48/04/22
أحكام حمل المطلق على المقيد بين البدلي والاستغراقي/حمل المطلق علی المقید /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/حمل المطلق علی المقید /أحكام حمل المطلق على المقيد بين البدلي والاستغراقي
إنَّ مسألة حمل المطلق على المقيَّد، ملخّص كلام المشهور فيها هو الصحيح، والسيد الخوئي (رحمه الله) في بحوثه الفقهية عملاً مبناه مبنى المشهور، وإن كان له في علم الأصول تفصيلٌ مغاير، غير أنَّ سيره الفقهي عملاً جارٍ مع المشهور.
تحرير موضوع حمل المطلق على المقيد والتفصيل بين البدلي والاستغراقي
وباب حمل المطلق على المقيَّد غير باب التقييد؛ إذ إنَّ باب حمل المطلق على المقيَّد إنَّما يكون فيما إذا كان المطلق والمقيَّد كلاهما متوافقين في الحكم إيجاباً أو سلباً، كأن يكونا إيجابيين معاً أو سلبيين معاً، أو كلاهما أمراً أو نهياً، فالكلام يقع في هذا البحث[1] ، وهذا ما يُعبَّر عنه في علم الأصول قديماً بباب حمل المطلق على المقيَّد، بخلاف ما إذا كانا متخالفين سلباً وإيجاباً؛ فإنَّ التقييد والتخصيص فيهما واضح، فالكلام هنا يقع في المتوافقين: هل يُحمل المطلق على المقيَّد أم لا؟
وملخّص مبنى المشهور: أنَّه إذا كان الحكم صرف الوجود بدلياً فيُحمل المطلق على المقيَّد، إلا إذا وُجد دليل خاص يفيد العلم بأنَّهما متعدّدان فذاك بحثٌ آخر، وإلا فإذا لم يأتِ دليل خاص أو قرينة خاصة في البدلي فإنَّهم يحملون المطلق على المقيَّد؛ للظهور في وحدة الحكم، وهذا مبنى المشهور بلا تفصيل إلا بالاستثناء المذكور. وأمَّا إذا كان استغراقياً انحلالياً يتكثَّر الحكم فيه في المطلق أو في العام، فلا يحملون المطلق والعام على الخاص والمقيَّد؛ لأنَّه متكثّر.
والحاصل: أنَّنا والدلالات العامة، يفصّل المشهور بين البدلي فيحملون فيه المطلق على المقيَّد ويقيّدون لأجل «مفهوم الوصف الصغير»[2] أو لأجل وحدة الحكم أو لجملة من القرائن، فيحمل المشهور المطلق والعام على المقيَّد، أمَّا إذا كان استغراقياً انحلالياً متكثّراً فلا يحملون المطلق والعام على الخاص والمقيَّد. وحمل العام والمطلق على الخاص والمقيَّد يعني التخصيص مع أنَّهما متوافقان، وكأنَّما المقيَّد له دلالة سلبية أو دلالة نافية مخالفة للعام، فمن ثَمَّ يقيّدون لوجود مفهوم الوصف الصغير أو وحدة الحكم وما شاكل ذلك، فحمل العام أو المطلق على الخاص والمقيَّد يعني تخصيصاً وإن كانت صورتهما غير متنافية بل متوافقة كأن يكونا معاً أمراً أو نهياً، ففي البدلية (صرف الوجود) المشهور يحملون المطلق على المقيَّد أو العام على الخاص، أمَّا إذا كان استغراقياً فلا يحملون، وهذا هو كلام المشهور.
والسيد الخوئي (رحمة الله عليه) يوافق المشهور في القسم الأول، وهو البدلي، فيحمل العام على الخاص إلا إذا عُلمت القرينة الخاصة على تعدّد الوجوب، وفي الاستغراقي أيضاً يدّعي أن يُحمل العام على الخاص، فيخالف المشهور في القسم الثاني وهو الاستغراقي، يخالفهم هنا في الأصول، ولكن مسير السيد الخوئي في الفقه هو نفس مسير المشهور بالتفصيل بين البدلي والاستغراقي؛ ففي البدلي يحمل العام على الخاص أو المطلق على المقيَّد، وفي الاستغراقي لا يحمل، بل يبني على تعدّد الحكم في الاستغراق الانحلالي المتكثّر.
والصورة الثانية: أن يُشكَّ في وحدة الحكم في البدلي.
والصورة الثالثة: أن يُعلَم بتعدّد الحكم، وهذه أيضاً لا كلام فيها.
الصورة الثانية: الشك في كون الحكم البدلي في المطلق والحكم البدلي في المقيد حكماً واحداً أو حكمين مستقلين، بعد أن نُقِّحت الصورة الأولى (وهي صورة العلم بوحدة الحكم). وإن كان مسلك أعلام المتأخرين في الاستدلال على هذه الصورة مشوباً ببعض التعقيد، إلا أنه متينٌ ومؤيَّدٌ صناعياً.
وتحرير محل النزاع: أنه مع كون كلٍّ من المطلق والمقيد بدلياً — وعمدة البحث تدور حول المطلق البدلي أو العام البدلي مع المقيد الخاص — تتوارد هنا أربعة احتمالات:
• الاحتمال الأول: أن يُحمل المطلق على المقيد، وهو مذهب المشهور، وهو المطلوب إثباته.
• الاحتمال الثاني: أن يُحمل المقيد على الاستحباب؛ وهذا الوجه ساقطٌ لانتفاء الموجب؛ إذ ما الموجب لرفع اليد عن ظهور صيغة الأمر في المقيد من الوجوب التعييني إلى الاستحباب، وحمله على كونه أفضل الأفراد؟ فإن العدول عن الظهور يفتقر إلى قرينة صريحة ولا قرينة في البين، فيكون هذا الاحتمال ضعيفاً كما تقدَّم بيانه في الصورة الأولى عند العلم بوحدة الحكم.
• الاحتمال الثالث: أن يكون من باب «واجبٍ في واجب»[3] ، نظير ما قيل في القنوت؛ حيث قُرِّر أنه عبادة مستقلة ظرفها ووعاؤها الصلاة، سواء بُني على وجوبه في بعض الصلوات المعيَّنة كصلاة الجمعة والعيدين عند طائفة من الفقهاء، أو بُني على استحبابه؛ فالقنوت في ذاته عبادة ذات حكم مستقل، وإن كان ظرف إيقاعها هو الصلاة، كما أن له ظرفاً خارج الصلاة لكونه مشروعاً في نفسه.
فائدة صناعية: إن هذا المبنى يبتني عليه تفريع مسائل جمة في مباحث خلل الصلاة وسائر الأبواب الفقهية؛ ومثاله الطواف في الحج — خصوص الطواف دون غيره من المناسك —؛ إذ الطواف شُرع عبادةً مستقلة قبل تشريع فريضة الحج والعمرة، بخلاف السعي بين الصفا والمروة فإنه ليس عبادة مستقلة على المختار عند مشهور الإمامية. فلما كان الطواف عبادة مستقلة أُخذ ظرفاً في الحج والعمرة، جرى عليه حكمه الذاتي، ومثله صلاة الطواف؛ فإنها عبادة شُرعت في نفسها، فلا يتجه لفقيه أن يستشكل في اشتراط الطهارة والوضوء فيها، أو يتردد في كونها ركعتين أو أقل أو أكثر بدعوى فقد النص الخاص؛ وذلك لقيام الحوالة الصناعية على عمومات الصلاة وإطلاقاتها.
والشاهد فيه: ما حرره السيد محسن الحكيم في «المستمسك» (رحمه الله)[4] من أن الشارع الأقدس في تشريع صلوات النوافل لم يتكفل بتأسيس أحكام جديدة لكل نافلة، بل أحال في شرائطها وأحكامها على ما تقرر في الإطلاقات الواردة في بيان حقيقة وماهية الصلاة المجعولة في الفريضة.
تنبيه: هذه النكات والقواعد الصناعية مما يتعين الالتفات إليها والتحفظ عليها في مقام الاستنباط؛ إذ إن كثيراً من التردد والاضطراب الواقع لبعض الأعلام في مسألة الشهادة الثالثة في التشهد[5] إنما نشأ من الغفلة عن إعمال هذه القواعد والأصول الموضوعية. والذهول غير ممتنع على غير المعصوم؛ إذ العصمة منحصرة في أهلها (عليهم السلام). وقد يعلّم الأئمة (عليهم السلام) الرواةَ والعلماء نكاتاً وقواعد كلية، بيد أن العالم قد يغفل عن تطبيقها في صغرياتها وتفريعاتها؛ نظير ما يُلحظ في منهج العلامة الطباطبائي (رحمه الله)[6] ؛ حيث أصّل وقرر قواعد شريفة مستفادة من بيانات أهل البيت (عليهم السلام) وأحسن بلورتها واقتناصها، إلا أنه قد يفوته تطبيقها ورعايتها في بعض التطبيقات التفسيرية، والكمال المطلق لله ولمن عصم.
والحاصل: بالعودة إلى محل البحث في الشك في وحدة الحكم وتعدده بين المطلق والمقيد البدليين: إن ثبت كون الحكم واحداً، فلا يخلو إما أن يكون مضيقاً أو موسعاً، ومقتضى ذلك هو تعين حمل المطلق على المقيد لا محالة.
لكن إذا شككنا في أنَّه حكمٌ واحدٌ أو متعدّد، فإمّا أن يُحمل فيكون حكماً واحداً، أو يُحمل المقيّد على الاستحباب، وهذا بلا موجب؛ لأنَّ المقيّد دائماً ظهوره أقوى من المطلق.
والاحتمال الثالث والرابع: في الصورة الثانية من القسم الأول البدلي:
الاحتمال الثالث: أن يكون واجباً في واجب كالقنوت؛ فالقنوت واجبٌ في واجب، إمّا في وسط الواجب، أو واجبٌ ظرفه قبل الواجب كالإقامة التي ذهب السيّد المرتضى (رحمه الله) إلى وجوبها قبل الصلاة[7] [8] ، فيكون واجباً قبل الواجب، أي يكون ظرفه وسطاً أو سبقاً أو تعقيباً. والكلام نفسه يجري في تعقيبات الصلاة؛ إذ كيف تكون هويتها إيمانيّةً وديناً واقعيّاً، وأمّا داخل الصلاة فدينٌ ظاهريّ؟ وهذا كلامٌ غير موجَّه؛ فكلُّ الروايات الواردة في تعقيبات الصلاة فيها الشهادة الثالثة[9] [10] ، فكيف تكون التعقيبات ديناً واقعيّاً وداخل الصلاة ديناً ظاهريّاً؟! ففي بعض الأحيان يكون واجباً في واجبٍ ظرفه عقب الصلاة، وسواءٌ كان مستحبّاً في واجب، أو مستحبّاً قبل واجب، أو مستحبّاً بعد واجب، أو واجباً قبل واجب، فهذا هو الاحتمال الثالث.
الاحتمال الرابع: أن يكون حكماً متعدّداً.
أمّا الاحتمال الثالث —وهو أن يكون واجباً في واجب— ففيه شقّان بحسب القسمة العقليّة الحاصرة: إمّا أن يسقط المطلق في المقيّد، أو لا يسقط:
• فإن قيل: إنَّه لا يسقط، فحينئذٍ لا بدّ أن يُقيَّد، ولا يوجد دليلٌ على التقييد، فهذا الشقُّ باطلٌ.
• وأمّا إذا قيل بالسقوط: فيَرِد عليه إشكالٌ عمدته دعوى اللغويّة؛ إذ يقولون عقلاً: ما دام المكلّف مجبراً على الإتيان بالمقيّد فلماذا يأمره الشارع بالمطلق؟ فيكون بقاء الأمر بالمطلق على إطلاقه لغواً.
وهذه الدعوى غير صحيحة: إذ ما المانع عقلاً من أن يكون للمقيّد بقيديّته وجوبٌ كوجوب الزيارة الشعبانيّة، ولمطلق زيارة الحسين (عليه السلام) وجوبٌ آخر؟ وحينئذٍ يمكن للمكلّف أن يؤدّي الزيارة في شعبان ويمكن أن يؤدّيها في غيره، فلو أدّاها في غيره امتثل المطلق ولم يمتثل المقيّد، أو أن يُكرّر المطلق في المقيّد، وتكراره مشروعٌ ولا بأس به.
ومثال ذلك: ما يبني عليه الأعلام من مشروعيّة تكرار الصلاة الواجبة في الفرائض اليوميّة[11] ؛ فإذا كُرِّرت الصلاة فإنّها تُنوى واجبةً وفريضةً، كما ذكر الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية[12] ؛ لأنّها بذات طبيعة الفريضة اليوميّة؛ إذ لا يأتي بفريضةٍ غير يوميّة، فلو صلّى صلاة الظهر فرادى ثمّ أدرك الجماعة وأعادها فإنّه ينويها فريضةً، وهذا تطبيقٌ للفريضة؛ لأنّ الأداء وجودٌ فردي، والوجود الفردي للشيء غير طبيعته النوعيّة.
إنَّ للشيء ماهياتٍ متعدّدة: ماهيةً فرديةً —كما يُقرّر المحقق الكُمباني[13] —، وماهيةً صنفيةً، وماهيةً نوعيةً، وماهيةً جنسيةً. فالسيد الخوئي عنده فتوى باللغة الفارسية تُفيد أنَّ الشعائر الحسينية ركنُ الدين وليست مجرّد مستحبّ، ويستدلّ لها بأربعة أدلة، بينما يُصرّح في فتاواه بالعربية بأنَّ الشعائر مستحبة، أو أنَّ هذه الشعيرة بعينها لم يَرِد فيها نصّ خاصّ، في حين قرّر هناك أنّه سواءٌ وَرَدَ نصٌّ أم لم يَرِدْ فهي من أركان الدين. فهل يقع التناقض بين كلاميه؟
والجواب: كلا، لا تناقض في البين؛ وتلك ترجع إلى ما يُسمّى بالمهارة الفتوائية؛ ومفادها أنّ الشعيرة بلحاظ هويتها الفردية أو النوعية لم يَرِد فيها نصّ، لكنها بلحاظ هويتها الجنسية تُعَدّ من أركان الفروع.
وهذه النقاط الصناعية الدقيقة ينبغي الالتفات إليها، كما نبّه عليها المحقق الأصفهاني والنائيني والعراقي، غير أنّ المحقق الأصفهاني في المباحث العقلية هو ابنُ بَجْدَتِها[14] ؛ حيث يلحظ الهوية الفردية للشيء، وهناك هوية صنفية، وهوية نوعية، وهوية جنسية متوسطة، وهوية جنسية عالية؛ فالموجود الواحد ذو ماهياتٍ متعدّدة. ويترتّب على ذلك ما يُعرف بالمداراة والمواربة في الفتوى، وهي تشبه التورية في الظاهر ولكنها تباينها حقيقةً؛ إذ لا يُصرّح الفقيه بجميع الزوايا والجهات مراعاةً للمصلحة، بل يقتصر على بيان زاويةٍ معيّنة من الحكم. وتلك الجهات تبتني على السياسة الدينية للفتوى، والسياسة الدينية تفترق جوهريّاً عن السياسة الدنيوية، وهذه النكتة فائقة الأهمية في نفسها وتتقدّم رتبةً على مباحث الألفاظ في باب المطلق والمقيّد.
دعوى اللغوية: يدّعي الأعلامُ هنا لزومَ اللغوية إن قيل بسقوط المطلق في المقيّد.
وردّ هذه الدعوى: أنّه لا لغوية في البين؛ نظراً إلى أنّ المطلق يمكن تكراره وثبوت مشروعية تكراره، فلا وجه لدعوى اللغوية أصلاً. وعلى فرض السقوط، فإنّ الأمر يؤول إلى التخيير الشرعي فتنتفي اللغوية؛ لأنّ التخيير في حقيقته تعيينٌ لا تخيير، والتقييد على خلافه؛ وعليه فإنّ هذا الاحتمال الثالث لا يصير لغواً إلا إن لم يكن على نحو التخيير وكان المطلقُ تعيينياً.
والحاصل: أنّه للتخلّص من دعوى اللغوية —وإن كنّا لا نرتضي هذا الوجه— فإنّنا نوافق الأعلام في النتيجة القائلة بضعف الاحتمالين الثالث والرابع، وبأنّ الاحتمال الأول هو المتعيّن في الواجب البدلي مطلقاً لنكتة مفهوم الوصف ونحوه؛ غير أنّه تماشياً مع مسلك الأعلام، فإنّهم يلتزمون بتبديل الأمر في المطلق من كونه أمراً تعيينياً إلى أمرٍ تخييري بين الحصص. وقد قرّر الأعلام في بحث الواجب التخييري أنّه يجوز الجمع بين الخصال[15] ، كما هو الحال في خصال الكفارة التخييرية؛ حيث يشرع الجمع وتستفاد المشروعية لجميع الخصال، والعمدة في ذلك أنّ التقييد خلافُ الظاهر.
إشكال آخر: يُضاف إلى ما تقدّم إيرادٌ آخر على الاحتمالين الثاني والثالث ذكره الأعلام وهو وجيه؛ ومحصّله أنّ لسان دليلي المطلق والمقيّد غالباً ما يكون لساناً وضعياً، وفي اللسان الوضعي يكون القيد إرشاداً إلى الاشتراط، فلا يتأتّى احتمال التعدّد حينئذٍ، فيتعيّن الاحتمال الأول دون سائر الاحتمالات.
ووجه ذلك: أنّ المقيّد ظاهرٌ في الإرشاد إلى التقييد والشرطية في المركّبات، والمفروض هنا أنّ مجرى البحث واقعٌ في المركّبات، فيكون الدليل ظاهراً في الشرطية لا محالة.
ملخّص الكلام في الواجب البدلي: إنَّ المشهور يحملون المطلق على المقيّد إلا إذا دلّ دليلٌ خاصّ على التعدّد؛ إمّا لمفهوم الوصف، أو للإرشاديّة، أو لدفع اللّغويّة؛ ففي باب البدليّ — وهو المسلك الجاري عليه عمل الفقهاء مطّرداً — يُحمَل المطلق على المقيّد؛ لكون الواجب البدليّ صِرف الوجود ووارداً على فردٍ واحد، وهذا هو مسلك المشهور في جميع هذه الصّوَر ما لم يقم دليلٌ خاصّ على الخلاف.
حكم حمل المطلق على المقيد في الواجب الاستغراقي
وأمّا القسم الثاني وهو الاستغراقي: فالمشهور يذهبون إلى أنّ الاستغراقيّ يتكثّر فيه الحكم بانحلاله، فلا وجه لتضييق الحكم المتكثّر بحكمٍ واحدٍ مقيّد؛ وتلك عمدة مستند المشهور في عدم حمل المطلق على المقيّد وعدم تقييده به في الحكم الاستغراقيّ.
وقد أشكل السيّد الخوئيّ (رحمه الله) على المشهور: بأنّ مفهوم الوصف يقتضي تقييد المطلق[16] .
والجواب عنه: إنَّ هذا الوجه ضعيفٌ؛ لأنّ مفهوم الوصف إنّما يتمّ إذا كان الحكم واحداً، وأمّا مع تكثّر الحكم في الاستغراقيّ الانحلاليّ فلا يجري مفهوم الوصف، بل يكون للمقيّد ملاكٌ زائد؛ كما في حرمة الغيبة التي هي مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾[17] ؛ فإنّ المقيّد مجمعٌ لعدّة قواعد، والشارع يُنشئ فيه تشريعاً مؤكّداً؛ فكما يُلزِم بالطبيعة نهياً أو إيجاباً، فإنّه يؤكّد على الطبيعة الفرديّة أو الصنفيّة بالحرمة أو الوجوب. على أنّ السيّد الخوئيّ (رحمه الله) لم يلتزم بهذا المبنى عملاً في الفقه، بل لم يحمل المطلق على المقيّد في الاستغراقيّ.
والمتحصّل في باب الواجبات:
• إمّا أن يكون الحكم بدليّاً، فيُحمَل المطلق على المقيّد، ويكون فيه التقييد والتخصيص.
• وإمّا أن يكون استغراقيّاً، فلا يُحمَل ولا تخصيص فيه. وهذا بحثٌ ابتلائيٌّ سيّال في الفقه ينبغي إتقانه.
حكم المطلق والمقيد في باب المستحبات
وأمّا في باب المستحبّات: فالمشهور شهرةً عظيمةً عند الأصوليّين والفقهاء هو حمل المطلق والمقيّد على تعدّد المطلوب وتفاوت المراتب في المحبوبيّة[18] ؛ حتّى فيما ورد في صلاة جعفر الطيّار أو زيارة عاشوراء، وحتّى لو كان دليل القيد متّصلاً؛ فإنّ إثبات وحدة المطلوب تكليفاً أو وضعاً — بمعنى الفساد عند انتفاء القيد — يحتاج إلى قيام دليلٍ خاصّ؛ وهو مبنىً قويمٌ تبرز فيه الصناعة الفقهيّة إلى جانب الصناعة الأصوليّة.