48/04/24
قاعدة التسامح في أدلة السنن/حمل المطلق علی المقید فی المندوبات /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/حمل المطلق علی المقید فی المندوبات /قاعدة التسامح في أدلة السنن
تحرير محل النزاع والوجوب الوضعي في المندوبات
وصل الكلام إلى مسألة حمل المطلق على المقيّد في المندوبات، والمراد به ما إذا كان كلٌّ من الدليل المطلق والدليل المقيّد وارداً في مورد الندب؛ بحيث يختصّ المقيّد بكونه مندوباً. أمّا إذا لم يكن المطلق والمقيّد خاصَّين بالمندوب، بل كانا جامعَين بين الواجب والمندوب، فبناء المشهور حينئذٍ على التقييد وثبوت الشرطية والوجوب الوضعي.
فإن قيل: هل يثبت في المندوب وجوبٌ وضعي؟
قلنا: نعم، يثبت فيه الوجوب الوضعي؛ فإنّ المندوب وإن كان مندوباً تكليفاً، إلّا أنّ فيه وجوباً وضعيّاً، والمقصود بالوجوب الوضعي هو شرائط الصحّة وأجزاؤها، وهو ما يعبَّر عنه في لسان الشارع بل وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليّين بالوجوب الوضعي. وهذا الاصطلاح ذو أثرٍ بالغ في المباحث الصناعية الأصولية والفقهية؛ ومثاله الشرط اللازم للصحّة كقوله (عليه السلام): «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ»[1] ، فإنّ الطهارة في الصلاة المندوبة واجبةٌ وجوباً وضعيّاً لا تكليفيّاً. وعليه، فكلّ ما كان من قبيل الشرائط المشتركة بين المطلق والمقيّد ممّا يجمع بين الواجب التكليفي والمندوب التكليفي، يحمله الأعلام على الشرائط الوضعية والوجوب الوضعي، من غير أن يكون قيداً وضعيّاً في جميع مراتب المندوب.
أدلة عدم حمل المطلق على المقيد في المندوبات المحضة
أمّا في باب المندوبات المحضة؛ فيما إذا كان الدليل المطلق دالّاً على الندب والدليل المقيّد دالّاً على الندب أيضاً، فما هو دليل الأعلام على عدم حمل المطلق على المقيّد؟
لقد استُدلّ على عدم الحمل بوجوه:
• الوجه الأول: الغلبة؛ فإنّ الغلبة في باب المندوبات غلبةٌ واسعةٌ جدّاً، بل هي غلبةٌ استعماليّةٌ محفوفةٌ بقرينةٍ حاليّة في هذا المقام. وتأسيساً على ذلك، قد تُفسَّر قاعدة الميسور بغير التفسير المشهور، فتُحمل على قاعدةٍ أخرى ناظرةٍ إلى موارد المندوبات؛ فإنّ قاعدة الميسور المنصوص عليها بقوله (عليه السلام): «المَيْسُورُ لَا يُسْقَطُ بِالمَعْسُورِ»[2] ، وإن كانت تُطبَّق في الواجبات وتدلّ على تعدّد مراتب الواجبات المركّبة—بناءً على تفسيرها بأنّها قاعدةٌ ثانويةٌ في مقام الامتثال والأداء—إلّا أنّ لها تفسيراً آخَر لا مانع من اجتماعه مع الأول، وحاصله: أنّ الملاكات في نفسها ذات مطلوبٍ متعدّد، فلا يسقط الميسور منها بالمعسور. وطبيعة الملاكات في المندوبات خاصّةً مبنيّةٌ على تعدّد المراتب، كقوله (صلى الله عليه وآله): «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[3] ، حتى ذهب بعض الأعلام إلى أنّها صناعةٌ مختصّةٌ بالمندوبات؛ وسواءٌ تمّ هذا الوجه أم لم يتمّ، فإنّه يُعدّ قرينةً عامّة مانعةً من التقييد.
• الوجه الثاني: قاعدة التسامح في أدلّة السنن[4] ؛ كما قرّره صاحب الكفاية[5] ومَن تقدّمه من الأعلام، وبيانه: أنّ العمل بالمطلق عند ترك المقيّد ليس ناشئاً من المشقّة أو العسر أو الضرورة، بل هو من باب التخيير؛ نظراً إلى أنّ وصول الدليل المطلق إلى المكلّف يُعدّ نحواً من وصول الحجّة وبلوغ الدليل وإن اقترن بالمقيّد، فيتحقّق به عنوان بلوغ الثواب أو بلوغ الأمر بالمطلق.
إشكالات متأخري الأعصار على التمسك بقاعدة التسامح
وقد أُورِدَ على هذا الاستدلال عدّة إشكالات:
• الإشكال الأول: أنّ قاعدة التسامح مختصّةٌ بمقام السند والطريق دون مقام الدلالة؛ وهو إشكالٌ ذهب إليه متأخّرو الأعصار، في حين أنّ سيرة مشهور الفقهاء من المتقدّمين والمتأخّرين قائمةٌ على التسامح في الدلالة في أدلّة السنن، ويكتفون في إجراء القاعدة بمجرّد إشعار الدلالة أو الدلالة المحتملة أو التأييد.
• الإشكال الثاني: أنّ قاعدة التسامح مؤسَّسةٌ على حُسْن الاحتياط العقلي، وليست قاعدةً مقتضيةً للجعل والتشريع الشرعي.
• الإشكال الثالث: عدم انطباق عنوان البلوغ في المقام؛ نظراً إلى أنّ ورود المقيّد يوجب تضييق دائرة المطلق وهدم إطلاقه، فلا يصدق حينئذٍ بلوغ الثواب على إطلاق المندوب.
يكفي عندهم إشعار الدلالة، أو الدلالة المحتملة، وحتى موارد التأييد كافية في إجراء قاعدة التسامح في أدلة السنن[6] ؛ إذ سيرة الفقهاء قائمة على التسامح في دلالة نصوص السنن، لا مجرد التسامح في طريقها.
وأما متأخّرو الأعصار، فلما بنوا على أن الحجية قائمة على الطريق أولاً وركناً وعمدة، ذهبوا إلى أنَّ قاعدة التسامح في أدلة السنن إنما يراد بها التسامح في الطريق دون التسامح في الدلالة، أي في خصوص الحجية الطريقية دون مجموع الحجية؛ مع أنَّ التسامح في الدلالة مؤداه أن الدلالة وإن لم تكن تامة، فمجرد الإشعار والتأييد والاستئناس كافٍ عندهم لمشروعية المندوبات، غير أن المتأخرين لحصرهم الحجية في الطريق قصروا جريان هذه القاعدة على الطريق دون الدلالة.
الإشكال الآخر: وقد أوردوا إشكالاً آخر حاصله: أن هذه القاعدة لا تدل على الاستحباب الشرعي، وإنما مفادها مجرد الاحتياط العقلي؛ مضافاً إلى أن البلوغ لا يصدق مع حمل المطلق على المقيد، متسائلين: أين المطلق بإطلاقه حتى يبلغنا؟! ونحو ذلك مما يوردونه من المناقشات.
الدفاع عن دلالة أخبار «من بلغ» على الجعل والتشريع
والصحيح في المقام: هو ما عليه المشهور، والمقصود به مشهور ما قبل متأخّري الأعصار أو المعاصرين؛ وبيان ذلك: أن الرواية واردة بألسن متعددة، منها: «مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ أُوتِيَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ»[7] ؛ فلو كان مفادها مجرد الاحتياط العقلي فكيف يترتب عليه ذلك الأجر بخصوصه؟! إذ لا يترتب الأجر عينه إلا مع فرض وجود تشريع في البين، وحقيقة الحكم ليست إلا جعل الثواب وجعل العقاب ولا وراء ذلك شيء، فنفس تحريض الشارع بجعل الثواب يعد إنشاءً للتشريع. فالروايات تصرح بأن له ما بلغه وإن لم يكن مطابقاً للواقع، في حين أن الاحتياط العقلي لا يثبت أمراً وراء الواقع؛ فترتب ذلك الأجر وتحريض الشارع للاندفاع نحوه عين التشريع، وغاية الأمر أن البلوغ أُخذ عنواناً ثانوياً موضوعياً لا عنواناً ثانوياً حكمياً.
وقد استعرضنا الشواهد في الدورة الأولى والدورة الثانية على كون قاعدة التسامح قاعدةً مشرّعة، وثمة شواهد عديدة لا تلتئم إلا مع بنائها على التشريع في المندوبات. بيد أننا أضفنا مؤخراً عمقاً صناعياً أكبر يفيد في تنقيح المقام؛ ومما يبعث على الانبهار واقعاً ما التفت إليه صاحب الوسائل[8] في هذا الباب؛ إذ لم أقف في الفحص والتتبع — سواء في «بحار الأنوار» أو في «الوافي» للكاشاني[9] أو في كلمات سائر العلماء — على من تفطن لهذه النكتة كما تفطن إليها صاحب الوسائل.
وصاحب الوسائل يمتلك منهجاً عقلياً وحيانياً صناعياً متيناً للغاية على خلاف ما يُتوهم عنه؛ فرغم تشدده في الأخبار الصحيحة، إلا أن عقليته صناعية دقيقة جداً. وأما في حقل المعارف فحدث ولا حرج؛ فله كتاب الرجعة[10] ، وله مصنّف عقائدي آخر وهو «الفصول المهمة في أصول الأئمة»[11] ، وهو دورة عقائدية تُعد متممةً لكتاب الوسائل، تقع في أربعمئة وخمسين صفحة، وهي في غاية الأهمية والنفاسة.
من التوحيد إلى النبوّة إلى الإمامة إلى المعاد، حيث تتجلّى القدرة الصناعيّة الفائقة لدى صاحب الوسائل؛ إذ لم يأتِ فيها بكلمة واحدة من عنده، بل نضّد علميّاً واستنتاجيّاً وصناعيّاً هذه العقائد بأسرها بالأحاديث المستفيضة أو المتواترة، وتلك ذهنيّة أصوليّة متوقّدة.
لفتة صاحب الوسائل وهندسة طبقات التشريع القانوني
والشاهد الصناعي: أنَّ عنوان الباب الذي وضعه في مقدمات الوسائل في المجلّد الأول عنوانٌ فذّ لم أجد له نظيراً لا عند الفقهاء ولا عند المحدّثين، مما يكشف عن حسّ صناعي دقيق؛ إذ عنون هذا الباب بـ: «باب استحباب الإتيان بكلّ عمل مشروع روي له ثواب عنهم (عليهم السلام)» [12] ، فقيّد العمل بكونه مشروعاً في الرتبة السابقة، وهو قيدٌ لم يصرّح به الشيخ الأنصاري في الرسائل، ولا المحقّق النائيني، ولا المحقّق العراقي، ولا الشيخ الأصفهاني الكُمباني، ولا السيّد الخوئي.
والنكتة المستفادة منه: أنَّ هذا القيد يعطينا نكتةً عظيمة في علم أصول القانون، حاصلها أنَّ التشريع ذو طبقات ودرجات؛ فهناك تشريع فوقاني، وتشريع عمومي، وتشريع وسطاني، وتشريع خصوصي.
ومثال ذلك في الفقه: ما مرّ بنا في المكاسب المحرّمة؛ فإنَّ حرمة الغيبة حرمة تشريعيّة مجعولة من الشارع بلا ريب، غير أنَّ الشارع نفسه يبيّن أنها تنشعب وتتفرّع عن ثلاث حرمات أخرى، فالغيبة مجمعٌ لثلاث أو أربع حرمات، ومع ذلك فقد أفردها الشارع بالتحريم بالخصوص تشريعاً فوق تشريع وتأكيداً وتشديداً في التشريع، وتلك خاصيّة دقيقة في هندسة منظومة التشريعات والقوانين، وهي تناظر تماماً ما تقرّر في لسان علم القانون عقلائيّاً، من وجود تشريع مؤكّد ومشدّد يرد على التشريعات السابقة.
ويتفرّع على ذلك: ما تقدّم من أنَّ ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) في التشريع، أو ولاية الأئمة (عليهم السلام)، ولاية طوليّة تناظر العلاقة القائمة بين السلطة التشريعيّة واللوائح التنفيذيّة الصادرة عن الوزارات، كما أنَّ الفقهاء في طول الأئمة (عليهم السلام) حينما يطلقون أحكام الإيجاب أو الفتوى أو التحريم ونحوها، فإنما يمارسون التشريع في ظلّ التشريع الفوقاني وبإذنه، فيكون عملهم حقيقةً تشريعاً وتأكيداً وتفعيلاً وإحياءً للتشريعات الفوقيّة وتطبيقاً لها.
والحاصل: أنَّ هذه النكتة ذات بال وأهميّة بالغة؛ ولذا فقد بيّنتُ في رسالة كتبتها في «قاعدة التسامح في أدلّة السنن»[13] منذ نحو ثلاثين سنة، أنها تفيد أصل المشروعية، وأنَّ ما ذهب إليه متأخرو الأعصار كالشيخ الأنصاري ومن تلاه من أنها لا تفيد التشريع ليس بتام، بل تفيده مستندةً إلى العمومات الفقهية.
تطبيقات فقهية: صلاة الرغائب والشهادة الثالثة
ومصداق ذلك: ما يثار حول صلاة الرغائب من جدل واستنكار بدعوى أنها بدعة، مع أنَّ أصل صلاة النافلة مشروعٌ في الشريعة، سواء أتى المكلف باثنتي عشرة ركعة أو عشرين ركعة أو ثلاثين أو مائة ركعة؛ لقوله (عليه السلام): «فَمَا الصَّلَاةُ قَالَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَ مَنْ شَاءَ أَكْثَرَ»[14] [15] ، فإذا تكرّرت الآيات والسور في صلاة النافلة فما المانع الشرعي من ذلك؟! ومن ثمَّ فإنَّ مشروعية صلاة الرغائب بتعبير صاحب الجواهر[16] لو كنا نحن والعمومات لقرّرناها وقطعنا بها بلا إشكال، إذ الحسّ الصناعي الفقهي كفيل باستنباط هذه الفروع واستخراجها من كليّات التشريعات العامة؛ وكذلك الحال في صلاة الغفيلة، فما المانع منها مع قيام النصّ الخاصّ عليها؟! وفضلاً عن ذلك فإنَّ صلاة الرغائب نفسها قد وردت فيها نصوص خاصة ذكرها شيخ الطائفة الطوسي في مختصر المصباح، والعلامة الحلّي نقلاً عن مصادر أصحابنا[17] .
إنَّ حصرَ مشروعيةِ صلاةِ الرغائبِ بدليلٍ خاصٍّ اشتباهٌ كبير؛ إذ المشروعيةُ مستمدَّةٌ من الأدلّةِ العامّةِ الفوقيّة، وإنَّ عدمَ تنظيمِ استراتيجيّةٍ صناعيّةٍ للعموماتِ والتشريعاتِ يُعرقلُ كثيراً من الأبحاث.
ونظيرُ ذلك: ما يُقرَّرُ في زيارةِ الأربعين؛ فمعَ ورودِ أدلّةٍ خاصّةٍ فيها، إلّا أنَّ الأدلّةَ العامّةَ بذاتِها تنهضُ لإثباتِ المشروعيةِ عبرَ اجتماعِ العموماتِ في مركَّبٍ خاصّ. وهو المعنى عينُه الذي قرّرهُ صاحبُ الجواهرِ في كتابِ الصلاة، في بابِ الأذان، عندَ بحثهِ الشهادةَ الثالثةَ[18] تَبَعاً لأستاذِهِ الشيخِ جعفرٍ كاشفِ الغطاء، كما كانَ قد ذكرَ ذلكَ السيّدُ بحرُ العلومِ قَبْلَ الشيخِ كاشفِ الغطاءِ أيضاً[19] ؛ حيثُ قرّرَ أنَّ العموماتِ يُستفادُ منها الجزئيّةُ الخاصّةُ في المركَّب، معَ أنَّ تلكَ العموماتِ ليست مختصّةً بالصلاةِ بل تعُمُّ الصلاةَ وغيرها، ومعَ ذلكَ استفادَ منها الجزئيّة؛ وما ذلكَ إلّا لِما يمتلكُهُ من حِسٍّ فقهيٍّ ومنظومةٍ فقهيّةٍ متكاملةٍ في أبوابِ الصلاة، حيثُ استنبطَ من العموماتِ مشروعيةَ الخصوصيّاتِ والجزئيّات.
والقاعدةُ هنا: هيَ ما قرّرهُ الشيخُ كاشفُ الغطاءِ في بابِ تشهُّدِ الصلاةِ[20] ؛ ومؤدّاها إمكانيةُ الاستفادةِ من عمومٍ أو مجموعِ عموماتٍ لإثباتِ خصوصيّةٍ من الخصوصيّاتِ بلا مانع، وصاحبُ الجواهرِ وفاقاً لأستاذيهِ بحرِ العلومِ وكاشفِ الغطاءِ ينصُّ على أنَّهُ «لولا تسالمُ الأصحابِ لأمكنَ دعوى الجزئيّة، بناءً على صلاحيةِ العمومِ لمشروعيةِ الخصوصيّة»[21] .
رد المتشابهات والتفاصيل إلى الأصول التشريعية الفوقية
والوجهُ في هذا البناء: يكمنُ في الالتفاتِ إلى نكتةٍ لازمة، وهيَ وجودُ غفلةٍ صناعيّةٍ كبرى لدى متأخّري الأعصار، في حينِ كانت طبقاتُ الفقهاءِ المتقدّمينَ ملتفتةً إليها غايةَ الالتفات؛ وتتمثّلُ في أنَّهُ يمتنعُ ورودُ المشروعيةِ كاملةً ومستقلّةً من الدليلِ الخاصِّ فحسب، وهذه نكتةٌ جليلةٌ جدّاً غَفَلَ عنها المعاصرون، ومفادُها استحالةُ استمدادِ تمامِ المشروعيةِ من مجرّدِ دليلٍ خاصّ.
ومثالُ ذلك: ما لو طُرِحَ في لغةِ القانون: هل يُعقلُ أن تستمدَّ اللائحةُ الوزاريّةُ كاملَ مشروعيتِها من الوزارةِ وحدَها أم من البرلمانِ الحاكمِ معها؟ وهل تثبتُ للائحةِ الوزاريّةِ مشروعيةٌ من دونِ غطاءِ القانونِ الصادرِ عن البرلمان؟
والجواب: أنَّ ذلكَ ممتنعٌ قطعاً؛ إذ البرلمانُ هوَ الذي يُفيضُ المشروعيةَ على التشريعِ الوزاريِّ الخاصّ، فليسَ التشريعُ الوزاريُّ الخاصُّ بسلطانِ التشريع، بل سلطانُ التشريعِ وملوكُهُ وينبوعُهُ الأصيلُ هيَ التشريعاتُ الدستوريّةُ الفوقيّة. بل حتّى البرلمانُ الذي يمتلكُ تشريعاتٍ متوسّطةً لا يملكُ سلطانَ التشريعِ المطلق، وإنّما يتفجّرُ ينبوعُ التشريعِ من المبادئِ الدستوريّةِ الفوقيّة، وهوَ ما يُعبَّرُ عنهُ بفقهِ المقاصد.
والنتيجةُ الصناعيّة: أنَّ اغترارَ المعاصرينَ في البحثِ الاستدلاليِّ بالأدلّةِ الخاصّةِ مبتورةً عن الأدلّةِ الفوقيّةِ لا يمثّلُ نظماً صناعيّاً استنباطيّاً تامّاً، بل يُعَدُّ ضرباً من التِّيهِ الاستدلاليّ.
والأصلُ القرآنيُّ في ذلك: أنَّ القرآنَ الكريمَ يصرِّحُ بأنَّ المحكماتِ هيَ الأصلُ والمرجعُ للتفاصيلِ والمتشابهات، فيتعيّنُ إرجاعُ المتشابهِ إلى المحكم، تصديقاً لقولهِ تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾[22] ؛ فالمرجعُ العامُّ التشريعيُّ القانونيُّ للتفاصيلِ ليسَ هوَ الدليلَ الخاصَّ المنفردَ بمجرّده، حتّى وإن كانَ روايةً صحيحة.
ومن هنا نشأ إشكالُ الشيخِ المفيد: إذ كانَ يُنكرُ الاعتمادَ المطلقَ على مجرّدِ الأدلّةِ الخاصّةِ وأخبارِ الآحاد؛ كما نقلَ الشيخُ الأنصاريُّ كلامَهُ ومذهبَهُ في «الرسائل»[23] ، حيثُ يُسفِّهُ الاعتمادَ الكلّيَّ أوّلاً وآخراً على خبرِ الواحدِ الصحيحِ المبتورِ عن الأصول، وجرى على هذا المنهجِ السيّدُ المرتضى وابنُ إدريس[24] [25] ؛ وهوَ منهجٌ صناعيٌّ عظيمٌ تُمثِّلُ الغفلةُ عنهُ خطراً جسيماً في عمليّةِ الاستنباط.
والحاصل: إنَّ مَن يمتلك أصل التشريع والمشروعية يمتنع أن يكون هو الدليل الخاص، كما يمتنع أن يكون هو الدليل المقيِّد؛ إذ إنَّ الذي يمتلك أساس المشروعية وابتداءها إنَّما هو الأدلّة العامة القطعية البديهية لا الأدلّة الظنّية، وأمّا التفاصيل الظنّية فذلك بحثٌ آخر؛ إذ لكي يُشفع لها في اكتساب المشروعية وجواز الأخذ بها، فلا بدَّ من أن تُشرعنها وتُفيض عليها الاعتبارَ الأصولُ التشريعية الفوقية.
وسنواصل تتمّة هذا البحث إن شاء الله تعالى؛ إذ هو يمثّل روح الأصول كلّها، وروح مباحث الألفاظ، وروح مباحث الحجج، بل هو حُجّة الحجج وأمّ الحجج.