« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/07/10

بسم الله الرحمن الرحيم



 

الموضوع: لا إكراه في الدين (16) / شمولية الدين لكل الكائنات

 

كنا في هذه الاية الكريمة ﴿لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾[1] فاصل الدين معرفة الله واصل اصول الدين معرفة الله وركن اركان الدين وعمود اعمدة الدين وقوام الدين ومعرفة الله هو القلب فاذن مساحة معرفة الله تستطيع ان تقول هي الكل في الكل وهذه المعادلة لاحظها في لا اكراه في الدين ثم ضم اليها وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم يعني الجمادات وجميع الكائنات فالدين يسع ان يخاطب بها به كل شيء هنا قوام الدين فمعرفة الله يسع ان يخاطب بها الله جميع الجمادات .

فالدين واسع دع ما ذكره علماء الكلام والفقه او المفسرين من علماء اهل البيت بل لننظر ما ذكره اهل البيت انفسهم فهم يبينون ان الدين يخاطب به جميع الكائنات وهناك طوائف عديدة من الروايات وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا? هذه جنود الله قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء وفي سورة فصلت وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم فهل السمع شاهد حي ناطق? وهل حي سميع بصير? وعندنا في الأشعار ان كل الكائنات حية سميعة بصيرة ولكن الصمم والعمى من عندنا فلا نرى ولا نبصرها فما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ليس فقط قصة تسجيل وانما يشهد يعني فيه تحمل وفيه اداء ان يشهد عليكم سمعكم وابصاركم وجلودكم فكل موجود كائن هو حي سميع بصير وذي روح لكن روحه صامتة وتنطق اذا اذن الله ان تتكلم .

ان تكلم الجمادات والحجر والشجر هي معجزة بيد رسول الله لكن هي على مقتضى القاعدة لنظام الخلقة ، فالمعجزة والاعجاز في هذا الجانب ان الرسول عنده قدرة ان يكشف للناس هذه الامور التي بمنأى عنها المتكلمين حيث يظنون ان هذه الحصيات اصدر منها الصوت كلا انما الله اقدر نبيه ان يكشف لهم المعجزة .

حديث جذع النخل الذي يذكره متكلم كل المذاهب الاسلامية هو جزء من معجزات النبي وحنين وانين هذا الجزع هذا ليس استثنائيا حيث الكثير ينظر لهذه الرواية المتواترة عندنا وعند العامة على انها معجزة استثنائية نعم هي معجزة لكنها ليست استثنائية فالمعجزة غير خارجة عن قواعد الخلقة سواء طبيعية او غير طبيعية فهي ليست خارج عن قواعد الخلقة انما لا يقدر على تلك المعادلات غير الانبياء والرسل والائمة هذا صحيح لا ان المعجزة شيء استثنائي او خلاف القواعد كلا ليست هكذا لكن لا يقدر على اعمال تلك القواعد الا الانبياء والاوصياء والحجج والمصطفون .

فاذا حنين الجذع لرسول الله سبب ان يقول الرسول لاصحابه لاحظوا انين الجذع وحنينه فلولا اني عانقته لما هدأ الى يوم القيامة يعني النبي يبدي حنانه للجمادات .

اذن هذه ليست سنة الرسول لهذا الجزع فقط وانما سنة الرسول حنانه لكل الكائنات حتى الجمادات فهو رحمة للعالمين فهذا ليس استثناء وانما هو على القواعد فانجذاب الكائنات الجمادية لرسول الله حقيقة وهذا هو مفاد الروايات التي تقول عرضت ولايتنا على الجمادات والنباتات فيجب قراءتها بهذا المعنى فليست هي قضية استثنائية وقضية في واقعة وانما حديث متواتر عن النبي فهو عبارة عن منظومة من الدين لان النبي اوتي جوامع الكلم فكل حديث نبوي متواتر او مستفيض يستحق ان تكتب فيه موسوعة من ابواب علوم الدين لان سيد الانبياء اوتي جوامع الكلم وجوامع الحقائق .

فاذن رعاية النبي شاملة للكائنات الجامدة فهذه الزيارة التي رواها الشيخ الطوسي في التهذيب بكم تنبت الأرض وبكم تنزل السماء المطر وبكم تسبح الأرض وبكم يبدأ الله وبكم يختم يعني جعلهم الله السبيل التكويني فهذه الشفاعة التكوينية ليست اعتبارية فليس الشيخ من الغلاة فعلماء النجف قبل ثمانين سنة يدمنون على هذه الزيارة لسيد الشهداء التي في بدايتها السلام عليك يا حجة الله وابن حجته فبكم يجري الله وبكم تسبح الارض فهذا فعل الارض وفعل السماء وتسبح هو فعل ادراكي شعوري فتحصر المعرفة للارض بسببكم فكل جملة هي منظومة معلومات وليس فقط رواها الشيخ الطوسي بل حتى الشيخ المفيد وكل هذه السلسلة العباقرة رووها فهل هؤلاء كلهم لا يفهمون وانت تفهم?

حديث الجذع عند الفريقين هو رأفة الرسول بالجذع ورسول الله تشفع له بكمالات في الاخرة فلاحظ كمالات المخلوقات غير البشر وغير الجن برسول الله فشفاعة رسول الله حتى للجمادات فهذا الحديث هو موسوعة متواترة .

من ضمن المعاني الموجودة في هذا الحديث المتواتر انه ابكي حتى المنافقين في المسجد فالكل ضج بالبكاء وكل ما يبكون يزيد صوت الجذع على بكائهم فلا تقل العزاء يجب ان يكون هادئا انت انظر الى الجذع وضجيجه فكلما ازداد ضجيج الناس في المسجد علا صوت الجذع فوق صوتهم فلاحظ هذا الحديث فيه كنوز من المباحث في العلوم الدينية هذا الحديث نفسه أصل ما رواه الشيخ بكم بكم انت لماذا تلاحظ الحديث بمفرده? لماذا تكون متعجرفا تقطع الحديث عن منظومة الدين وانما انسب الحديث لمنظومة محكمات الدين سترى الامر عيانا واضحا بديهيا .

مشكلتنا في المنهج انه بتري مشكلتنا في المنهج كيف يفهم? الشيخ المفيد والسيد المرتضى وابن ادريس وابن حمزة وابن براج والحلبيون وابن زهرة وكل القدماء يحاربون منهج الاحاد انت اذا لاحظ الدين لوحده فهذا اكبر خطأ وانما لاحظ المنظومة كلها .

نحن مشكلتنا في المنهج فماذا يقول الرسول في هذا الحديث المتواتر? كل ما يدخل الانسان في هذا الحديث يطلبه عقلا وقلبا حيث الرسول يقول ارأيتم حنين هذا الجذع? لاحظوا كيف عنده روح و رقة لا انه شيء استثنائي فمنظومة القرآن تقول ان الجمادات ليس فيها استثناء وانما كلها ارواح حية سميعة بصيرة افرأيتم كيف حنين وانين هذا الجذع لرسول الله? هذا هو الذي افترضه الله عليكم من المودة لي ولالي ولكن المشكلة ان المخاطبين اجلاف يعني هذا الحد الذي نسميه افراط نحن قساة القلوب هذا هو ادنى الفريضة من فريضة المودة التي هي اعظم فريضة في الدين وهذا هو السقف الادنى وليس السقف الاعلى ولكن انتم حتى السقف الادنى لا تأتون به ولا تؤدوه فقلوبنا قاسية معاندة فيها رعونة وليس فيها ليونة لله ولرسوله ولال الرسول .

طبعا اصعب شيء في الانسان هو قلبه اما بدنه وحركاته هذه ديكور لكن اللب فيها هو قضية القلب تجد عنده تنفر وتبرم ورعونة في القلب وليس فيه تسليم وخضوع اني خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحي يعني هو قناة وحيانية نفخت فيه من روحي يعني هناك قناة وحيانية فقعوا له ساجدين يجب ان يكون عندكم خضوع تام ، فقعوا وليس فقط اسجدوا فهي اشد من اسجدوا يعني الخضوع يجب ان يكون فوريا بلا تلكؤ وبلا تمجمج وتسليم وانقياد صارم بلا اي تلكؤ وتمجمج والا يعتبره الله تمردا .

لاحظ الطاعة الذي يريدها الله لنا ان نطيع خلفائه واوصيائه والائمة فلا نتمجمج ولا نتلكأ فقعوا له ساجدين .

احد اسباب تأخر الظهور انعدام هذه الروحية وهذا الوعي وهذه المعرفة وهذه العقيدة في صاحب الزمان لاحظ تمجمج الامة على امير المؤمنين في صفين وفي النهروان وفي الجمل وفي السقيفة هذا التمجمج هو المانع يقول اللا مأمون العباسي للامام الرضا لما راى الصورة الجامدة كيف تكون حية وتبلع ذلك المستهزئ كذلك في الامام الكاظم والامام الهادي وفي جملة من الائمة ورد ذلك فقال اللامامون ايطيعكم كل من خلقه الله ? قال نعم الا هذا البشر المنكوس والمتمرد والا البقية كلهم لهم طاعة لان طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة الائمة من الدين .

اذا تقول هذه الروايات موضوعة اذن القرآن موضوع كلا هذه الروايات كلها لها تأصيل قرآني لكن انت لا تفهم ولا تهتدي الى تأصيلها القرآني فهذه الروايات ان لم نثبت لك اصلها وتأصيلها القرآني تفتتن فيها فيندك رأسك بالقرآن فيصير تمردك على القرآن .

هنا نكتة منهجية لطيفة انه من المهارات العظيمة في فهم الدين والقرآن الكريم بينها ائمة اهل البيت وهم متمكنون من ذلك بشكل تام ان المعادلات سواء في القرآن او في الاحاديث المتواترة والمستفيضة كل جملة هي معادلة علمية وحيانية بل هناك بيان لاهل البيت ان كل كلمة معادلة وحيانية ولكن هذا امر صعب مستصعب دعونا نبقى في كل جملة والا باقر العلوم وباقر المعجزات يقول كلمة الصمد بمفردها استخرج منها الدين والشرائع كلها .

فالمنهج الذي يبينه اهل البيت في العلوم الدينية عموما سواء في التفسير وفي الكلام وفي الفقه وهو انه انت اي معادلة او اي جملة اذا تضمنها لجملة في سورة اخرى بينهما ارتباط اصغر وسط اكبر ستكشف خفايا ما كنت لتلتفت له لولا هذا النظم والنضد .

لاحظ لا اكراه في الدين وربطه مع وان من شيء الا يسبح بحمده هذا شريطة الغور في لا اكراه في الدين وفي الاية الثانية بغور واذا تضم اليها منظومة متشابهة من الايات في سور عديدة ستحصل على كتلة منظومية هائلة خطيرة متناسبة متناسقة لذلك اهل البيت في المنهج التفسيري يقولون اياك اياك ان تحبس مفاد الاية بالسياق وهذا مبتلى به كل المفسرين حتى العلامة الطبطبائي والسيد الخوئي بينما الائمة يقولون سبب ان علماء الامة لا يدركون القرآن لانهم يحبسون انفسهم بالسياق فحتى سياق الاية خطأ لانه قد الاية تشمل على عشر جمل فمن الخطأ ان تحبس الاية في سياقها لان الاية قد مرتبطة بشبكة من المعادلات والجمل الاخرى في سور عديدة .

فلاحظ منهج نظام ليس الموضوع الواحد فقط فمنهج منظومة نظام ترابط فاذن عملية انضمام جملة مع جملة ومعادلة مع معادلة ولو في ايات اخرى تري الخفايا واسرار مهولة في القرآن وهذا منهج عظيم في التفسير وفي علم الكلام وفي علم الفقه وفي علوم كثيرة ذكرها اهل البيت وهي توقف الانسان على امور كثيرة جدا فالتفسير التجزيئي جيد لكن هو ليس كل شيء وكذلك تفسير اسباب النزول والتفسير الموضوعي والتفسير اللغوي هذا كله جيد ولكن ليس هو كل شيء وانما المرتبة الاعلى من التفسير هو هذا التفسير المنظومي الذي يعتمد على المحكمات فهن ام الكتاب فهذه المنهجية نجريها في لا اكراه في الدين .

لاحظ حقائق عظيمة عجيبة في الدين وهذه هي شغلة الفقيه سواء في التفسير في الكلام في الفروع في الاصول في السيرة ينظر للاشياء منظوميا وهذي نكتة مهمة في التناسق لا تنظر للاية في سياقها والا اي سياق واحد هذا انه ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾[2] مع ما قبله من قوله ﴿يا نساء النبي لستن كاحد من النساء﴾[3] ؟ فهناك تقديس وهنا تهديد ووعيد فعدة امور في هذه الاية في ضمن السياق لا ربط لها وانما هذه الاية مرتبطة بشيء اخر وهو ﴿لا يمسه الا المطهرون﴾[4] فهذه الاية ذيلها تبرق نورا وتعظيما واحتراما وصدرها فيها وعيد وتهديد من يأتي منكن بفاحشة مبينة فالذي يخاطب بمعصية الفاحشة كيف يقول له الله ويطهركم تطهيرا هذا تناقض واضح فهنا الله يبعد عنكم كل السوء وكل رجس ولكن قبله يقول من تاتي منكن بفاحشة مبينة عذابها ضعفين فهذا المخاطب غير ذاك والحر تكفيه الإشارة!

 


logo