« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/18

بسم الله الرحمن الرحيم

مراتب الظهور وحمل المطلق على المقيد في المتوافقين/المطلق و المقيد /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/المطلق و المقيد /مراتب الظهور وحمل المطلق على المقيد في المتوافقين

 

مراتب الظهور وأثر القيد المنفصل في الحجية

في عبارةٍ للسيد الخوئي (رحمه الله) ستأتي: مرَّ بنا أنَّ مقدِّمات الحكمة تُكوّن بنية الظهور، ولكنْ في مقام الدلالة على المعنى الجِدّي، فمقدِّمات الحكمة تُعدُّ من قرائن الدلالة الجِدّية الدالّة على المدلول الجِدّي، وهذا عند المرحوم الآخوند[1] ، أمّا عند الميرزا النائيني فإنَّ عناصر الظهور الدالّ على الجِدّ تتكوّن من المتصل والمنفصل معاً لا في خصوص المتصل[2] ، وهذا هو الفارق بين الآخوند والنائيني.

وفي عبارة السيد الخوئي تعبيرٌ مفاده أنَّ القيد المنفصل مسقطٌ لحجية الدلالة والظهور، وكاشفٌ عن أنَّ المراد الجِدّي ليس طبق المراد الاستعمالي؛ فهو مسقطٌ للحجية بينما الظهور في نفسه باقٍ في الكلام[3] [4] ، وهذا البيان يوضح أنَّ المدلول الاستعمالي ظهورٌ، والمدلول التفهيمي ظهورٌ، والمدلول الجِدّي ظهورٌ، والمدلول الوضعي ظهورٌ، فبنية الظهور متعددة الطبقات.

إلا أنَّ الحجية لا يُعوَّل فيها على الوضع التصوري بمفرده، ولا يُعوَّل على الاستعمال بمعية الوضع بمفردهما، ولا يُعوَّل على التفهيم بمجرد هذه المراتب الثلاث؛ وكذلك عناصر الدلالة في المرتبة الرابعة الدالّة على المراد الجِدّي إذا قُدِّم عليها قيدٌ منفصل، فإنها تبقى كظهورٍ، ولكنْ لا يُعوَّل عليها في الحجية بمقدار ما قُدِّم عليها من القيد المنفصل.

والحاصل: أنَّ الظهور قد يكون متحقِّقاً ولكنه ليس بحجة، لا أنَّه كالعدم، بل له دخلٌ في الحجية، ولكنه بمفرده ليس تمام الحجة بل هو جزء الحجة؛ كما هو الحال في الدلالة الوضعية التصورية، إذ يقال لا يُعوَّل عليها بمفردها لا لكونها عدماً بل لأنها جزء الحجة ولها تأثيرٌ في الوصول إلى الاستعمال، والاستعمال كذلك حين يقال إنَّه ليس حجة بمفرده أو مع التصوري فليس معناه أنَّه كالعدم بل هو جزءٌ، وهكذا في التفهيمي ثم الجِدّي؛ فالجِدّي إذا قُدِّم عليه قيدٌ منفصل لا يكون حجةً تامةً منفردة، ولكنْ له دوره في الدلالة.

والفارق بين المرحومين الآخوند والنائيني: هو أنَّ القيد المنفصل عند الآخوند ليس عنصراً في بنية الظهور الجِدّي، ولكنه قيدٌ لحجية الظهور الجِدّي وقيدٌ لحكم الدلالة الجِدّية، وهذا مقتضى القول بأنَّ لدينا جِدّاً نهائياً وجِدّاً غير نهائي.

وتكميلاً لما تقدّم: ليس الأمر قرينة مجازٍ أو استعمالاً مجازياً للعام أو المطلق؛ لأنَّ العام والمطلق قد استُعملا فيما وُضعا له، وإنما حصل التضييق من تركُّب الدوال، كاسم الجنس مع القيد المتصل، أو العام مع القيد المخصِّص المتصل، فالضيق ناشئٌ من تعدُّد الدال والمدلول، ولم يُستعمل اسم الجنس في الدائرة الضيقة كما توهَّمه المتقدمون من علماء اللغة أو الأصوليين؛ وهذا مرَّ بنا من تحقيقات سلطان العلماء في حاشيته القيّمة على المعالم[5] وحاشيته على الروضة البهية قبل الشيخ الأنصاري.

أما النقطة الأخرى: التي يخوض فيها الأعلام، فهي مسألةٌ حساسةٌ ومعقدةٌ ومهمة، وتُعدُّ من أواخر مباحث المطلق والمقيد.

اصطلح الأصوليون والفقهاء على تقسيم المطلق والمقيد — وكذا العام والخاص — إلى متخالفين وغير متخالفين؛ فتارةً يكونان متخالفين بحيث يكون أحدهما آمراً والآخر ناهياً، سواءٌ كان ذلك بصيغة الأمر أم بمفاد الإيجاب، ومن غير فرقٍ بين أن يكون الحكم تكليفياً أو وضعياً. وتارةً أخرى يكونان غيرَ متخالفين. وجريانُ بعض مباحث العام والخاص في باب المطلق والمقيد إنّما هو من باب تنظيم البحث الفقهي والأصولي فحسب.

ففي صورة تخالف العام والخاص أو المطلق والمقيد: يُطلق على التصرف الواقع بين الخاص المخالف والعام، أو المقيد المخالف والمطلق، عنوانُ «التقييد» أو «التخصيص»، سواءٌ أكان العام موجباً والخاص سالباً أم بالعكس، وسواءٌ أكان المورد من قبيل العام والخاص أم المطلق والمقيد.

والقاعدة هنا: أنّ ارتكاب التقييد والتخصيص عند التخالف ممّا لا خلاف فيه بينهم في غير المستحبات؛ وأمّا في المستحبات فسيأتي البحث في أنّ التقييد والتخصيص هل يُرتكبان فيها مع التخالف أم لا. وأمّا في سائر الواجبات والإلزاميات — تكليفيةً كانت أو وضعية — فإنّ ارتكاب التقييد والتخصيص عند التخالف مفروغٌ منه تقريباً في كلمات الأعلام.

وأمّا إذا كان المطلق والمقيد — أو العام والخاص — متوافقين إيجاباً أو سلباً، فيقع البحث المعروف: هل يُحمل المطلق على المقيد الموافق له أم لا؟ وهو مبحثٌ كثير الابتلاء في مختلف الأبواب الفقهية؛ ومن ثَمّ فصّل الأعلام شقوق المسألة وصورها على نحوٍ دقيق.

والتقسيم الأول: أن يكون الحكم متعلّقاً بصرف الوجود، فيكون العموم بدلياً؛ وصرف الوجود يقتضي حكماً واحداً.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[6] ؛ فإنّ الأمر بالصلاة بلحاظ ما بين دلوك الشمس والغروب واردٌ على صرف الوجود بنحو البدلية، إلا أنّ نفس هذا الدليل بلحاظ أفراد الدلوك في كل يوم هو عمومٌ استغراقي. فالدليل الواحد يكون بلحاظٍ معيّن صرفَ وجودٍ وبدلياً، وبلحاظٍ آخر عموماً استغراقياً؛ فيتحصل منه حكمٌ واحدٌ يتّصف بالبدلية والاستغراقية من جهتين مختلفتين.

وعليه، فقد قسّموا المتوافقين بلحاظ نوع العموم والإطلاق إلى قسمين:

    • الأول: أن يكون حكم كلٍّ من المطلق والمقيد بدلياً.

    • الثاني: أن يكونا استغراقيين.

ومثال الاستغراقيين: قوله: «لا تشرب المسكر» و«لا تشرب الخمر»؛ إذ الخمر أخصّ مطلقاً من المسكر لشمول المسكر لغير الخمر كالنبيذ وسائر المسكرات، والتحريم فيهما استغراقيّ. ولا فرق في ذلك كلّه بين أن يكون الحكم في المطلق والمقيد وجوباً في كليهما، أو حرمةً في كليهما، أو حكماً وضعياً؛ فالكلام سارٍ في جميع صور التوافق سلباً وإيجاباً وتكليفاً ووضعاً.

والحاصل: أنّ المقسم الأساسي يدور بين البدلي والاستغراقي؛ ثم قسّموا البدلي في المتوافقين إلى أقسامٍ يجب التدقيق في حيثياتها:

    • القسم الأول: أن يكون كلٌّ من المطلق والمقيد بدلياً، وهذا القسم ينقسم بدوره إلى ثلاث صور.

فالسبب واحدٌ لحكمٍ واحد، كما في كفّارات الحجّ مثلاً؛ إذ إنّ التّرك واحدٌ والسبب واحدٌ فالحكم واحد، لكنّ الدليل ورد تارةً مطلقاً بدليّاً نحو: «أعتق رقبةً» أو «اذبح شاةً»، وتارةً ورد مقيّداً نحو: «اذبح دماً» يشمل الشاة وغيرها، أو شاةً مقيّدة، فنعلم بوحدة الحكم تارةً، وهذا هو القسم الأول.

والقسم الثاني: أن يكون المطلق والمقيّد بدليّين متوافقين سلباً أو إيجاباً، ولكن لا نعلم بوحدة الحكم أو تعدّده بل نشكّ في ذلك، وهذا قسمٌ ثانٍ تختلف فيه الأقوال.

والقسم الثالث: أن نعلم بتعدّد الحكم.

والكلام في المتوافقين، لا سيّما في كتب الأصول القديمة، يعبّرون عنه بباب حمل المطلق على المقيّد: هل يُحمل أو لا يُحمل؟[7] وحمل المطلق على المقيّد نتيجته التقييد، كما أنّ حمل العامّ على الخاصّ نتيجته التخصيص، فهل يُحمل فيكون هناك تقييدٌ وتخصيص، أم لا يُحمل فلا يكون تقييدٌ وتخصيص؟ ولذلك عبّروا عن المطلق والمقيّد أو العامّ والخاصّ المتوافقين سلباً أو إيجاباً بباب حمل المطلق على المقيّد، وهل يتمّ ذلك أو لا يتمّ.

والمتحصل: أنّ القسم الأول هو المطلق والمقيّد البدليّان المتوافقان، وفيه ثلاث صور:

    • الصورة الأولى: أن نعلم بوحدة الحكم.

    • الصورة الثانية: أن نشكّ في وحدة الحكم.

    • الصورة الثالثة: أن نعلم بتعدّد الحكم، أي أنّ حكمهما متعدّدٌ وليس واحداً، فهل يُحمل المطلق على المقيّد أم لا يُحمل؟

والعمدة: هما الصورة الأولى والثانية، وأمّا الصورة الثالثة فهي واضحةٌ تقريباً ولا اختلاف فيها، وإنّما يقع الاختلاف في الصورتين الأولى والثانية.

حكم البدليين المتوافقين مع العلم بوحدة الحكم

ويقع الكلام الآن في الصورة الأولى من القسم الأول، وهي المطلق والمقيّد البدليّان المتوافقان مع العلم بوحدة الحكم، كما في كفّارة الظّهار مثلاً: إمّا أن نعتق رقبةً أو نعتق رقبةً مؤمنة، ففي هذه الصورة قولان:

    • القول الأول: أن نحمل المطلق على المقيّد، ولعلّ هذا هو المشهور[8] .

    • القول الثاني: أن نُبقي المطلق على إطلاقه، ونحمل المقيّد على النّدب بدل اللّزوم، أو على بيان أفضل الأفراد، وبيان أفضل الأفراد يرجع إلى النّدب.

تنبيه: يختصّ هذا البحث بالإلزاميّات؛ لأنّ باب المندوبات واسعٌ وسيأتي بحثه، فسواءٌ كانت عباديّةً أو غير عباديّة فإنّ مشهور الفقهاء يرون أنّ المندوبات أوسع وذات مراتب بخلاف الواجبات[9] ، فالكلام هنا متمحّضٌ في الواجبات سواءٌ كانت تكليفيّةً أو وضعيّة، وتأسيساً على ذلك فإنّ القول الأول في الصورة الأولى هو حمل المطلق على المقيّد، والقول الثاني هو إبقاء المطلق على حاله وإطلاقه وحمل المقيّد على غير الإلزام، كالكراهة أو النّدب بحسب السّلب والإيجاب في الأحكام.

دليل المشهور: إنَّ النكتة التي يُصار لأجلها إلى التخصيص أو التقييد في المتخالفين جاريةٌ بعينها في المتوافقين؛ ومفادها أنَّ الخاصّ أو المقيّد أقوى ظهوراً من المطلق، فلا وجه لرفع اليد عن الإلزام الثابت في المقيّد. وهذه النكتة بعينها متحقّقةٌ في المتوافقين البدليَّين اللذين يُعلم بوحدة الحكم فيهما؛ إذ ما الموجب لرفع اليد عن مفاد الإلزام في المقيّد وحمله على الندب؟ بل يتعيّن إبقاء إلزامه على حاله. وحيث إنَّ الإلزام باقٍ، والمفروض في الصورة الأولى هو العلم بوحدة الحكم، فالحكم المجعول واحدٌ دائرٌ بين كونه مطلقاً أو مقيّداً؛ وإذا رُفعت اليد عن القيد استلزم ذلك حمل اللفظ على خلاف ظاهره، فمقتضى المحافظة على القيد هو تقديم ظهور المقيّد على المطلق؛ لكون دلالة المطلق إنّما تتمّ بمقدّمات الحكمة[10] ، فيُقدَّم المقيّد عليه بحكم الأظهريّة.

وقد أشكل السيد الخوئي على الآخوند: بأنَّ هذا الوجه لا يستقيم على مبنى صاحب الكفاية[11] ؛ والوجه في ذلك أنّ صيغة الأمر في دليل المقيّد — سواء كان مقيّداً أو غير مقيّد — لا تدلّ على الوجوب عند المحقّق الآخوند إلّا بمقدّمات الحكمة أيضاً، فيكون المقام من صغريات الدوران بين مقدّمات حكمة ومقدّمات حكمة أخرى[12] .

والنتيجة: إنَّ المختار عند المشهور في الصورة الأولى — وهي المطلق والمقيّد البدليّان المتوافقان مع العلم بوحدة حكمهما — هو لزوم حمل المطلق على المقيّد.

وأمّا الصورة الثانية: وهي البدليّان المتوافقان مع الشكّ في وحدة الحكم وتعدّده، فهل يُحمل فيها المطلق على المقيّد أم لا؟ ففيه خلافٌ وأقوالٌ متعدّدة، ويستدعي الأمر تفصيل الصور وتشقيقها؛ نظراً لكون هذه الحالات ممّا يكثر ابتلاء الفقيه به في مقام الاستنباط والعمل الفقهيّ.

 


[5] سلطان العلماء، حسين بن رفيع الدين محمد الحسيني المرعشي. حاشية معالم الدين.. ص155، 305
[9] كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم، ج1، ص250. يُنظر في تفصيل حمل المطلق والمقيّد في المستحبّات على تعدّد مراتب الفضل والاستحباب.
[10] مقدّمات الحكمة: هي الشروط التي متى تحقّقت في الكلام — ككون المتكلّم في مقام البيان وعدم نصبه لقرينة على التقييد — استقرّ للفظ دلالةٌ على الإطلاق وسريان الحكم لجميع الأفراد بدلاً أو استيعاباً. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo