« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/17

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمات الحكمة وشروط التمسك بالإطلاق ومناقشة الانصراف/المطلق و المقيد /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/المطلق و المقيد /مقدمات الحكمة وشروط التمسك بالإطلاق ومناقشة الانصراف

 

كان الكلام في أنَّ الإطلاق الإثباتيَّ — إذا لم يكن هناك دالٌّ لفظيٌّ، أو قرينةٌ حاليّةٌ استعماليّة، أو قرينةٌ لفظيّةٌ أو حاليّةٌ تفهيميّة — تصل النوبةُ فيه إلى قرائن الجدّ؛ فلا بدَّ من التمييز بين مراتب القرائن:

    • فقرائنُ الوضعِ مقدَّمةٌ على قرائن الاستعمال.

    • وقرائنُ الاستعمالِ مقدَّمةٌ على قرائن التفهيم.

    • وقرائنُ التفهيمِ مقدَّمةٌ على قرائن الجدِّ إثباتاً.

ومقدِّماتُ الحكمةِ تُعدُّ من قرائن الجدّ، وأوّلُ شرطٍ من شروطها إنّما جُعل لإجراء الإطلاق في اللفظ والدلالة؛ وهذه الشروطُ مع كونها تبدو يسيرةً في بادئ الرأي، إلا أنّ تطبيقها الصغرويَّ يُمتحنُ فيه أعلميّةُ الفقيه كما يعبِّر الأعلام؛ إذ ثمّة امتحاناتٌ لأصل الاجتهاد والفقاهة، بينما الأعلميّةُ مرتبةٌ ثالثةٌ أرقى وأدقّ، وبحثُ الإطلاق والتقييد — وإن لاح سهلاً — هو من أصعب المباحث وميدانٌ لاختبار ملكة الأعلميّة.

الشرط الأول: إمكانية التقييد ومراعاة مقام البيان

الشرط الأول: إمكانيّةُ التقييد؛ فإذا لم تكن للمتكلّم إمكانيّةٌ لتقييد كلامه — سواءٌ أكانت إمكانيّةً وقوعيّة، أم إمكانيّةً ذاتيّة، أم إمكانيّةً عرفيّة، أم إمكانيّةً عقليّة — فإنّ إرساله للفظ أو للألفاظ والتركيب لا يدلّ على إرادة الإطلاق جدّاً.

ومثالُ ذلك: ما إذا قامت التقيّةُ في البين؛ فهل يسوغ حينئذٍ التمسّكُ بالإطلاق؟

وقد وردت روايةٌ عن الإمام الصادق (عليه السلام) يرويها عمّارُ بنُ أبي الأحوص، يضرب فيها مثلاً لمن دخل في الإسلام؛ إذ كان له جارٌ نصرانيٌّ فدعاه إلى الإسلام وزيّنه له فأجابه، فأتاه سحراً وخرج به إلى الصلاة، فعلّمه الفرائضَ والنوافلَ والمستحبّات كلَّها في يومٍ واحد ولم يتركه ينصرف حتى صلّى الصلواتِ كلَّها، فلمّا كان الغدُ دعاه ثانيةً، فقال له الرجل: «اطْلُبْ لِهَذَا الدِّينِ مَنْ هُوَ أَفْرَغُ مِنِّي وَ أَنَا إِنْسَانٌ مِسْكِينٌ وَ عَلَيَّ عِيَالٌ»، فرجع إلى نصرانيّته[1] .

والشاهدُ منها: أنّ التدرّجَ ركنٌ أساسيٌّ في مقام التربية، وجانبُ التربية ضروريٌّ في السياسة؛ فبابُ السياسة والتربية والتنفيذ — سواءٌ أكانت سياسةً فرديّة، أم أسريّة، أم اجتماعيّةً سياسيّة — يفتقر إلى التدرّج، ويمتنع أن يُؤتى به دفعةً واحدة.

والحاصل: أنّ عالمَ التشريع شيءٌ، وعالمَ البيانِ — الذي يندرج في سياق التربية العلميّة والنفسانيّة — وعالمَ التنفيذ شيءٌ آخر؛ فهذا العالمُ الأخير يحتاج إلى تدرّجٍ وقواعدَ وضوابطَ مخصوصة، لا سيّما تلك المنصوصِ عليها في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر[2] ، فإنّ كثيراً من فقراته يمثّل قواعدَ جليلةً في جانب السياسة والإدارة والتربية.

وهذا المبحثُ يقتضي في الحقيقة أن يُفرد له الفقهاءُ باباً مستقلّاً تحت عنوان: «آداب وقوانين التنفيذ وقواعد الإدارة» التي ندب إليها الشارعُ الحكيم، ليكون مبوَّباً ومستقلاًّ عن باب التشريع الكلّي الأصلي والتشريعات الثابتة؛ وهو من الأمور الملحّة لإعادة تدوين الفقه وصياغته، على نحو ما دعا إليه جمعٌ من كبار الفقهاء كالسيد محسن الحكيم (رحمه الله) [3] .

والنتيجة: أنّ إمكانيّةَ إطلاق البيان مسألةٌ في غاية الأهميّة. ومن فروع هذا المطلب، نطرح تساؤلاً تمريناً وتدرّباً للذهن: ما هو الأمرُ الذي أُمر به سيّدُ الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في الغدير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[4] ولم يكن قد بلّغه النبيُّ من قبل؟ فهذا موضعٌ حريٌّ بالتدبّر والنظر، وهو بحثٌ يتّصل بجهة البيان لا سيّما في المسائل العقائديّة، وإلا فإنّ الأصولَ الثلاثة (التوحيد، والنبوّة، والإمامة) متضافرةُ الأدلة؛ وقد فصّلنا في كتاب «أحكام الإسلام والإيمان» أنّ في القرآن الكريم طوائفَ جمّةً في بيانها، تتجلّى للمتدبّر فيها.

إذن، ما الذي لم يكن حاصلاً قبل الغدير وكان الله (عزَّ وجلَّ) مشدِّداً على سيِّد الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله) في بيانه؟ يرى السيِّد عبد الرزاق المقرَّم شرطيَّة الشهادة الثالثة في الدخول في الإسلام[5] ، وهو فقيهٌ متضلِّعٌ في العقائد من تلاميذ الميرزا النائيني، والمحقِّق العراقي، والمحقِّق الأصفهاني (الكمباني)، وحضوره عند السيِّدين الخوئي ومحسن الحكيم إنّما كان تبرُّكاً وتشرُّفاً، وإلّا فأصل تلمذته وسطوحه العالية كانت على يد أولئك الأعلام الثلاثة. وهذه نكتةٌ لطيفةٌ التفت إليها السيِّد المقرَّم، حيث بيَّن في مصنَّفه أصل اشتراط الصحَّة العقائديَّة وأساس الإيمان في الدخول في الإسلام. والغرض هنا ليس استقصاء تفاصيل هذا المبحث، بل بيان شأن (البيان) ومدى تعقيده، وإمكان صدوره، وتعيين ما اشتمل عليه بيان الغدير ممّا لم يسبق بيانه؛ وهي من النكات الحساسة جدّاً.

وقد يُخيَّل للناظر أنَّ مبحث الإطلاق والبيان—سواءٌ في الفقه أم العقائد—أمرٌ سهلُ التناول، غير أنَّه في واقع التحقيق من أصعب الصعاب؛ فالبيان المأخوذ في مقدِّمات الحكمة[6] مبحثٌ وعرٌ، والتدقيق فيه يفتح آفاقاً واسعةً في فهم أدلَّة الفقه والعقائد معاً، ممّا يوجب التؤدة والتثبُّت في هذه المراحل الأولى لحساسيَّتها البالغة وأثرها في استنباط الدلالات، والشأن نفسه يجري في سائر الشروط الآتية.

ومن هنا: عَدَّ الأعلامُ إحكامَ التمسُّك بالإطلاق ميزاناً لامتحان الأعلميَّة، لا مجرَّد اختبارٍ لأصل الاجتهاد والفقاهة؛ فإنَّ نفيَ التقييد أو إثباتَه ليس بالأمر الهيِّن، ومقدِّمات الحكمة وإن بدت عناوينها واضحةً وميسورة، إلّا أنَّ تطبيقها الصغرويَّ يفتقر إلى تضلُّعٍ صناعيٍّ، ويقظةٍ تامَّةٍ في الذوقين العرفيّ والروائيّ، ومِرانٍ فقهيٍّ واسع.

والحاصل: أنَّ أحد مؤاخذات الأصوليِّين على جمهرةٍ من الأخباريِّين يكمن في جمودهم على ظواهر الألفاظ بمعزلٍ عن ملاحظة جهة البيان ومساق الكلام، وهو الإشكال عينه الوارد على المسلك الحشويّ عند مختلف الاتجاهات من أصوليِّين وفقهاء ومحدِّثين؛ إذ العمدة في مباحث الألفاظ يدور مدار تبيُّن:

    • هل المتكلِّم في مقام بيان الحكم؟

    • وما هي الجهة التي انصبَّ البيان عليها تفصيلاً؟

    • وهل يمتلك المتكلِّم إمكانيَّة البيان عقلاً وعرفاً؟

فالإمكان العرفيّ شرطٌ لازمٌ كالإمكان العقليّ، ومقتضى ذلك العناية التامَّة بالملابسات والظروف التاريخيَّة المحتفة بصدور النصّ؛ لكونها تكتنف دلالة الرواية وتكشف عن مراد المتكلِّم ومقصده الجدِّي.

أمَّا الشرط الثاني في مقدِّمات الحكمة: فهو إحراز كون المتكلِّم في صدد البيان، بعد الفراغ عن الشرط الأوَّل وهو إمكان البيان عقلاً وشرعاً وعرفاً. وقد زاد بعض الأصوليِّين شرطاً آخر، وهو انتفاء القدر المتيقَّن في مقام التخاطب،

لكن ناقش فيه المحقِّق الآخوند[7] [8] [9] وذهب إلى عدم صحَّة اعتباره مانعاً من انعقاد الإطلاق على تفصيلٍ سيأتي. ثمَّ إنَّ هناك شروطاً أُخَر تُذكر في الرتبة الرابعة أو الخامسة، أو تُدرج بتفريع الشرط الثاني إلى شطرين، سواءٌ عُدَّ ذلك شرطاً مستقلاً أو تشقيقاً للمقام.

الشرطان الثاني والثالث: كون المتكلم في مقام البيان وتحديد جهته

الشرط الثاني من مقدمات الحكمة: أن يكون المتكلم في مقام البيان (أو صدد البيان). وهذا الشرط ينشطر بحسب التحقيق إلى شطرين؛ الشطر الأول: أصل كونه في مقام البيان، والأمر الأهمّ والأكثر تعقيداً الكامن وراءه هو: كونه في مقام البيان عن أيّ شيء؟

ومثال ذلك: الإطلاقات الواردة في كلام سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله): «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[10] ، حيث لا يمكن التمسّك بإطلاقها في كلّ شيء؛ إذ لا يمكن أن يكون النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في صدد بيان جميع تفاصيل الصلاة وجزئياتها لئلا يضيع أصل تشريع الصلاة، فهل عدم شموله ناشئٌ من جهة عدم إمكانية البيان أم من جهة عدم كونه في صدد البيان؟ فالمتحصل أنّ إحراز أصل كون المتكلم في مقام البيان ركنٌ أساسيّ، ويقع البحث في كيفية إحرازه، وهل هو في صدد البيان أم في صدد الإهمال والإجمال؟

الشرط الثالث: وهو الشطر الثاني المتفرّع عن الشرط السابق، والأولى جعله شرطاً مستقلاً كما صنع جمعٌ من الأعلام، وحينئذٍ يترتّب عليه تغيّر ترقيم الشروط اللاحقة، ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم؛ إنّما المهم هو الالتفات إلى تنقيح المطلب.

وتحرير هذا الشرط: هو تحديد «جهة البيان»؛ وهي مسألة صعبة ودقيقة جداً؛ إذ يتردد الأمر بين كون المتكلم في صدد بيان الحكم الوضعي، أو الحكم التكليفي، أو في صدد بيان تفاصيل الأجزاء، أو في صدد بيان منظومة المركّب وأصله.

ومثال ذلك: ما ذكره الأعلام في صيد الكلاب المعلَّمة عند قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾[11] ، فما هي جهة البيان في الآية الكريمة؟ وهذا يُعدّ من أصعب الأمور في إحراز بنية ظهور الإطلاق؛ فهل الآية مسوقة لبيان شرائط التذكية؟ فإن قلنا بذلك، فشككنا مثلاً هل يجب أن يكون عضّ الكلب في خصوص حلقوم الفريسة ومذبحها كشرطٍ كما هو الحال في الذبح؟ فنقول: لا، الآية فيها إطلاق لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، سواء عضّ حلقوم الفريسة أم عضّها في موضعٍ آخر ونزف الدم، فكلّ شرطٍ يُشكّ فيه من شرائط التذكية بالصيد يُدفع بعموم الآية وإطلاقها. أمّا لو قيل: هل محلّ عضّ الكلب طاهرٌ أم متنجس؟ فالآية ليست في صدد بيان الطهارة والنجاسة، بل هي في صدد شرائط التذكية، وقضية النجاسة والطهارة أمرٌ آخر يُطلب من موضعه.

فائدة: إنّ تحديد جهة البيان يحتاج إلى ممارسة وتدقيق وتمرّس عالٍ وإلا لم يُسَيْطر عليه الباحث؛ ولذا فإنّ كثيراً من الآيات والروايات يُمتحن بها الفقهاء من جهة نباهتهم في تحديد جهة البيان قوّةً وضعفاً. فقد يكون الفقيه قويّاً في الجانب الأصولي، لكنّ عارضته وملَكته الفقهية تتفاوت في التنبّه لجهات البيان؛ فالأعلمية تؤثر فيها جهاتٌ عديدة، والممارسة في الفقه تمنح الإنسان تضلّعاً ويقظةً تامّة في النكات الفقهية والأبواب العرفية.

والحاصل: أنّ الشروط التي مضت هي: إمكانية البيان، وأصل كون المتكلم في مقام البيان، وتحديد جهة البيان.

الشرط الرابع: انتفاء التقييد ومسألة تعليق الظهور

الشرط الرابع: انتفاء التقييد (أو عدم التقييد). ويقع التساؤل هنا: هل المراد به عدم التقييد بالمتصل، أو عدم التقييد بالمنفصل؟

والخلاف هنا: جارٍ بين الأعلام كالخلاف المقرّر عندهم في القرينة اللفظية المتصلة والمنفصلة. وما ذهب إليه المحقق الآخوند (رحمه الله) [12] فلعلّ الحقّ معه فيه؛ وهو أنّ بنية الظهور لا تُعلّق على المنفصل، نعم، المراد الجدّي النهائي يُعلّق على المنفصل؛ إذ ثمّة فارقٌ دقيق بين المراد الجدّي الأولي والمراد الجدّي النهائي، وسواء كان هناك مرادٌ جدّي ثانٍ أو ثالث، فالمهمّ والمدار على المراد النهائي المشرَّع المتوقّف على المنفصل.

هذا متوقف على المنفصل؛ فالمرحوم الآخوند دوماً في القرائن اللفظية أو الحالية يفصل بين ذات بنية الظهور الذاتي للكلام المتصل وبين القرائن المنفصلة، بينما الميرزا النائيني عنده — بحسب دعواه الرسمية — أن بنية الظهور تتوقف على المنفصل سواء كانت قرينة لفظية أو حالية[13] ، فبين العَلَمين اختلاف، وإن كان الميرزا النائيني لا يلتزم دوماً بهذا المبنى، ففي بعض الموارد يبني على غيره.

مناقشة اشتراط انتفاء القدر المتيقن وأقسامه

وهذا الشرط: لم يوافق عليه الأكثر؛ فالمرحوم الآخوند يرى أن انتفاء القدر المتيقن شرطٌ، وأن وجوده مانع من التمسك بالإطلاق[14] ، حيث يمكن أن يعتمد عليه المتكلم ولا يُحاجَج بأنه أطلق الكلام، بل يقول: اعتمدت على قرينة القدر المتيقن، وهي قرينة حالية كافية للتقييد، وهذه دعوى الآخوند (رحمه الله).

والمناقشة في ذلك: أن الأعلام في نقاشهم مع الآخوند يبينون أن القدر المتيقن على أنواع:

    • الأول: قدر متيقن منشؤه الوجود الخارجي، وهذا من أضعف أنواع القدر المتيقن التي تُدعى فيها القرينية؛ فالقدر المتيقن بحسب الوجود الخارجي لا ربط له بالتنظير الكلي للكلام، ومثاله: لو كان المتكلم في بيئة معينة وقال: «وزّع على جميع الطلبة كذا»، فيقال: إن القدر المتيقن في الوجود الخارجي هم القومية الفلانية لأنهم الأكثرية، مع أنه ليس قدراً متيقناً في التنظير الكلي، بل هو وجود خارجي فقط.

    • الثاني: قدر متيقن في مقام التخاطب[15] ، والمقصود به مثلاً أن يسأل الراوي عن موضوع جزئي، كأن يسأل عن أبوال الدواب مثلاً، لكن إجابة الإمام (عليه السلام) لا تختص بالدواب، بل تدور حول كل كائن حي يدب على الأرض مما لا يؤكل لحمه، وإن كان في أصل المعنى اللغوي يطلق على كل ما يدب على الأرض مما يمشي على رجلين أو أربع، فإذا كان هناك قدر متيقن في مقام التخاطب بلحاظ سؤال السائل — لأنه سأل عن الدواب التي تُركب — بينما العنوان بحسب أصل اللغة أعم، فإن هذا المعنى للقدر المتيقن في مقام التخاطب لا يصح أيضاً أن يكون مانعاً من الإطلاق.

والوجه في ذلك: أن اللفظ لا يحتاج إلى تعدٍّ لكونه اسم جنس، والجواب رُتّب في قالب لفظي عام؛ فهل يبقى الجواب على ظاهره أو يُمنع التمسك بالإطلاق اللفظي والإطلاق الجدي لوجود القدر المتيقن في التخاطب بمورد السؤال؟

والظاهر: أن العرف يفهم التطبيق لا التضييق إذا أتى المتكلم بقالب كلي واسع، كما في قولهم (عليهم السلام): «أَلَا أُعَلِّمُكَ شَيْئاً إِذَا فَعَلْتَهُ ثُمَّ ذَكَرْتَ أَنَّكَ أَتْمَمْتَ أَوْ نَقَصْتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ؟»[16] ، فيكون المورد تطبيقاً للضابطة الكلية، وإلا فلو ضُيّق الكلام بمورد السؤال والجواب، أو بلحاظ الفتن الفكرية والسياسية المعاصرة للنص، لضاق كل الكلام.

تنبيه: وهناك معنى آخر للقدر المتيقن، وهو القدر المتيقن بمعنى الانصراف، وهذا يدخل في بحث الانصراف.

مناشئ الانصراف وأثرها في التقييد وخلود التشريع

يروم المصنِّف أن ينتقل من بحث القدر المتيقن إلى بحث الانصراف[17] .

ومعنى الانصراف: هو من المباحث الدقيقة والحساسة في علم الأصول؛ إذ إنَّ مناشئ الانصراف متعدّدة وكثيرة وليست منحصرة في منشأ واحد، فيقع التساؤل حينئذٍ: هل يُعوَّل على الانصراف مطلقاً في مقام التقييد أم يُفصَّل فيه؟

والحاصل في ذلك: أنَّ الأعلام يعوّلون على الانصراف ويبنون عليه إذا كان ناشئاً عن كثرة الاستعمال والغلبة الاستعمالية، وأمّا إذا كان منشؤه أمراً آخر — كالأنس الذهني الحاصل في ذهن المخاطب — فلا يلزم المتكلمَ التعويلُ عليه؛ لكونه ليس من مكتنفات اللفظ ولا من شؤون الاستعمال، بل هو راجع إلى أسباب وبيئات مخصوصة أوجبت استئناس ذهن المخاطب بحصة دون أخرى، وهذا الأنس أجنبيٌّ عن حريم اللفظ؛ إذ إنَّ اللفظ في عالم الاستعمال اللغوي والمحاورة العرفية غير محفوف بهذا الأنس الحاصل للمخاطب، فهو وإن كان انصرافاً إلا أنَّه لا يُعوَّل عليه في تقييد المطلق.

وهناك منشأ ثالث للانصراف لا يُعوَّل عليه أيضاً: وهو الانصراف الناشئ عن التشكيك[18] من حيث الشدة والضعف؛ إذ كثيراً ما يسبق الذهن عند إطلاق اللفظ إلى أكمل الأفراد وأشدّها مصداقية، فلو ورد الأمر مثلاً بتوزيع الصدقات على المستحقين، فإنَّ انصراف اللفظ إلى أشدّ المصاديق استحقاقاً لا يُعوَّل عليه في تضييق دائرة الامتثال.

والعلة في ذلك: نكتةٌ كلية قرّرها الأعلام، وهي أنَّ القرينة المانعة من الإطلاق لا بدَّ أن تكون من شؤون الاستعمال ومكتنفة به، فإن كانت كذلك عُوِّل عليها في التقييد، وإلا فلا عبرة بسائر مناشئ الانصراف الخارجة عن دائرة الاستعمال اللفظي.

ومن مناشئ الانصراف غير المعتبرة كذلك: ضعف المصداق وخفاؤه، كالمثال المعروف بـ«ماء الكبريت»؛ فإنَّ انصراف لفظ الماء عنه لضعف صفاته لا يُعوَّل عليه ما دام اسم الجنس صادقاً عليه حقيقة. نعم، إن خرج عن صدق اسم الماء عرفاً — بأن غلبت عليه مادة الكبريت حتى صيّرته ماءً مضافاً أو مصفرّاً خارجاً عن حقيقة الإطلاق — فذلك مبحث آخر، وأمّا إذا كان ماءً مطلقاً تشتمل مادته على كبريت قوي مع بقاء حقيقة الماء وصدق عنوانه عليه، فهو ماء يجوز الوضوء والاغتسال به ما لم يترتب عليه ضرر.

فالمتحصل: أنَّ مناشئ الانصراف متعددة، ولا اعتبار بشيء منها إلا إذا كان شأناً استعماليّاً محفوفاً بحال الاستعمال.

وتظهر ثمرة هذا المطلب: في مسألة خلود التشريعات القرآنية وبقائها إلى يوم القيامة؛ حيث نشأ الخلل والشبهة عند القائلين بالقرائن التاريخانية[19] والبيئية، مع أنَّ هذه الظروف لا تُعدّ قرينة استعمالية البتة، وهذا هو مكمن الزلل في منهجهم الاستظهاري؛ وهي مسألة تمسّ فلسفة الشريعة وأصل خلود الدين، فمن هنا تتجلى خطورة هذا المطلب الأصولي وأهميته البالغة.

والنتيجة: هذا تمام الكلام في شرائط «مقدمات الحكمة»[20] ، وقد اتضح أنَّها وإن بدت سهلة في صياغتها وعناوينها الكلية، إلا أنَّ تطبيقها الصغروي على غاية من الدقة والصعوبة، ويتطلب دربة وممارسة فقهية واسعة في مختلف أبواب الفقه والاستنباط.

 


[1] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج2، ص43. كتاب الإيمان والكفر، باب درجات الإيمان، ح2.
[3] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (1306 - 1390 هـ)، مرجع الطائفة وزعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف، صاحب موسوعة «مستمسك العروة الوثقى» وكتاب «حقائق الأصول»، وكان من دعاة تنظيم وتطوير التدوين الفقهي والمؤسسي. — المحقق.
[5] انظر: المقرّم، عبد الرزاق. سر الإيمان الشهادة الثالثة.. ص76–80. — المحقق
[6] مقدِّمات الحكمة: هي القواعد والقرائن الحالية والسياقية التي يتوسل بها العرف العقلائي لإثبات كون اللفظ المطلق مراداً للمتكلم بإرادته الجدية وسارياً في تمام أفراده عند تجرده عن القيد. — المحقق.
[7] راجع: الخراساني، محمد كاظم (الآخوند). كفاية الأصول.
[8] فوائد الأصول، الكاظمي الخراساني، الشيخ محمد علي، ج1، ص575. «ويُنظر في بسط مناقشة اشتراط انتفاء القدر المتيقن».
[15] القدر المتيقن في مقام التخاطب: هو الفرد أو الحصة التي تكون متيقنة الإرادة من اللفظ بحسب مناسبات السؤال والتخاطب أو خصوصية مورد المحاورة. — المحقق.
[17] الانصراف: هو تبادر بعض أفراد المطلق أو حصصه إلى الذهن عند إطلاق اللفظ، لسبب يوجب اختصاص المطلق ببعض أفراده دون بعض. — المحقق.
[18] التشكيك: هو تفاوت أفراد المفهوم الواحد في صدقه عليها بالشدة والضعف أو التقدم والتأخر، كاختلاف أفراد النور والوجود. — المحقق.
[19] التاريخانية (Historicism): مذهب ونزعة فكرية ترى حصر النصوص والأحكام وظواهرها في ظروفها وسياقاتها التاريخية والبيئية، ونفي ديمومتها وعمومها للأزمنة اللاحقة. — المحقق.
[20] مقدمات الحكمة: هي مجموع القرائن العامة والمقدمات التي متى أحرزها السامع في كلام المتكلم، أثبتت كون الإطلاق مراداً جدياً له، وأهمها: كون المتكلم في مقام البيان، وانتفاء ما يدل على التقييد. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo