48/04/25
عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات وقاعدة التسامح والعمومات الفوقانية/حمل المطلق علی المقید فی المندوبات /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/حمل المطلق علی المقید فی المندوبات /عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات وقاعدة التسامح والعمومات الفوقانية
مرَّ بنا أنَّ المشهور في باب المندوبات — سواء أكانت تعبّدية أم توصّلية — لا يذهبون إلى حمل المطلق على المقيّد، ولا يلتزمون بتقييد المطلق بالمقيّد سواء كانا متوافقين أم متخالفين، بل يحملون الأمر بالمقيّد على تأكّد الاستحباب أو تعدّد المطلوب[1] . والوجه الذي استند إليه كثيرٌ من الأعلام في هذا الباب هو التمسّك بقاعدة التسامح في أدلّة السنن وقاعدة البلوغ[2] ، بدعوى صدق عنوان البلوغ على المطلق وأنه قد بَلَغنا.
الإشكالات على الاستدلال بقاعدة التسامح في عدم التقييد والرد عليها
وقد أورد الأعلام على هذا الاستدلال عدّة إشكالات:
• الإشكال الأول: وهو إشكالٌ مبنائي أثاره المعاصرون، وحاصله: أنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن إنما تجري في التسامح في طرق الروايات وأسنادها لا في دلالتها؛ إذ توجد جهاتٌ وأبعاد متعددة في الرواية: الطريق، وجهة الصدور، والدلالة والمدلول. ومع أنَّ شرائط الاستنباط والاستدلال في باب المندوبات أخفّ منها في باب الواجبات، إلا أنهم خصّوا الاستدلال بالقاعدة بموارد الخلل في الأسناد دون الدلالة.
والردّ عليه: أنَّ هذا الإشكال يختصّ بمتأخري الأعصار والمعاصرين، في حين أنَّ مبنى المشهور وطبقات الفقهاء المتقدّمين — بل حتى الشيخ الأنصاري في موارد عديدة في الفقه[3] — يقرّرون أنَّ أدنى إشعار في الدلالة في باب المستحبات كافٍ في إثبات مشروعيّة المندوب؛ فقاعدة التسامح في أدلّة السنن عندهم أعمّ من ضعف الطريق وضعف الدلالة، والتوسّع في مشروعيّة المندوبات لديهم ليس كشأنه في باب الواجبات، فكان هذا إشكالاً مبنائياً محضاً.
• الإشكال الثاني: وهو إشكالٌ مبنائي آخر، مفاده: أنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن عند المعاصرين في القرنين الأخيرين لا تثبت المشروعيّة ولا الاستحباب الشرعي، وإنما مفادها حسن الاحتياط العقلي أو الانقياد، وهذا أيضاً إشكالٌ مبنائي غير تامّ.
• الإشكال الثالث: وهو أنه لا يصدق عنوان البلوغ؛ لأنَّ المطلق قد قُيّد بالمقيّد، فكيف يصدق أنَّ المطلق قد بلغنا، سواء أكان القيد منفصلاً فضلاً عن كونه متصلاً؟ فإذا بنينا على تجاوز الإشكالين السابقين، بالتسليم بأنَّ قاعدة التسامح تعمّ الدلالة وتفيد المشروعيّة، يبقى هذا الإشكال الثالث وهو عدم صدق البلوغ مع ارتفاع ظهور المطلق بالتقييد.
• والجواب عن هذا الإشكال: أنَّ المعاصرين في علم الأصول قرّروا بالنسبة إلى المخصّص أو المقيّد المنفصل أنَّ ظهور المطلق لا يتزعزع بوروده، فيصدق عليه البلوغ الموضوعي والوصولي. بل يرى جملةٌ منهم أنه حتى في المقيّد المتصل، حينما يُسأل: لمَ عبّر الشارع بالمطلق والمقيّد معاً ولم يقتصر على المقيّد ابتداءً؟ يجيبون بأنه وإن تزعزع المعنى الجدّي أو التفهيمي للمطلق، إلا أنَّ المعنى الاستعمالي محفوظٌ جزماً؛ وتأسيساً على ذلك، فإنَّ الظهور الاستعمالي للمطلق باقٍ ومتحقق، فيصدق بلوغ المطلق بناءً على الدلالة الاستعماليّة أيضاً.
إنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن[4] مفادها أنّه لا حاجة إلى قيام الدلالة الجدّية في باب المندوبات، بل مجرّد قيام الدلالة الاستعمالية أو التفهيمية كافٍ في ذلك.
وبعبارة أخرى: إذا بنينا على الإغماض عن الإشكال السابق — وهو المتعيّن لكونه إشكالاً مبنائياً — فإنَّ قاعدة التسامح تجري في جهة الدلالة أيضاً؛ بمعنى أنَّ احتمال الدلالة كافٍ، تماماً كما أنَّ احتمال الصدور كافٍ مع وضوح جهة الصدور، فيكون احتمال الدلالة من حيث كونه وصولاً كافياً، وهذا دأب مشهور الفقهاء في باب الدلالة؛ إذ يرون أنَّ أدنى إشعار في الدلالة — وإن لم ينعقد له ظهورٌ تامّ — كافٍ في تشريع المندوبات واعتباره مدركاً لها.
والنتيجة: أنَّ هذا الإشكال الثالث غير واردٍ حتّى على مباني المعاصرين؛ إذ الوصول التكويني مغايرٌ للبلوغ بمعنى الحجّية، وثمّة فرقٌ بيّنٌ بين البلوغ التكويني والبلوغ الاعتباري، وإلا فإنَّ البلوغ محتملٌ جزماً وليس بمقطوع العدم.
إفادة قاعدة التسامح للمشروعية وابتناؤها على العمومات الفوقانية
وقد تقدّم في باب أدلّة المندوبات المشتركة الجامعة ماهوياً مع الواجبات، أنَّ المورد ليس مجرىً لقاعدة التسامح في أدلّة السُّنن، ولا هو من موارد تعدّد المندوبات، وهذا هو مسلك المشهور، وهو مبنىً رصين.
والنكتة في ذلك: ما قرّرناه سابقاً في قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن؛ إذ ألّفنا فيها قبل نيّفٍ وثلاثين سنة رسالةً سديدة احتفظنا بها، وأوردنا فيها شواهد عدّة — تناهز سبعة شواهد دامغة — على أنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن لا تقتصر على مجرّد حسن الاحتياط العقلي، بل هي في حقيقتها تشريعٌ مجعولٌ من قِبل الشارع، وعنوانٌ ثانويٌّ — وهو عنوان «البلوغ» — لتشريع الاستحباب، وظلّت هذه قناعتنا ردحاً من الزمان.
ثمّ عنّ لنا في السنتين الأخيرتين وجهٌ آخر داعمٌ لإفادة قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن للمشروعية، مع بقاء ما قرّرناه سابقاً على متانته ورصانته؛ فلا خللَ فيما سلف، بل انضمّ إليه ما هو آكدُ منه ويُعدّ أساساً له؛ وهو ما تحصّل لدينا مؤخّراً عند استقراء كتاب «وسائل الشيعة»، حيث تبيّن التفات صاحب الوسائل إلى هذا الوجه الثاني؛ وما رامه (قدّس سرّه) [5] متينٌ للغاية؛ ومفاده: أنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن — بالدقّة التحليلية — ليست هي مبدأ التشريع وأصله، بل مبدأ التشريع إنّما هو العمومات الفوقانية، ومثلُ هذا التعبير لم نقف عليه صريحاً عند المتقدّمين كالشيخ الكليني أو الشيخ الصدوق أو الشيخ الطوسي، ولا لدى مشهور الفقهاء؛ إذ لم يُفصحوا عنه بهذه البلورة التامّة وإن كان ثابتاً في ارتكازهم الفقهي، والوحيد الذي وجدناه قد صرّح به هو صاحب الوسائل (رحمه الله)، حيث قيّد قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن بما كان مشروعاً في نفسه.
وعليه، فإنَّ قاعدة التسامح في أدلّة السُّنن تُضفي على العمل تشريعاً خاصّاً بالورود يكون سائغاً للمكلّف.
وبيانه: أنَّ الأعلام في باب الصلاة وسائر العبادات في أبواب فقهية متعدّدة يقرّرون أنَّ المشروعية:
• تارةً تثبت بأدلّة عامّة؛ ومثال ذلك: جواز ذكر الله تعالى في الصلاة مطلقاً[6] ، فإذا ظفر المكلّف بذكرٍ معيّن أتى به في ركوعه أو سجوده أو قنوته أو تشهّده، وكان إتيانه به سائغاً مشروعاً لاستناده إلى العموم الفوقاني القاضي بمشروعية مطلق الذكر.
• وتارةً أخرى تقترن بورود رواية خاصّة تنصّ على الإتيان بهذا الذكر الخاصّ في خصوص السجدة الثانية مثلاً؛ فذهب جمهور الأعلام من المتأخّرين — وامتدّ هذا المسلك إلى الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وصاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، والمحقّق النائيني، والسيّد الخوئي — إلى أنّه يُقصد بهذا الذكر المخصوص الأمر الوارد بخصوصه، وهو ما يصطلحون عليه بـ «قصد الورود»[7] .
المقصود بقصد الورود: [8] أنَّ شرعيّة هذا الذكر قد ثبتت بدليل خاص؛ إذ إنَّ مدلول عبارة «بقصد الورود» في أبواب العبادات — سواء أكان ذلك في الصلاة أم في غيرها من الموارد — ينصرف إلى مسوّغ نيّة كونه مأموراً به بطلب خاص، في حين أنَّ الأفعال والأذكار التي شُرعت بنحو العموم، ولو كان عموماً خاصّاً بباب الصلاة، لا يسوغ الإتيان بشيء منها بخصوصه متعيّناً بقصد الورود، وإلّا لكان تشريعاً محرّماً يترتّب عليه بطلان الصلاة في بعض الموارد دون بعض.
والحاصل: أنَّ الأعلام، بدءاً من عصر المحقق الحلي[9] — أو ما قاربه — إلى زماننا هذا، يشترطون قصد الوجه وقصد التمييز[10] ؛ ومقتضى ذلك النظر في الأمر الممتثَل والمطاع: هل هو أمر خاص أم عام؟ ولا يصحّ بحال امتثال الأمر العام بوصفه أمراً خاصّاً، وهو الذي يقع التعبير عنه بقصد الورود. فإذا انتفى قصد الورود وكان الفعل مستنداً إلى دليل عام في الصلاة — بل ذهب كثير من الأعلام إلى ثبوت دليل عام أوسع دائرةً من الصلاة يشمل سائر العبادات — فلا محذور حينئذٍ في الإتيان به بنيّة عباديّة مشروعة تحت مظلّة الشرعيّة العامة؛ نظراً لدقّتهم وتحرّزهم الشديد في النيّة العباديّة ومناط المشروعية بين كونه أمراً خاصّاً أو عامّاً.
ويتفرّع على ذلك: أنَّ هذا التدقيق والتحرّز البالغ يفيدنا في تأسيس المطلب؛ إذ إنَّ جملةً من أجزاء الصلاة لم تثبت بأمر مجعول ابتداءً من الله سبحانه، وإنما شُرعت بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بضرورة المسلمين، ومن ذلك الركعتان الثالثة والرابعة في الصلوات الرباعية المفروضة، حيث كان تشريعهما سنّةً من النبي (صلى الله عليه وآله). وبناءً على ما قرّره المتأخرون عبر القرون السالفة، لا يتأتّى للمكلف أن ينوي كونهما بأمر مباشر من الله تعالى، بل ينبغي أن تكون نيّته: «أصلّي صلاة الظهر طاعةً وقربةً وامتثالاً لأمر الله وأمر رسوله» في النيّة العباديّة التي هي حقيقة العبادة وروحها؛ إذ لو قصد امتثال أمر الله سبحانه وحده لكان ذلك تشريعاً وبدعةً، لكون الركعة الثالثة في المغرب أو الركعتين الأخيرتين في الرباعيات لم تنزل بالأمر المباشر في أصل الفريضة، بل ثبتت بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بضرورة المسلمين، وهو حكم متسالم عليه في صحاح أهل الخلاف كما هو ثابت برواياتنا المستفيضة.
والنتيجة: أنَّ جملةً من أجزاء الصلاة لمّا كانت سنّةً بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)، تعيّن على المكلف قصد كونها سنّةً واجبةً لا فريضةً واجبة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنَّ جملةً من أجزاء الصلاة وشرائطها قد شُرعت بأمر أهل البيت (عليهم السلام)، لا بالنص الصريح عن النبي (صلى الله عليه وآله) ولا كفريضة في محكم القرآن الكريم، ورُتّبت عليها آثار شرعيّة متفرّعة على القاعدة المقرّرة: «لَا تَنْقُضُ السُّنَّةُ الْفَرِيضَةَ»[11] ؛ إذ تبيّن بذلك أنَّ كثيراً من أجزاء الصلاة وشرائطها، وكذا في الطواف وسائر العبادات، قد جُعلت بأمر أهل البيت أوصياء النبي (عليهم السلام).
ومآل القول: إنَّ التوجّه في صلب نيّة الصلاة توجّه طولي؛ فالغاية القصوى والمقصود بالذات هو الله تبارك وتعالى، بيد أنَّ بابه وسبيله هو أمر رسوله وأمر أهل البيت (عليهم السلام). فالمصلّي في صلاته متوجّه إلى الله وإلى رسوله وأوصياء رسوله، متوجّه إليهم وبهم إلى الله عزّ وجلّ، وهذه حقيقة راسخة في نيّة الصلاة وفي سائر العبادات من طواف وحج وعمرة؛ إذ لا ينحصر الأمر في طاعة الله وحده، بل يتعدّاه إلى طاعة الرسول وأولي الأمر المعصومين (عليهم السلام)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[12] . وحكم الطاعة هذا لا ينحصر في الشأن السياسي فحسب، بل يسري في العبادات أيضاً، وفي كل باب من أبواب العقائد والسياسة والدين برمّته؛ فإنَّ الدين ينتظم الفروع والعبادات والسياسة والعقائد والأخلاق، ومقتضى الديانة الجمع بين طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر أوصياء الرسول (عليهم السلام).
وطاعة الرسول وأولي الأمر أوصياء الرسول (عليهم السلام). ومن هنا، فإننا نقرأ في زيارة عاشوراء مضامين جمّة نتدبّرها أحياناً تدبّراً سطحيّاً؛ حيث تبيّن في موضعين منها — لا في موضعٍ واحد — أنَّ التقرّب إلى الله سبحانه بابه التقرّب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وباب التقرّب إلى الرسول هو التقرّب إلى أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)؛ فالعبارة دقيقةٌ حين تنصّ على: «يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَى فَاطِمَةَ، وَإِلَى الْحَسَنِ، وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ»[13] ، فالمسألة ليست مجرّد موالاةٍ محضة أو طاعةٍ ظاهرة، بل هي قصدُ قربةٍ عبادية.
وهذه القربة العبادية ليست مختصّةً بباب الزيارة؛ فالذين يذهبون إلى أنَّ التوسّل بالحيّ جائزٌ والتوسّل بالميت شركٌ يغفلون عن أنَّ النيّة العبادية إذا كانت طُوليةً، فإنَّ هذا المعنى يسري في أبواب العبادات كلّها، بل في صلب الدين وأصول العقائد.
تنبيه: إنَّ زيارة عاشوراء — التي تُعدّ ناموساً عظيماً عند علماء الإمامية — مرويةٌ بصيغتين: المشهورة، وغير المشهورة[14] ؛ وقد ورد هذا المطلب في غير المشهورة مرّةً واحدة، بينما تكرّر في المشهورة مرّتين، ومفاده: أنَّ التقرّب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما شُرع لكونه وسيلةً إلى الله تعالى حتى في أصل التقرّب، تماماً كشأن السجود لآدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾[15] [سورة البقرة: 34]؛ إذ ليست الكعبة معبوداً ولا آدم معبوداً، وإنما هما وسيلةٌ وبابٌ إلى عبادة الله تعالى وطاعته؛ فمع أنَّ السجود يمثّل المظهر الأجلى للعبودية لله، إلا أنَّ آدم (عليه السلام) كان باباً لعبادة الله وقبلةً لها.
وعليه، فإنَّ قبلة التعبّد والتقرّب إلى الله سبحانه هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وطاعة النبي تلزم بما هو وسيطٌ وشفيعٌ لا شريك، وهنالك فرقٌ عقليّ وتكوينيّ جوهريّ بين الشفيع والشريك، وبين الوسيلة والنِّد؛ فالوسيلة لا تكون ندّاً، وبينهما وبَيْن الشرك بَوْنٌ شاسع.
والحاصل: أنَّ التقرّب يكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم إلى أمير المؤمنين، ثم إلى فاطمة، وتقديم فاطمة (عليها السلام) على الحسن والحسين (عليهما السلام) ناشئٌ من مراتب الاصطفاء والحجية والولاية والطاعة والإمامة؛ فالتقرّب إلى الله وإلى رسوله وإلى أمير المؤمنين وإلى فاطمة وإلى الحسن والحسين إنما هو بولايتهم، والتقرّب يعلو رتبةً على مجرّد الولاية؛ إذ هو وسيلةٌ ومقدّمةٌ تفضي إلى الوصول، وقربٌ أعظم إلى الله سبحانه، وتلك معانٍ عقلية محكمة، يشهد الفقه السياسي والفقه العقائدي في زيارة عاشوراء بزخورهما بهذه المضامين الدقيقة.
فائدة: وهذه نكتةٌ دقيقة شدّد عليها المتأخرون من القرن السادس الهجري فما بعد إلى يومنا هذا؛ ومؤدّاها أنَّ التشريع يجري مجرى القوانين في تراتبيتها العقلائية؛ فثمّة قرارٌ وقانونٌ وزاريّ، وثمّة قانونٌ برلمانيّ، وقانونٌ دستوريّ، وقانونٌ بلديّ، وكلّ طبقةٍ من هذه القوانين تترتّب عليها آثارها الخاصة؛ فليست حصانة القانون الوزاري كالقانون البرلماني، إذ القانون البرلماني أشدّ رتبةً، والقانون الدستوري يعلوهما رتبةً ومكانة.
فالقوانين إذن طبقاتٌ متدرّجة وليست على درجةٍ واحدة، وتلك من المسلّمات العقلائية في علم القانون التي جرى عليها الشارع المقدّس أيضاً في مراتب تشريعاته بين الفرائض والسنن، وهذه كلّها بحوثٌ بالغة الأهمية في أصول القانون وفلسفته يجب الالتفات والتنبّه إليها. ونرجع بعد ذلك إلى أصل ما كنّا نبحثه.
إنَّ الأعلام في باب مشروعية العبادات على وجه الخصوص — بل حتى في غير العبادات، وإن كانت في العبادات أظهر وأجلى — يرون أنَّ قصد المشروعية المستندة إلى دليل عامّ في الصلاة يغاير قصد الورود مغايرة تامة؛ وذلك لأنَّ الورود شأنٌ خاصّ يقتضي ثبوت النص في الموضع بخصوصه، فإن لم يرد النصّ الخاصّ عُدَّ المكلف مشرّعاً ومبتدعاً، إذ يتعين في مقام الامتثال القصدُ إلى مواصفات الأمر وحدوده: فهل هو أمرٌ خاصّ أم أمرٌ عامّ؟ وهل هو عمومٌ ملحوظٌ في خصوص الصلاة أم عمومٌ في مطلق العبادات وسائر الأبواب؟ وتلك صياغات بيّناها في ستة وجوه صناعية مختلفة[16] .
والحاصل: أنَّ ما أفاده صاحب الوسائل الشيخ الحرّ العامليّ (رحمه الله) كلامٌ قويمٌ ومتين؛ إذ قرر أنَّ كلَّ عملٍ مشروعٍ في نفسه وردت فيه روايات ضعيفة السند أو قاصرة الدلالة، فعُمل به رجاءَ ذلك الثواب الموعود، ترتّب له مثلُ ذلك الثواب[17] . وهذا المطلب قد وقعت فيه غفلةٌ بيّنةٌ عند طبقة متأخري الأعصار والمعاصرين، بخلاف الطبقات المتقدمة من الفقهاء الذين كانوا على التفاتٍ تامّ لمغزى هذا التفريق.
بل حتى السيد الخوئي (رحمه الله) حينما استُفتي في طقسٍ من طقوس الشعائر الحسينية، أجاب بأنَّ هذا العمل مشروعٌ وجائزٌ ولكن لم يرد فيه أمر[18] ؛ ومراده الواضح هو نفيُ الأمر الخاصّ بخصوص المورد مع التحفظ على ثبوت الأمر العامّ واستحكام أصل المشروعية. ومما يؤكد ذلك أنَّ الأمر العامّ المبحوث عنه قد قرره السيد الخوئي نفسه في فتوى له محرَّرة باللغة الفارسية منشورة في موسوعة الشعائر الحسينية، حيث ذهب فيها صريحاً إلى أنَّ الأمر العامّ في إقامة الشعائر الدينية والحسينية لا يندرج في عداد الواجبات الفرعية العملية فحسب، بل هو معدودٌ في صميم أركان الدين ومقوماته، وقد استدلّ (رحمه الله) على هذا المدّعى بأربعة وجوه[19] .
والمتحصّل: أنَّ المشروعية قد تبلغ مرتبةً بالغة العِظَم لكون الفعل المستدَلّ عليه ركناً من أركان الدين؛ وحينئذٍ تُجتنب العوارض والمخالفات المانعة، ويبقى أصلُ الشعائر ثابتاً بركنيته المدلَّل عليها بتلك الوجوه الأربعة. ومن هنا يتضح بجلاء أنَّ رصيد المشروعية ومخزونها عند كبار الأعلام، متى ما كان مستمَدّاً من دليلٍ عقائدي، كان أعظم شأناً وأشدَّ رسوخاً من المشروعية المستفادة من دليلٍ فقهيّ فرعيّ بحت.
والشاهد على ذلك: أنَّ جلَّ علماء النجف الأشرف في مسألة الشهادة الثالثة في الأذان، لما تصدّوا لردّ الشبهة التي أثيرت إبّان الفتنة التي وقعت في الكاظمية، كانت إجاباتهم متطابقةً في تقرير أنَّ هذا الرمز معلَمٌ عظيمٌ من معالم الإيمان، ومقوّمٌ جوهريٌّ لهويته[20] ؛ فاعتمدوا في إثباتها دليلاً عقائدياً أصيلاً، والدليل العقائدي يختزن بطبيعته مشروعيةً أسمى رتبةً من الدليل الفقهي الجزئي.
وهذا الموقف: هو عينُ المسلك الذي درج عليه الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، وابن قولويه، وأكابر مشايخ المفيد وتلامذتهم، ثم الشريف المرتضى وتلامذته، وشيخ الطائفة الطوسي. فعلى امتداد مئة عام — تبدأ من عصر الصدوق وتتصل بوفاة الطوسي — كانت دماء الشيعة في بغداد تُراق وتُبذل رخيصةً في سبيل هذا الشعار، ولو كان الأمر مجردَ وجوبٍ فقهيٍّ فرعيّ لكانت مزاحماتُ حفظ الدماء والأعراض والأموال مقدَّمةً عليه وحاكمةً على سقوطه؛ فلما لم يردع الأعلامُ عن ذلك، بل حفّزوا عموم المؤمنين على الثبات والاستماتة في إعلان الشهادة الثالثة في فصول الأذان والتشهد، دلّ ذلك دلالةً قطعية على أنَّ مستندها ليس دليلاً فرعياً خاصّاً مقصوراً على بابه.
وكما قال السيد بحر العلوم (رحمه الله): أفيُستدلّ على الشهادة الثالثة بأمرٍ خاصّ أو بدليلٍ فقهيٍّ فرعي؟! بل هي عمادُ الدين وأصله الأصيل، ومشروعيتها نازلةٌ من المراتب العليا الفوقانية[21] [22] .
والقاعدة المقررة هنا: أنَّ المشروعية المستمدة من الأصول العقائدية أعظمُ رتبةً وأقوى وزناً من المشروعية الناشئة من الفروع الفقهية؛ كما أنَّ المشروعية المتولدة من العمومات الفوقانية الحاكمة في الفقه أرفعُ من المشروعية المستفادة من الخصوصات والأدلة الجزئية الخاصة، وتلك مسألةٌ ناموسيةٌ تأسيسيةٌ في أصول القانون وفلسفة علوم الشريعة.