« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/07/17

بسم الله الرحمن الرحيم



 

الموضوع: الرشد (19)

 

مر بنا ان الرشد هو البيئة الاجتماعية الصالحة كما يسميه القرآن في ايات عديدة فكيف يكون الانسان راشدا في اخلاقه وسلوكياته حيث عنده موروث اجتماعي من عاشر قوما اربعين يوما صار مثلهم او منهم كن في الناس ولا تكن معهم فكنا في هذه الاية ﴿ربنا اتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا﴾[1] وهناك ايات عديدة مرت بنا ان المراد من الرشد البيئة الاجتماعية الصالحة وما امر فرعون برشيد وان روا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا .

فالرشد وقد تبين الرشد من الغي دالة على ان المراد به هو اقامة الدين في النظام الاجتماعي بكل ابعاده سياسيا اقتصاديا زراعيا كذلك واعلما ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم يعني في النظام الاجتماعي ووقعتم في مشقة كذلك في سورة الحجرات الالتزام بالنظام الولائي لله وللرسول ولائمة اهل البيت على صعيد المجتمع والنظام السياسي رشد وهذه الاية في سورة الحجرات صريحة جدا ان الرشد اطلقه القرآن على البيئة الاجتماعية الصالحة التي يشيد فيها حدود الله .

لاحظ اهل الكهف في مقابل المجتمع الكافر يقولون ﴿ربنا اتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا﴾ وعندنا بيانات عديدة في الايات والروايات ان البيئة اذا لم تقام فيها احكام الله ستتلوث بالمعاصي والذنوب وبالعكس اذا صلحت البيئة يكون الامر صالحا لاحظ ولو ان اهل الكتاب اقاموا التوراة والانجيل هذه الاية في سورة المائدة في سياق اقامة النظام القضائي والعقوبات الاجتماعية الدينية فالتوراة والانجيل رغم انهما محرفان مع ذلك الله يطالب من اهل التوراة بان ان يقيموا التوراة ويحكموا بالتوراة فاذا لم يكن نظام الحكم البشري على وفق الدين وحدود الله تلقائيا يكون فاسدا ويسميه القرآن بالقروية لا التمدن فالبعد التمدني والرقي في القرآن في الدرجة الاولى ليس هو البعد المادي نعم هذا لا يهمله القرآن بل القرآن يطالب بالاصلاح في الارض في كل ابعاده ويرفض الفساد بكل ابعاده ماديا معنويا لا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها .

مع ذلك يبين القرآن ان اعظم انواع الاصلاح في الارض هو الجانب المعنوي في البعد الفردي وفي الاحكام الاجتماعية بل الاخير اهم من الفردي ويؤثر على الانسان النبي عيسى مع انه من اولي العزم قال الله عنه اني متوفيك ورافعك ومطهرك من الذين كفروا يعني البيئة الكافرة تلوث الانسان و احد معانى تطهير النبي هو ابعاده عن البيئة الكافرة ولذلك الفقهاء قالوا التعرب بعد الهجرة هذه من الكبائر ان تكون في بيئة لا تستطيع ان تقيم فيها احكام الدين فليس فقط البعد الفردي وانما البعد الاجتماعي .

لاحظ في اية التطهير ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت﴾[2] يذهب يعني يبعد ، فاي شيء يبعده انه يبعد لم تنجسك الجاهلية بانجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ونفس الاخلاق اعظم ثياب فالاخلاق والعقائد والتقوى هو ثياب ولباس التقوى ذلك خير فلذلك يسمي القرآن الهيئات النفسانية باللباس لذلك في الوحي اللباس واليد والكتاب هذه ليست مصاديق مادية ارضية وانما المصاديق الاعظم لها شيء اخر هذه مصاديق دانية والقرآن يريد مصاديق عليا .

في بيوت ليس المراد جدران وانما رجال فالبدن والنفس بيت للروح والروح بيت لروح اعلى والروح الاعلى بيت للنور فالبيت ليس المراد به هذا البيت المادي كونوا احلاس بيوتكم والبيوت ليست هذه الجدران كلا وانما بيت العقيدة فانت اثبت على عقيدتك ولا تذهب يمينا ولا شمالا يعني هذه التموجات العصرية في الغيبة لا تحرفك انت اثبت على عقيدتك ولا تذهب يمينا ولا يسارا خذ بمذهب الحق وكن حلسا فيه فالحلس كثير المنافع فلا يفطن السراق الى اهميته يعني انت كن عنصرا في مذهب اهل البيت وشديدا ومتعدد النفع والانشطة من دون ان يبصر عدوك بدورك في النشاط وعندنا بعد امني وبعد قمة النشاط وبعد الثبات على العقيدة وحتى ورد في بعض الادلة لا تحرك ساكنا يعني لا يبرد نشاطك حتى يأتيك النداء .

فليس المراد من البيوت هي البيوت وكذا اللباس والكتابة والطعام مر بنا في سورة يوسف ﴿لا يأتيكما من طعام ترزقانه﴾[3] فسمى الرؤيا والعلم بالطعام فالرزق هنا ليس ماديا وانما علميا فالرسول يعلمهم الكتاب الحكمة وهما رزق واعظم من الرزق المادي .

كذلك الفضل في ايات عديدة على لسان النبي موسى هي نعمة الاصطفاء فهذه عناوين مرتبطة بالمصاديق المعنوية الملكوتية كما الحال في يد الله ووجه الله وجنب الله وليست هي من المصاديق المادية فلاحظ ولو ان اهل الكتاب امنوا واقاموا التوراة والانجيل وانزل اليهم من ربهم فيدل على ان من اعظم انماء واعمار الارض هو اقامة احكام الله في البعد الاجتماعي .

مر بنا ان اقامة حكم من احكام الله في الارض ابرك من مطر اربعين يوما يعني علماء البيئة والمياه والزراعة والحيوان يبحثون عن الاسباب المادية هذا صحيح لا بأس به لكن هذا ليس كل شيء حيث الدول المتطورة الصناعية تبتلى بكوارث الى ما شاء الله لانهم اخذوا بالاسباب المادية وتركوا الاسباب الروحية لذلك ليس عندنا كسل في الدنيا والاخيرة ولابد من كليمها لكن اصلاح الاخرة تلقائيا يسبب اصلاح الدنيا فليس اصلاح الدنيا والارض منحصر بالاسباب المادية فمن جهة القرآن يقول الامر هو بين امرين وهما الاصلاح الاخروي المعنوي والاصلاح المادي ولا يقول لك توانى في الاسباب المادية .

اتفاقا حسب بيان امير المؤمنين اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا نفس الحديث الذي مر بنا امس ان بعض قيادات الشهداء كان توكلهم زايدا عن الحد بل هو ليس توكل وانما تواكل نحن للاسف عندنا على صعيد المجاهدين والسياسيين التوكل بمعنى غير صحيح فيجب الا نخلط بين معنى التوكل السياسي والامني مع التواكل .

لاحظ معنى الشهادة يحتار الانسان في امير المؤمنين وهذا مرتبط بالتوكل والتواكل والشهادة فهناك معنى خاطئ للشهادة مرتبط بالتوكل والتواكل ففي احد اخذ علي ع يبكي قال لم ارزق الشهادة مع انه يصفه الوحشي واخرون بانه لم يكن احد في الحرب اشد حذرا منه فكيف انت تريد الشهادة وعندك الحذر والحرب الامني المادي على اعلى قمة فهنا ليس تناقض وانما نحن ما فهمناه من معنى الشهادة غلط فليس معناه ان تمكن عدوك من نفسك وتتساهل وانما الشهادة ان تفوت الفرصة من تمكين العدو من نفسك وانما تقدم ببسالة واستبسال وشجاعة من دون جبن ولا خوف فارادتك وتصميمك وقدرتك واستبسالك شجاعة لا حد لها هذا معنى الشهادة لا انك تمكن العدو وتفرط في الحذر .

فالتوكل على الله غير التواكل فالتوكل على الله ان لا تفرط في الية مادية قط شبيه الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر فالدين لا يغفل الجانب المادي ﴿واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾[4] فالاعداد عليكم بلا حد فكما ان في البعد المادي لا حد كذلك في الجانب المعنوي يجب ان يكون بلا حد فكثيرا ما يقال فلتطلب الشهادة ولا يحذر وهذا خطأ وهذا تفريط اذا انت فرطت بطاقم من الطاقات ستجعل العدو ينتفع فمعنى طلب الشهادة او التوكل هو الاقدام في قمة التدبير المادي والمعنوي فيجب ان تلتفت انه في حين ان تدبيرك ماديا لا منتهى له تعلم بان الجانب المعنوي اعظم فتوطن نفسك على هذا ولا تقل ان الجانب المادي اعظم .

ان حفظ هذه الموازنة صعب فاذن الجانب المادي والمعنوي الاصلاح فيهما بلا حد ولكن هذا الاصلاح اعظم واشد اهمية شبيه ما ذكرناه في الموازنة بين المادة والغيب فكثير يفكر انها خمسين خمسين كلا ليس هكذا فهذه ليست موازنة وانما الموازنة هو لا جبر ولا تفويض امر بين امرين يعني البعض يظن انه خمسين بالمئة جبر وخمسين بالمئة تفويض وهذا باطل فالجبر والتفويض مطلقا باطلان ولو بدرجة واحد بالمئة او واحد بالمليون يعني اذا اعتقدنا واحد بالمليار ان هناك تفويض عن استقلال وشراكة مع الباري هذا شرك ولو اعتقدنا واحد بالمليار بالجبر يعني جزء من مسؤولية الذنوب تقع على الباري فالجبر باي درجة من الدرجات باطل .

كذلك التفويض وانما التفويض الاقداري هذا بحث اخر فالتفويض العزلي هو الباطل يعني تعزل الباري وليس التفويض بكل عناوينه وانما التفويض العزلي باطل والجبر المطلق باطل فهيمنة الله ليست باطلة ففرق بين الجبر وهيمنة الباري فقيمومة الباري على حالها فالجبر شيء والهيمنة والقيمومية شيء اخر فالموازنة بين المادة والغيب او بين الجبر والاختيار ليس معناه النصف بالنصف والتساوي فان هذا باطل وانما معناه ان كل له دور فالمادة اعداد وليست فاعلة وانما الفاعل بقول المطلق هو الغيب ﴿وما النصر الا من عند الله﴾[5] مع انه يقول ان تنصروا الله ينصركم لكن ليس معناه اننا لنا الدور الفاعل كلا وانما دور استعدادي يعني كل شغلنا ونشاطنا ضروري ولكن هذا كله يهيئنا ﴿وما النصر الا من عند الله﴾ ﴿ان تنصروا الله ينصركم﴾[6] .

فشرط النصر ان تحققوا الشروط وتكون قمة النشاط فمعنى الموازنة بين المادة والغيب ان تراعي كلا الجانبين وان توطن نفسك ان الغيب هو الكل في الكل فما النصر الا من عند الله وما قتلتموهم ولكن الله قتلهم يعني هل انت لما تحرك يدك تظن انك فاعل? كلا وانما انت قابل فليس معنى الموازنة بين المادة والغيب هوالخمسين بالخمسين فان هذا شرك بل ولا واحد بالمليون وانما لا جبر ولا تفويض .

افرأيتم ما تمن ءاانتم تخلقونه ام نحن الخالقون? اي انتم تحركون المني ولستم تخلقون الولد فالفاعل المادي دائما حركة يعني استعداد افريتم ما تحرثون? ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون? يعني انتم لاتعطونه الصورة الزراعية انما نحن? لاحظ هذه اللغة العقلية في القرآن انتم في عالم الحركة اقصى شيء ما تقومون به هو ان تهيئوا الارضية لكن الفيض من الغيب .

اذن معنى الموازنة بين المادة والغيب ليس واحد وتسعة وتسعين وانما دور الغيب مئة بالمئة ودورنا نحن فقط تهيئة الارضية والقابلية اما الفاعل هو الغيب نحن دورنا فاعل بالحركة يعني يستعد ان يستمطر .

فالبيئة الاجتماعية الاصلاح فيها يجب ان يكون ماديا ويجب ان يكون معنويا لكن لابد ان نوطن انفسنا للاصلاح المعنوي وهو اعظم تأثيرا كلوا واشربوا ولا تسرفوا يعني الجانب المادي يجب ان نراعيه ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين فالرشد كتنمية وكتمدن يطلقه القرآن على البيئة الاجتماعية الصالحة اما اذا كانت ليس بصالحة فهذا ليس رشدا هذه قذارة وبيئة مستنقعة ويسميه القرآن بالقروية والتخلف .

هذا شبيه ما يصيب الانسان بكوارث بيئية ومادية ومعنوية لذلك القرآن يقول ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [7] يعني البيئة تؤثر في ادراك الانسان فاذا كانت البيئة فاسد من حيث لا تشعر ستبدل وتلوث قناعاتك .

امس مر بنا تساؤل الفخر الرازي يقول ما الربط بين البيئة الاجتماعية والادراك بالبرهان؟ حجتهم داحضة ، فما ربط استجيب له بالبيئة الاجتماعية الموجودة فما ربط حجية الحجة، بالادراك يعني نفس البيئة الاجتماعية اذا صارت صالحة فلا عذر للانسان ان يقول لا ما اقدر يعني الصلاح الجمعي الاجتماعي يؤثر في ادراك الانسان فاذا يعيش الانسان في بيئة خطأ فقناعات الانسان تتبدل وادراكاته تتبدل الا من عصم الله .

هذا المنطق غير المنطق الارسطي هذا منطق الوحي ان البيئة الاجتماعية مؤثرة في ادراك الانسان اذا صالح فصلاح واذا فاسد ففساد لذلك لاحظ في اية القرآن ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [8] فلا تقعدوا معهم يعني يؤثر في الباطن فعقل الباطن يتغذى بكل بيئة صالحة وفاسدة واذا تأثر تلقائيا يسبب ان تختلف قناعاتك فالعقل الباطن يؤثر على العقل الظاهر فان طبيعة النفس والروح تمتص من كل حدب وصوب .

الشيخ يقول يستفاد من الروايات ان الاكراه تسبب العدوى بل كل بيئة تعد الانسان فطبيعة الروح تمتص وتشفط هذا الباطن الروح الارتكازية في الانسان تتغدى لذلك لاحظ صوت القرآن في البيت يبعد الشياطين او اوقات الاذان يحرز البيت يعني تصير بركة ويصير مجلبه للملائكة وابعاد الشياطين فنحن لا نرى الملائكة ولا نرى الشياطين لكن تلقائيا تبعدنا الشياطين .

فيا ايها المؤمن اجعل بيئتك نيرة تأتيك البركات واذا تجعل بيئتك مظلمة ستبتعد عنك كل البركات هناك روايات كثيرة عن اوقات الاذان بانها عقاقير وادوية روحية مجلبة للبركة وابعاد للعين وللسحر وللامراض الروحية وتنعكس حتى على الرزق المادي فصوت القرآن في البيت وصوت الدعاء ونظافة البيت مؤثر حتى على روحية الانسان وقذارة البيت تؤثر على روحية الانسان فالبيئة تلقائيا تؤثر على الانسان من جوانب عديدة ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾[9]

 


logo