن). فمن الذي هيأ هؤلاء لهذا القرآن؟
نفس القرآن برهان على أن آباء النبي قاموا بدور في الحجاز أعظم مما قام به أولو العزم الأربعة في البلدان الأخرى بل مجموع الأنبياء، لأنهم هيأوا الحجاز لدراسة كتاب عظيم. وليس من الحكمة أن يأتي الله بكتاب ومعجزة لا يفهمها من يُخاطب بها مشافهة.
هذان برهانان عظيمان على أن آباء النبي وأجداده أصلاب طاهرة شامخة، ذروة في قمم الاصطفاء، هيأوا الأرضية لأعظم معلم.
يوم الدار مقام الوصاية لبني هاشم (ع) عن النبي
ويتبين ذلك أيضاً في "يوم الدار"، حين عرض الله عز وجل على لسان النبي لبني هاشم ما لم يعرضه على إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا نوح.
عرض عليهم أن يكونوا "وصي سيد الأنبياء"، وهو مقام أعظم مما ناله أولو العزم. كيف يعرض هذا المقام على هؤلاء؟ هل عند الله مجاملات أو تحيزات؟ حاشا لله. لولا أن لديهم أرضية وأهلية لما عرض عليهم ذلك. وهذا المطلب فيه أسرار عقلية عظيمة "تكفي العاقل البشارة".
ارتباط هوية سيد الانبياء (ص) بالوجود الجمعي
إذاً، البيئة شيء مهم، ورشاد الإنسان من رشاد البيئة، ومسؤولية البيئة من مسؤولية الإنسان. وأنت لست فرداً منفلتاً، بل وجودك هوية مجتمعية، وعليك مسؤولية. لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ... أَوْ لَيُسَلَّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ[8] .
وسبحان الله، فرق سيد الأنبياء عن بقية الأنبياء أن حرصه على البشر والأمة أكثر. الأنبياء يوم القيامة ينادون "نفسي نفسي"، وهو ينادي "أمتي أمتي". هويته مرتبطة بالوجود الجمعي، وسروره بدخول أمته الجنة كما ورد عن الإمام زين العابدين (إن ادخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك)
كمال عقول البشر قبيل الظهور
ومن ثم، هذا الدين يجب أن يعم كل بقاع الأرض؛ حتى يتحقق الوجود الجمعي الأرضي الكامل. كمالنا نحن، والكمال الذي ستصل إليه البشرية في زمن الظهور، هو أن "تكمل العقول".
لماذا تكمل العقول؟ لأنه حين يعم الرشاد المجتمعي كل الأرض، ستتفجر العقول والعلوم، وتتأهل البشرية أكثر. فهناك ترابط عجيب بين ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[9] وبين الرشاد المجتمعي.
اجتماع ذروة النور مع ذروة الظلام قبيل الظهور
وحين يقال "مُلئت ظلماً وجوراً"، يسأل الراوي الإمام الصادق: "بئس ذلك الزمان؟"، فيجيب: "بالعكس، ذلك الزمان الخير كل الخير فيه".
كيف؟ لأنه يجتمع ذروة النور مع ذروة الظلام.
فكما في زمن النبي اجتمعت ذروة الظلام (أبو جهل والأمويون) مع ذروة النور، فكذلك قبيل الظهور. ما بعث الله عزوجل نبيا الا أن بعث معه أعداء بمستوى درجته في النور. كلما اشتد نور النبي يشتد ظلام أعدائه. فعبارة "مُلئت ظلماً" لا تعني خلوها من النور، بل النور يرتفع أيضاً وتتكامل العقول.
سبب تأخير الظهور عدم تكامل عقول البشر
يعجبني بروفيسور ألماني (يوخين روبكا) فتح الله قلبه للإيمان، يقول في مقالة له: "إن سبب تأخر ظهور (الصاحب) أن البشر يجب أن ترتقي عقلياً لمستوى فهم محاضرة هذا المعلم العظيم".
ففي أوان الظهور، يجب أن يصعد العقل الإيماني والكياسة لدى المؤمنين ليتغلبوا على "عصر الدجل". الدجل سيصل ذروته (إعلامياً وأمنياً وفكرياً)، ويجب أن يناطحه عقل إيماني وصل الذروة واذا وصل العقل هذه الذروة فهذه ساعة الصفر للظهور واعظم آليات الظهور هي هذه في الروايات المتواترة.
في الروايات، المؤمن يجب أن يكون "كيّساً"، والنبي يقول عن الساذج المغفل أنه "ناقص الإيمان" أو "مشوه الإيمان". الكياسة هي الفطنة والحذر الأمني والسياسي، لا الجمود. الحذر في وسط المعركة والنشاط. كلما ازداد المؤمن حذرا ازداد الايمان وبالعكس.
الرواية تقول: "كونوا أحلاس بيوتكم"[10] . الأحلاس جمع حِلْس، وهو البساط الذي يزهد فيه السارق ولكنه نافع في البيت في كل شيء. أي: كن نافعاً في كل المجالات (بيت العقيدة والإيمان) بلا أن يتفطن العدو لنشاطك. هذه الرواية تطلب النشاط في كل المجالات لكن بشكل خفي.
هذا يتطلب كفاءة في العقل الأمني (الكياسة)، والسياسي (الفطانة)، والتدبيري (الحذارة) ثلاث مقامات ذكرها سيد الانبياء. كلما ازداد المؤمن حذراً ونشاطاً اجتماعياً ازداد إيمانه. وإذا وصل المجتمع المؤمن لهذه الكفاءة في العقل السياسي والامن الوعيي، تلك هي ساعة الصفر للظهور. الكيس كما شرحه امير المؤمنين هو المدير الذكي ذو الدهاء في التدبير السياسي الاجتماعي والفطن يشم الأمور من وراء الحجب. المؤمن صلب الايمان ونافذ البصيرة.
فالرشد الذي تذكره الآية ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾[11] يعني أننا لا نتكامل إيماناً إلا أن يظهر الله الدين على الدين كله، وهذا يتطلب طهارة البيئة الاجتماعية وتكاملها. (اني رافعك و مطهرك...) يعني ان تلوث البيئة الاجتماعية يوجب التلوث الفردي.
(لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها)[12] بل هم اهل البيت طهروا البيئة الاجتماعية من الأنجاس والادناس.
فإما ان يكون الانسان طهرا مطهّرا او يتلوث لان الهوية الفردية مرتبطة بالمجتمع. هذا بيان عظيم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بتكامل الانسان نفسه.