« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

47/07/08

بسم الله الرحمن الرحيم



 

الموضوع: الرشد (14) / الاختيار في الدين في كل العوالم والعالمين

 

لا زلنا في هذه الجملة الكريمة من ايات الكرسي ﴿لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾[1] ومر بنا انه لا اكراه في الدين مثيلاتها في الايات الاخرى متعددة كقوله تعالى انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر فايات كثيرة تدل على ان الايمان هو بالقلب وليس امرا الجائيا لان فلسفة الامتحان في عالم الامتحان هي الاختيار وهذا الاختيار تجده في كل العوالم سهلا او صعبا يعني حتى في جهنم امتحان لكنه صعب مستصعب كالمستحيل .

هذه هي المعاجز العلمية في كلام أمير المؤمنين وتجدها في دعاء كميل ودعاء الامام زين العابدين المعروف بدعاء ابي حمزة الثمالي فاهل البيت هم المتلألئون نورا لاحظ امير المؤمنين يبين لنا كيف يعالج العبد ذنوبه وهو في النار الابدي ، لئن ادخلتني النار لاعلمت اهلها اني احبك[2] ، فمن الان اهل البيت يعلمونا ما هي الادوية ولو هذا الدعاء هو دواء مر جدا لكن يفيد في كل موقف في الدنيا وفي البرزخ .

ان استطعت ان تتضرع وانت في الموت يؤثر ولكن شريطة ان يكون بصدق لا بكذب لكن مشكلة الملكات السيئة انها تسبب رعونة في الانسان بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وربما في جهنم تمر على الانسان احقاب واحقاب وكل حقبة بكم مئة الف سنة كي تذوب هذه الملكات الخبيثة فيه شبيه الحديد الذي فيه خبث ويجعلوه في كورة النار لاجل التصفية فهذه رحمة وعطفا من الله ان يذيقهم العذاب لكي يصفوا من ملكات الخبيثة .

فبالتالي قوله عليه السلام لان ادخلتني النار لاعلمت اهلها اني احبك يدل على انه من يدخل النار واستطاع ان يتداوى بهذا الدواء فسينجو، اقسم صادقا لان تركتني ناطقا لاضجن اليك بين اهلها ضجيج الاملين ولاصرخن اليك صراخ المستصرخين ولابكين عليك بكاء الفاقدين ولانادينك اين كنت يا ولي المؤمنين يا غاية امال العارفين يا غياث المستغيثين يا حبيب قلوب الصادقين ويا اله العالمين .[3]

هذه كلها ادوية فايها المذنب ادويتك هي هذه وانت في النار فضلا عن البرزخ او القبر او الدنيا فلا ييأسنك ابليس او يخدعك عن الدواء المعالج لا اكراه في الدين حتى في جهنم .

هناك رواية معتبرة على مبنى اعتبار الطريق موجودة في الوسائل في كتاب الصلاة في باب الدعاء لان ابواب الصلاة صاحب الوسائل ضمنها عبادات قلبية فهي ابواب مرتبطة بالعبادات القلبية ويوم امس مر بنا انه عندنا اعتكاف جسماني وهناك اعتكاف عقلي قلبي ويمكن ان يستمر طول الزمن لا فقط بثلاثة ايام في رجب شريطة ان تعكف على العترة الطاهرة وهذا لا يعني انك لا تطلع على الاخرين اطلع لكن عكوفك ومستمسكك وعروتك الوثقى هم العترة الطاهرة .

لذلك مر بنا ان كتاب الوسائل ليس فقط كتاب فروع وحرام وحلال ولا نتوهم انه كتاب فروع فقهية بدنية وانما الوسائل فيه فقه القلوب وفقه العقائد فاعظم المسائل في العقائد حدودها موجودة في بيانات اهل البيت في كتاب الوسائل فهو ليس كتاب حدود فقط وانما يضم كل العلوم الدينية حتى علوم القرآن موجودة في الوسائل .

هكذا الحال في الكتب الاربعة فالكثير يظن انها كتاب فروع لكن هذا حرام علميا ان نتوهمه في الكتب الاربعة انما هذه الكتب مملوءة بكل العلوم الدينية بل اشد المقامات خطورة في معارف اهل البيت موجودة في الكتب الاربعة وغيرها.

طبعا يجب ان لا نخدع باسم الكتاب الذي هو من فتوى المؤلف مثلا المؤلف يقول هذا الباب كذا انت تلاحظ الروايات تجدها ليست فقط مرتبطة بهذا الباب وانما مرتبطة بابواب كثيرة غفل عنها المؤلف نفسه من ثم تسمية هذا الباب بفتواه لكن انت لا تقلده في فتواه انت نفسك اجتهد سترى الشيء العجيب، نعم الكليني والصدوق والطوسي معظمون لكن استنباطاتهم واراؤهم العلمية شيء والمادة العلمية الوحيانية شيء اخر .

مر بنا محمد بن الحسن الخزاز القمي زميل الشيخ الصدوق او تلميذه اورد روايات كثيرة هو كان يظن انها تقتصر فقط على النص على الائمة الاثني عشر نعم هذا المطلب صحيح لكن الروايات الواردة لا تقتصر على هذا المطلب العظيم وانما فيها علوم الدين كله .

الشهيد الثاني في شرح اللمعة اذا اتى برواية اوردها المشهور في الاستدلال على المسألة يقول صحيح هذه الرواية دالة على هذه المسألة ولكن في هذه الرواية عشر فوائد لابواب اخرى هنا نذكرها، مع انه ليس لها ربط بهذه المسألة لكن يقول لاجل الا نغفل عن فائدة هذه الرواية عن الفوائد الاخرى في الابواب والمسائل الاخرى اذكر فوائد هذه الرواية ، ان منهجه صحيح انك لا تفكر ان هذه الرواية فقط محصورة ومسجونة ومقصورة على الاستدلال الذي استدل به العلماء وانما هي تفيد في مواطن عديدة اخرى .

هذه كلها نكات في علم الحديث .

نرجع الى ان صاحب الوسائل في كتاب الصلاة أورد الرواية في ابواب ليست محبوسة وانما اعظم واوسع واعم من الصلاة مثل ابواب الدعاء هي غير مخصوصة بالصلاة وانما الدعاء عبادة تشريعية فوق الصلاة وانما الاخيرة متولد من الدعاء او من العبادات الاخرى فالاجناس الفوقية للعبادات اعظم من نفس الصلاة مثل الدعاء مثل الذكر مثل قراءة القرآن مثل الركوع والسجود والقنوت هذه عبادات هي اعم من الحج ومن الصلاة ومن الصوم فهذه نكتة منهجية علمية دوما ننبه عليها في علم الحديث كي نعرف خطورة علم الحديث في تبويب هذا العلم وهو جدا خطير .

مثلا لاحظ ابواب اداب العشرة حشره صاحب الوسائل في الحج مع انها ليست محبوسة بالحج وانما هذه المعاشرة مربوطة بالنظام الاجتماعي وفقه المجتمع وهذا شيء غير محبوس بالحج وانما الاخير نموذج من نماذج التلقي الاجتماعي ولكن للاسف التبويب الفقهي الى الان لم يبوب فيه فقه الاجتماع والمفروض هذا الجيل المعاصر يفتح باب فقه الاجتماع وفقه المجتمع حيث يزج فيه ابواب اداب العشرة فبابها الاصلي هو هذا وليس فقط الحج .

فالخلاصة انك لا تنخدع ولا تقلد المؤلف في التبويب الذي عنونها المولف فعلم الحديث اوسع من هذا بكثير وهذه نكتة جدا مهمة ، فالحر العاملي في ابواب الدعاء في كتاب الصلاة في الوسائل اورد هذه الرواية انه هناك شخص مكبوب على وجهه في جهنم احقابا من السنين ومنكوس عجيب غريب فيخطر على قلبه ان يصلي على النبي واله فبعد هذه وبعد ان صفيت ذاته ونفسه يأتيه خاطر نوراني على الصلاة على النبي واله فيصلي فيأمر الله جبرائيل ان ينقض فورا في جهنم ويستنقذ هذا الرجل فيأتيه النداء من الله ان لو صليت على النبي والال قبل ذلك لانجيتك .

لاحظ ان الانسان لما يكبل بالملكات الخبيثة تكون حاجبا وقيود وغل حتى عن الصلاة على النبي والال والا هذه الصلاة على النبي ليست سهلة وانما هو امر صعب جدا في حال اذا صار الانسان متنجسا بالذنوب والقذارات تجعل له رعونة وعناد ونفور عن النور نرجع لبحثنا اصلي ان الاختي في العوالم حتى في جهنم موجود ﴿لا اكراه في الدين﴾ لكنه يصعب شبيه من يتعود على المخدرات في البداية قبل ان يغرق فيها سهل ان يتجن ولكن بعد ما يرتكب يصعب عليه شيئا فشيئا لكن بعد ما يدمن فالا ان يمر بمرارة الموت فلعل وعسى ان يترك فالذنب كلما تجذر في الانسان يكون الاقلاع عنه اصعب فاصعب نعم في دار الدنيا الاقلاع عن الذنوب امر سهل .

فالمراد بغلق باب التوبة هو هذا يعني التوبة اليسيرة تغلق فتصير التوبة صعبة واذا لم يتب فالتوبة الصعبة تغلق فتكون التوبة اصعب واذا لم يتب تغلق التوبة الاصعب فتصير بالصعب الصعاب لذلك عندنا اربعين شيء تغلق باب التوبة اذا فعل كذا يغلق باب التوبة فالناس تتساءل كم مرة تغلق باب التوبة? انه بهذا اللحاظ .

او مثلا اذا مات يغلق باب التوبة او اذا عاين ملك الموت يغلق باب التوبة فاي توبة يقصد? او اذا نفخ في الصور يغلق باب التوبة ؟ فكم مرة تغلق باب التوبة? او عندما تبدأ الرجعة تغلق باب التوبة وبظهور الصاحب تغلق باب التوبة ، وهذا روايات مستفيضة .

فاسهل مواطن التوبة هي دار الدنيا لذلك الدنيا من هذه الجهة عظيمة ان الاختيار فيها سهل يسير اما اذا يصعد للعوالم الاخرى يشتد ويصعب الاختيار فالملكات تكون مكبلة لروح وارادة وقلب وفكر الانسان بل حتى ببصره لاحظ هذه النقطة اللطيفة في لا اكراه في الدين ومر بنا مرارا في بيانات اهل البيت ان الدين في جهنم هو الدين ووظيفة الدين موجودة وكذلك في الجنة الدين هو الدين وفوق الجنة عرج برسول الله وتحت العرش وفوق العرش الدين هو الدين ولا اكراه في الدين يعني الاختيار في الدين في كل العوالم سواء نورانية او ظلمانية لان الدين كما مر بنا بادلة مفعمة في بيانات اهل البيت والقرآن الدين وظيفة في كل العوالم نعم الشريعة مقتصرة على دار الدنيا والبرزخ والموت والرجعة وتنتهي الشريعة بقيام عوالم القيامة اما الدين فوظيفة موجودة في كل العوالم .

اصل الصلاة من الدين لكن تفاصيل الصلاة مربوطة بالشريعة اما اصل الصلاة فحتى في الجنة موجودة لانها من الدين اما كيفيتها بحث اخر كذلك الصوم في الجنة موجود كالصوم القلبي كما يقول الامام الباقر او الصادق بان تمسك عن غير الله وتتجه الى الله كذلك الحج في الجنة موجود بان تقصد نور النبي وتطوف حوله وعندنا في الروايات ان انوار الانبياء طافت حول نور سيد الانبياء كذا الف من السنين في عالم الانوار فالطواف هو المركزية ويقول الامام الصادق ان يحوم القلب حول الله والرواية في الوسائل موجودة في العبادات .

كما مر بنا عندنا اعتكاف فكري عقلي قلبي بدني فانت ربما تكون معتكفا بدنا لكن لا معتكفا فكريا لكن لما تجمع يصير اكمل يكون اعتكافا بدنيا وفكريا ونفسيا وقلبيا اذن لا اكراه في الدين ليس في بحث الشريعة وانما في نفس الدين وعموما لكل العوالم ولكل المخلوقات ولكل مخلوق بحسبه ان كل الا اتي الرحمن عبدا يعني كل المخلوقات وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن هنا لا تفقهون تسبيحهم او هي امم امثالكم فهذه تدل على ان كل هذه الكائنات ذات شعور وانت تقول ان الكائنات جمادية عديمة الشعور كلا بل نحن عديمي الشعور بحياة اولئك .

البعض يشكل على الروايات التي تقول ان الله اخذ الولاية على الجمادات ويقول هذه موضوعة تقول لعل عقلك موضوع او يقول هذه الرواية زخرف نقول لعل عقلك مزخرف انت حدود علمك فيه زيف انظر الى القرآن ماذا يقول حيث يؤكد ان الكائنات الجمادية لها شعور ، اذ قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ؟ يوم نختم على افواههم وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون فلم تقل الاية كيف علمتم وانما قالت لم شهدتم? يعني العلم مفروغ عنه وانما الكلام في اداء الشهادة قالوا انطقنا الله وما قالوا اعلمنا الله يعني نحن نعرف ونرى ولكن ساكتون ﴿، وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾[4] .

فهذه بديهيات منطق القرآن ان الجمادات شاعرة كائنة حية فلا تشكلن بان كيف الولاية اخذت على الجمادات ؟ نقول التوحيد قد اخذ وهو اعظم من ولاية اهل البيت اذن المخاطب بالدين بنص ايات القرآن ليس فقط البشر والجن والملائكة بل حتى الحيوانات بقدر ما يشعرون . ثم انظر ماذا يقول الهدهد? عليه قصة رومانسية ثم هذه المخاصمة بين الجلود وصاحبها ونزاع ومقاضاة ما معناها .

اذن المخاطب بالدين هو كل الكائنات سواء عرفت ام لم تعرف يا ايها الذين امنوا ... وكل الكائنات فيها المؤمن والكافر فانت قبل ان تستنكر على الروايات انظر الى الايات واعرف تأصيلها القرآني لكنك ذهبت وتعلمت القرآن عند غير مدرسة اهل البيت فما فهمت القرآن بل ابتعدت عنه ذهبت للسدي ومجاهد تعال الى القرآن تجد ظاهره يبين لك حقائق وليست تأويلات تعبدية هذه المشكلة الموجودة في هذه النظرة ان روايات اهل البيت تأويلية لا ربط بظاهر القرآن نقول هي اساسا تتصدى لتعليم بنية الظاهر وتبين لنا حقائق الظاهر .

اذن هذه اية عجيبة في القرآن لا اكراه في الدين انه ما هو الدين ولمن الدين? ومن المخاطب بالدين? هذه كلها بتعليمات اهل البيت بما في منظومة القرآن قد تبين الرشد من الغي طبعا الاختيار في الكائنات مختلف وليس درجة واحدة لان علم الكائنات ليس على درجة واحدة وكذلك قدرتهم ، لذلك الثقلين من الجن والانس اعطاهم الله علم وقدرة واختيار اكثر من غير فامتحانهم بالشريعة اكثر ، حيث تجد الملائكة لم يجعل الله فيهم الشهوة والغضب لكن ركب في الانس والجن الشهوة وصار امتحانهم اشد لا انهم لا يمتحنون .

مثلا معروف في علم الكلام ان الملائكة ليس عليهم امتحان وهذا خطأ او ان الملائكة مجبرين وهذا خطأ وانما الملائكة يزدادون بعبادتهم لربهم علما فاذن لا اكراه في الدين المخاطب به كل الكائنات وكل بحسبه وبدرجته .

نحن اردنا ان نواصل بقية الايات في الرشد لكن هناك مقدمات كثيرة مطوية تعرضنا لها .

 


logo