« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/14

بسم الله الرحمن الرحيم

شواهد الرجعة ومراتبها في سورة البقرة/آيات المواجهة الفكرية والهدنة العسكرية (سورة البقرة) /التفسير الموضوعي

 

موضوع: التفسير الموضوعي/آيات المواجهة الفكرية والهدنة العسكرية (سورة البقرة) /شواهد الرجعة ومراتبها في سورة البقرة

 

أبعاد المواجهة الفكرية عند الأنبياء والأئمة وشواهد الرجعة في سورة البقرة

أبعاد المحاجّة الإبراهيمية وطبيعة الصراع الفكري

كنا في ظلال هذه الآية الكريمة حول نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾[1] ؛ فهذه المحاجّة القائمة بين النبيّ إبراهيم (عليه السلام) وبين طاغية عصره نمرود لم تكن محاجّةً جزئيّةً متقوقعةً في زاويةٍ فكريّةٍ ضيّقة، بل هي عبارةٌ عن تجاذبٍ ومواجهةٍ فكريّةٍ شاملة؛ لأنّ مدار البحث ومصبّ النزاع كان في تعيين صاحب الشرعيّة وصاحب الحاكميّة: أهو الله سبحانه أم نمرود؟! وعليه، فإنّ هذا السجال لم يكن نقاشاً جزئيّاً في دائرةٍ تفصيليّةٍ محدودة، بل هو خلافٌ ومواجهةٌ فكريّةٌ في أصل المسار والمنهج، واختلافٌ شموليّ رئيس وأساس، لا مجرّد اختلافٍ موضعيّ.

وهذا النمط من الاختلاف لا يختصّ بنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) فحسب، بل هو شأن عامّة الأنبياء كموسى وعيسى ونوح (عليهم السلام)؛ إذ ليس في سيرة الأنبياء أدنى مواربةٍ أو تعتيمٍ على الخلاف الفكريّ، بل ديدنهم الإفصاح والصدع بوجود المباينة الفكريّة، ولو كان ذلك بنبرةٍ هادئة؛ فبيانهم جليّ في كونه استدلالاً متيناً ونقاشاً رصيناً جليلاً، وإن اكتسى بلغةٍ رفيقةٍ ولينة، غير أنّ المطلب في جوهره يمثّل مفاصلةً واختلافاً أساسيّاً من غير تعميةٍ لحقيقة الأمر. وإذن، فلم تكن المواجهة حينئذٍ صراعاً عسكريّاً بحسب ما يذكره القرآن الكريم هنا، بل كانت حرباً باردةً أو حرباً ناعمة، ومقارعةً فكريّة.

مناقشة دعوى انقطاع العمل العسكري لدى الأئمة (ع)

توهّم انقطاع المواجهة الساخنة: وتتفرّع على ذلك نكتةٌ بالغة الأهمّيّة؛ إذ ربّما يقول البعض إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء لم يعتمدوا الأسلوب الساخن، وتركوا خيار القوّة العسكريّة الذي سار عليه الإمام الحسين (عليه السلام)، على الرّغم من أنّ استعمال القوّة العسكريّة كان سنّةً مستعملةً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعند أمير المؤمنين (عليه السلام) وبقيّة أصحاب الكساء (عليهم السلام)، وهي سنّتهم التي لا يُرفع اليد عنها بحال، فزعم هؤلاء أنّ الأئمّة بعد واقعة عاشوراء قد أقفلوا باب الحرب الساخنة.

وهذا القول يؤخذ عليه:

    • أوّلاً: إنّ هذا القول مخدوشٌ؛ إذ يُسأل: هل أغلق الأئمّة التسعة من ولد الحسين (عليهم السلام) الحرب الساخنة في مقام العلانية أم في مقام الخفاء؟ فإنّ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) لا تنحصر في دائرة السيرة المعلنة الظاهرة؛ وأحد أكبر الاشتباهات المنهجيّة في استنباط الأحكام الشرعيّة أو في مقام الاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام) هو حصر سيرتهم في الإطار المعلن في العلانية، والظنّ بأنّه لا مسلك لهم ولا سيرة في دائرة الخفاء، وهذا اشتباهٌ واهن؛ فإنّ القرآن الكريم يثبت أنّ المصطفين من الأنبياء والرسل والأوصياء كانت لهم أنشطةٌ وتدابير خفيّة غير معلنة، فمن أين نسوّغ قراءة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) قراءةً متقوقعةً ناقصةً حبيسة الظاهر ومقصورةً عليه؟!

    • الشاهد الروائيّ والتاريخيّ: يروي ثقة الإسلام الكلينيّ في كتاب «الكافي» روايةً في بيان العلاقة بين الإمام الكاظم (عليه السلام) والحسين بن عليّ صاحب فخ[2] قبيل خروجه للثورة؛ حيث كان ثمّة توجيهٌ وإرشادٌ من الإمام الكاظم (عليه السلام) ولكن لم يُعلَن عنه[3] ؛ إذ كان الملفّ في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) مستوراً ومخفيّاً. وكذلك كان الإمام الصادق (عليه السلام) في زمانه يتواصل بتستّرٍ مع الفقهاء من تلاميذه الذين شاركوا مع زيد الشهيد[4] في الثورة، حتّى إنّ هذا التستّر والخفاء لم يعلم به زرارة بن أعين، ولا محمد بن مسلم، ولا أبو بصير، ولا بريد بن معاوية العجليّ، وكثيرٌ من فقهاء تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يعلموا بذلك؛ وما ذلك إلا لأنّ طبيعة حركة الأئمّة (عليهم السلام) انطوت على تدابير خفيّةٍ غير معلنةٍ كثيرةٍ جدّاً.

بينما الفضيل بن يسار[5] — وهو فقيهٌ من فقهاء تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) ولعلّه من تلاميذ الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً؛ لكونه شارك في ثورة زيد ونجا بعد مشاركته — كان الإمام الصادق (عليه السلام) يتواصل معه ويخصّص ميزانيةً مالية لعوائل الشهداء الذين نُكبوا في ثورة زيد الشهيد، حيث كان يرعى تداعيات ثورة زيد سِرّاً وخفاءً، وفي تلك الرواية التي يرويها الكشّي والصدوق في أماليه[6] [7] يبارك الإمام الصادق (عليه السلام) للفضيل مشاركته في ثورة زيد.

وهناك مرقدٌ معروف دارت عنده معركةٌ عسكرية بين ابن الإمام الباقر (عليه السلام) والسلطة، والمقصود من ذلك هو إثبات وجود أنشطةٍ وأعمال تجري في الخفاء؛ إذ ليس من الكياسة والتدبير أمام العدو إظهار كل الملفات، وكذلك الإمام الهادي (عليه السلام) في ارتباطه الخاص بالسيد عبد العظيم الحسني[8] ، والذي كان له دورٌ وارتباطٌ وثيق بإنشاء الدويلات التي قادها العلويون من بني هاشم في شمال إيران بإيعازٍ وتوجيهٍ منه، والشواهد على هذا القبيل كثيرةٌ متضافرة.

والحاصل: أنّ دعوى انقطاع الأئمة التسعة من ولد الإمام الحسين (عليه السلام) عن ممارسة القوة الساخنة مردودةٌ ساقطة؛ فإنّ عدم ممارستهم لها في العلن بحثٌ آخر يباين ممارستها في الخفاء، والشواهد القطعية متظافرةٌ على أنّ سيرتهم لم تتخطَّ سيرة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسيرة أصحاب الكساء (عليهم السلام) ولا سيرة بقية الأنبياء (عليهم السلام).

حقيقة الهدنة العسكرية واستمرار الحرب الناعمة

الوجه الثاني: إنّ الحرب الباردة والناعمة بين الأئمة (عليهم السلام) والسلطات الأموية أو العباسية ظلّت مستمرةً لم تنقطع، تماماً كما كانت الحرب الناعمة والفكرية والباردة قائمةً بين النبي إبراهيم (عليه السلام) ونمرود في قوله تعالى﴿:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [9] ؛ إذ لم تكن بين إبراهيم (عليه السلام) ونمرود أيّ هدنةٍ فكرية، بل كانت مواجهةً فكرية مستدامة لا هوادة فيها.

ومنشأ الإشكال: يكمن في توهّم أنّ الهدنة العسكرية تعني بالضرورة هدنةً فكرية أو إعلامية وإيقافاً للحرب الناعمة، وهو شبيهٌ بما جرى في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية؛ إذ كان الصلح بمثابة اتفاق دولتين على تقاسم السلطة والمشاركة في إدارتها، على أن ترجع السلطة بعد ذلك للإمام الحسن ثم إلى الإمام الحسين (عليهما السلام).

والشاهد على ذلك: أنّ الهدنة التي عقدها الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية كانت هدنةً عسكرية حصراً لإيقاف العمليات الحربية الساخنة، ولم تكن إيقافاً للحرب الإعلامية أو الفكرية أو الناعمة؛ بدليل أنّ معاوية طوال عشر سنوات من حياة الإمام الحسن (عليه السلام) لم يستطع التطاول أمنيّاً أو عسكريّاً على أتباع أهل البيت وأتباع أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ لما كان يمتلكه الإمام الحسن (عليه السلام) من قوةٍ وعتاد وعدة وقاعدةٍ شعبية واسعة، حتى إنّ معاوية أراد الاستعانة بالقوة العسكرية للإمام الحسن (عليه السلام) لقتال الخوارج، فالحرب الباردة ظلّت قائمةً ومستمرة بين الطرفين.

والنتيجة: إنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان مقتصراً على إيقاف الحرب الساخنة دون الحرب الباردة أو الناعمة، وحقيقة الحرب الباردة بالاصطلاح المعاصر هي بقاء السلاح في أيديكم من غير استضعاف، مع استمرار الإعداد والاستزادة من القوة من قِبل كلا الطرفين.

إنَّ رواياتِ الهدنةِ الصادرةِ عن أهلِ البيت (عليهم السلام)، وتحديداً الأئمّةِ التسعةِ من ولدِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، إنّما وردت في ظروفٍ موضوعيّةٍ خاصّة؛ والمقصودُ منها هو الهدنةُ العسكريّةُ القائمةُ على إيقافِ الحربِ الساخنةِ فحسب، لا الهدنةُ الفكريّةُ أو الإعلاميّة.

ومقتضى ذلك: أنّ مراعاةَ جانبِ السريّةِ والخفاءِ الأمنيِّ في المسارِ الإعلاميِّ أو الفكريِّ أمرٌ مطلوبٌ لئلّا يتنبّهَ العدوُّ ويستحكمَ خطره، بيدَ أنّ ذلك لا يَعني بحالٍ من الأحوالِ انقطاعَ واقعِ العملِ الفكريِّ والإعلاميِّ أو توقّفَ الحربِ الباردةِ الخفيّة، فلا ينبغي الخلطُ بين المفهومين.

والحاصل: أنّ هذه الهدنةَ التي دعا إليها الأئمّةُ التسعةُ من ولدِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) مقتصرةٌ على إيقافِ المواجهةِ العسكريّةِ الساخنةِ دونَ الحربِ الباردة، ولا الناعمة، ولا الإعلاميّة، ولا الفكريّة، فضلاً عن المواجهةِ العقَديّةِ والقلبيّة.

ويُزاد على ذلك: أنّ الهدنةَ العسكريّةَ إنّما تُشرعُ وتُتّخذُ في ظرفِ استضعافِ المؤمنينَ وكونِهم أقليّةً في البلاد؛ أمّا لو كانوا هم الأكثريّةَ والأقوى، فلا وجهَ لاستسلامِهم حينئذٍ البتّة. وأمّا التستّرُ والخفاءُ والمناورةُ الدبلوماسيّةُ والتقيّةُ مع السلطةِ الحاكمة، فذاك مبحثٌ قائمٌ برأسه؛ إذ نجدُ كبرى الدولِ تمارسُ الدبلوماسيّةَ بوصفِها مظهراً من مظاهرِ القوّةِ والتدبيرِ لا الضعفِ والهوان.

فائدة: نستفيدُ من الآياتِ القرآنيّةِ نكتةً جوهريّة، وهي أنّ جميعَ الأنبياءِ (عليهم السلام) فيما استعرضهُ القرآنُ الكريم لم يُوقفوا الحربَ الناعمةَ ولا الباردة، ولا المواجهةَ الفكريّةَ والإعلاميّةَ مع طواغيتِ عصورِهم، وسواءٌ كان ذلك بدهاءٍ وحكمةٍ أو بأسلوبٍ دبلوماسيٍّ ليّن، كما في قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ¤ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[10] ؛ إذ إنّ الغايةَ المتوخّاةَ هي كسرُ اللَّجاجِ والعناد.

شواهد عقيدة الرجعة ومراتبها في سورة البقرة

أمّا الآيةُ اللاحقةُ لآيةِ محاجّةِ إبراهيم (عليه السلام)، وهي الآية (259) من سورةِ البقرة، الواقعةُ بعد آيةِ الكرسي، في قوله عزّ وجلّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[11] ، فهذا مبحثٌ عقَديٌّ آخر؛ حيثُ دلّت الرواياتُ الواردةُ على أنّ القائلَ هو النبيُّ عُزير (عليه السلام) [12] ، وكان قد شاهدَ أطلالَ قريةٍ وعروشَها من نواحي البصرة، وهي عينُ القريةِ التي وصفها التنزيلُ العزيزُ في الآية (243) من سورةِ البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾[13] ؛ فكلا الآيتينِ تتناولانِ بالبيانِ حقيقةَ الرجعةِ[14] في واقعةٍ واحدةٍ تقريباً.

وتوضيحُ ذلك: أنّ مشهدَ قبرِ النبيِّ عُزير (عليه السلام) يقعُ اليومَ في ضواحي مدينةِ العمارة بمحافظةِ ميسان على مقربةٍ من البصرة، وأكثرُ الرواياتِ تذهبُ إلى أنّها قريةٌ حولَ البصرة[15] ، خلافاً لرواياتِ الطرفِ الآخرِ التي تجعلُ موضعَها في بلادِ فلسطين.

ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي كيفَ يُحيي اللهُ أهلَ هذه القريةِ الذين خرجوا منها وهم ألوفٌ بعدما نزلَ بهم الموت؛ فإنّ إحياءَ القريةِ في لسانِ الآيةِ إنّما هو إحياءٌ لأهلِها.

إنّ إحياء القرية هو إحياء أهلها، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾[16] ، فموت القرية عبارةٌ عن موت أهلها، وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾[17] ليس تعبيراً عن الإنامة، بل هو إماتةٌ حقيقية وموتٌ واقعي، على غرار ما ورد في الآية [243] في شأن أهل القرية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [18] ، فالمتحقق فيه هو الموت الفعلي لا الإنامة.

والحاصل: أنّ سورة البقرة قد اشتملت على عدّة مواضع—تبلغ أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر—تناولت مسألة الرجعة[19] ، سواء في ذلك رجعة البشر أو رجعة الحيوانات، ومن هذه الموارد:

    • المورد الأول: قصة البقرة التي سُمِّيت السورة بها، حيث ذُبِحت وضُرِب ببعضها الميتُ المقتول من بني إسرائيل فحيِي بذلك السبب، وإذا كان لحم البقرة الميتة المذبوحة سبباً في إحياء ميت، فكيف بمن هو أشرف من البقرة؟ وهذا المطلب يتصل اتصالاً وثيقاً ببحثَي التوسل والتبرك فضلاً عن الرجعة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ¤ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[20] .

    • المورد الثاني: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [21] .

    • المورد الثالث: قصة عُزَير المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [22] .

    • المورد الرابع: قصة الطيور والحيوانات التي ذبحها نبي الله إبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[23] .

والنتيجة: أنّ سورة البقرة تُبيّن بجلاء أنّ الرجعة لا تختص بالنوع الإنساني، بل تمتد لتشمل الحيوانات، فضلاً عن الجن والملائكة؛ إذ إنّ الطبقات النازلة من الملائكة تقرب أحكامها التكوينية من أحكام البشر والجن، ولها موتٌ وحدود، بل إنّ الملائكة عموماً—حتى المقربين والكروبيين[24] في السماء السابعة—يُقضى عليهم بالموت عند النفخ في الصُّور، فتكون الرجعة شاملةً بحسب الأصل لجميع أهل السماوات السبع والأرضين السبع، وغاية الأمر أنّ الرجعة ذات مراتب ودرجات وطبقات متعددة وليست على وتيرة واحدة.

 


[2] الحسين بن علي بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، ثورة فخّ ضدّ الخليفة العباسي الهادي سنة 169هـ، واستُشهد في موضع فخّ قرب مكّة المكرّمة. — المحقق.
[3] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص366.. ح18، باب “ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة”
[4] زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقيهٌ جليل ثار على الحكم الأموي في عهد هشام بن عبد الملك طلباً للإصلاح والنهي عن المنكر، واستُشهد بالكوفة سنة 122هـ. — المحقق.
[5] هو الفضيل بن يسار النهدي، أبو القاسم البصري (ت نحو 148 هـ)، من أجلة فقهاء الشيعة ورواة الحديث، وممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). — المحقق.
[8] هو السيد عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، المدفون بالري، كان عالماً زاهداً عابداً وذا منزلة رفيعة عند الأئمة (عليهم السلام). — المحقق.
[14] الرجعة في اصطلاح الإمامية: عودة قوم من الأموات إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة في عصر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). — المحقق.
[19] الرجعة في اصطلاح الإمامية: هي رجوع قوم من الأموات إلى الحياة الدنيا بعد قيام القائم (عجل الله فرجه) وقبل قيام القيامة الكبرى. — المحقق.
[24] الكروبيون: سادة الملائكة المقربون المستغرقون في تقديس الله تعالى وعبادته، ولهم أعلى المراتب الملكوتية. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo