48/04/04
اعتبارات الماهية وموضوع له اسم الجنس بين الأصوليين والحكماء/تعريف المطلق /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/تعريف المطلق /اعتبارات الماهية وموضوع له اسم الجنس بين الأصوليين والحكماء
مدخل إلى اعتبارات الماهية وتطبيقاتها الأصولية
كان الكلام في اعتبارات الماهيّة[1] ، والمراد بها كيفيّة لحاظ الماهيّة والملحوظ فيها. وهذا التدقيق قام به المناطقة في الأصل، ثمّ استثمره علماء البلاغة والمعاني، ومِن ثَمّ علماء الأصول؛ وجهة الاستثمار أنّ كلّ قسمٍ من أقسام لحاظ الماهيّة يتضمّن نوعاً من الإطلاق؛ فالإطلاق ذو أنواعٍ وأقسام متعدّدة وليس قسماً واحداً، ولكلّ قسمٍ منها أحكامه الخاصّة من حيث الإمكان والامتناع والتحقّق. ومِن هنا جاء تدقيق الأصوليّين ابتناءً على بحوث المناطقة والبلاغيّين، وليس هذا التنويع في الإطلاق ترفاً علميّاً، بل تترتّب عليه آثارٌ وثمارٌ عمليّة تستدعي الالتفات إلى هذا التعدّد في الإطلاق.
تحرير الأقوال في موضوع له اسم الجنس وثمرة البحث
تحرير الأقوال في المسألة:
• ذهب المحقّق الميرزا النائيني إلى أنّ اسم الجنس موضوعٌ للطبيعة بنحو «اللابشرط القسمي»[2] .
• واختار المولى هادي السبزواري أنّ اسم الجنس موضوعٌ للماهيّة بنحو «اللابشرط المقسمي»[3] .
• وخالف السيّد الخوئي كلا الرأيين، فذهب تبعاً للمشهور إلى أنّ اسم الجنس موضوعٌ للماهيّة المهملة[4] .
وقبل الخوض في تفصيل ذلك، يُطرح التساؤل الآتي: ما الفرق بين الإطلاق في الماهيّة المهملة، والإطلاق في اللابشرط القسمي، والإطلاق في اللابشرط المقسمي؟
وثمرة البحث: تتجلّى في أنّ السَّعَة في الماهيّة المهملة سَعَةٌ ذاتيّة؛ فالطبيعة في ذاتها ذات سَعَة، وإطلاقُها ذاتيٌّ لا لحاظيّ، وهذا الإطلاق الذاتيّ لا يُلحظ معه سريان الطبيعة في الأفراد؛ لكونها مهملةً يقتصر اللحاظ فيها على ذاتيّات الماهيّة والطبيعة والجنس فحسب. بخلاف «اللابشرط القسمي»، فإنّ فيه سَعَةً وإطلاقاً وسرياناً في الأفراد بلحاظٍ ذهنيّ. وعليه، فإنّ سنخ الإطلاق في أقسام المطلق لا يجري على وتيرةٍ واحدة؛ لا من حيث الذات والسنخ، ولا من حيث الآثار والأحكام.
وقد تقرّر في محلّه أنّ الماهيّة «بشرط لا» هي الماهيّة المجرّدة، والماهيّة «بشرط شيء» هي الماهيّة المخلوطة.
إشكال السيّد الخوئي: إنّه لو كان اسم الجنس موضوعاً للماهيّة بنحو «اللابشرط القسمي»، لكان استعمالُه في الماهيّة بشرط شيء أو الماهيّة بشرط لا مستلزماً للمجازيّة؛ لكون اللابشرط القسمي قسيماً ومبايناً لهما، والحال أنّ الوجدان قاضٍ بعدم وجود أيّ مجازيّةٍ في البين عند التقييد والاستعمال، وهو تنبيهٌ وجدانيٌّ على أنّ الماهيّة لم تُوضع للابشرط القسمي[5] . وتظهر ثمرة هذه الآراء والمباني جليّةً في بنية الظهور والاستظهار الأصولي.
إيرادات السيد الخوئي على اللابشرط القسمي والمقسمي
إشكال السيد الخوئي على مبنى المحقق النائيني: يتلخص ما أورده السيد الخوئي على دعوى كون اسم الجنس أو الطبيعة موضوعاً للّابشرط القسمي؛ في أن الكلام في وضع أسماء الأجناس إنَّما هو بالنظر إلى ذات لفظ الجنس مجرداً عما ينضم إليه من ألفاظ أو قرائن أُخَر؛ فهل نفس لفظ اسم الجنس موضوع للطبيعة اللابشرط القسمي أم لا؟ فإن كان موضوعاً للّابشرط القسمي، لزم أن يكون استعماله في الماهية بشرط شيء أو بشرط لا استعمالاً مجازياً، وهذا إشكال مستحكم في البين[6] .
والوجه الآخر في الإشكال: لمَ يصير الاستعمال في الكلي الطبيعي الخارجي مجازاً؟ وبيانه: أن المفروض كون اللفظ موضوعاً للطبيعة بقيد لحاظٍ ذهني، وحيث إنَّ اللابشرط القسمي شأنٌ من شؤون الوجود الذهني وكيفيةٌ من كيفياته، فإن كانت ماهية الطبيعة موضوعةً له لزم أن يكون استعمالها في الكلي الطبيعي الخارجي مجازاً، ومآل هذا اللازم باطلٌ بالوجدان؛ إذ أسماء الأجناس متى ما استُعملت في الكلي الطبيعي الخارجي أو استُعملت في الذهن كان كلا الاستعمالين حقيقياً لا مجازاً فيه، فتكون هذه مؤاخذةً أُخرى على مبنى المحقق النائيني.
إشكال السيد الخوئي على القول باللابشرط المقسمي: ويرد على القول بوضع اسم الجنس للّابشرط المقسمي المحذورُ نفسُه؛ إذ اللابشرط المقسمي حيثيةٌ ذهنية، ومقتضى ذلك امتناع استعماله في الكلي الطبيعي المهمل من جهة اللحاظ الذهني إلا مجازاً[7] .
إشكالٌ ثانٍ على المقسمي: أن اللابشرط المقسمي ليس له تقرُّرٌ في حدّ ذاته على نحوٍ متفرّدٍ ومنعزلٍ عن أقسامه؛ فإن المقسم لا وجود له متمايزاً عن أقسامه بل وجوده عينُ وجودها؛ فاللابشرط المقسمي إما أن يكون هو اللابشرط القسمي (المطلقة)، أو بشرط شيء (المخلوطة)، أو بشرط لا (المجرَّدة)، فإن رُمتَ وجوده مجرداً عن الأقسام فليس هو المقسمَ حينئذٍ، بل هو الماهية المهملة.
مذهب المشهور: ذهب المشهور إلى أن أسماء الأجناس موضوعةٌ للماهية المهملة[8] ، وهي التي لا يكون الإهمالُ قيداً فيها ولا اللإهمال قيداً، بل يُقتصر فيها على لحاظ ذاتيات الماهية فحسب، من دون لحاظ هذا اللحاظ ولا لحاظٍ آخر.
والحاصل: أن المناطقة يقررون للماهية أربعة لحاظات[9] :
• اللحاظ المهمل: وهو الذي يُهمل فيه اللحاظُ نفسَه واللحاظاتِ الأُخَر.
• لحاظ الماهية ساريةً في الأفراد: وهو اللابشرط القسمي.
• لحاظ الماهية بشرط شيء: وهي الماهية المخلوطة.
• لحاظ الماهية بشرط لا: وهي الماهية المجرَّدة.
الإشكال على مسلك الماهية المهملة والجواب بنظرية الفناء
إيرادٌ على مسلك السيد الخوئي: ثم إن هذه الإيرادات التي وجّهها السيد الخوئي على القائلين بكون ماهية الجنس هي اللابشرط القسمي أو المقسمي قد توجّه إلى مسلكه نفسه؛ فيُقال: إن الماهية المهملة المقتصر فيها على الذاتيات من دون ملاحظة هذا اللحاظ ولا غيره، نفسُ هذا اللحاظ الذي فيه إهمالٌ لنفسه ولغيره هل هو وجودٌ ذهني أم وجودٌ خارجي؟ فإن كان وجوداً ذهنياً، فكيف تصحُّ استعارة الماهية واستعمالها في الكلي الطبيعي الخارجي؟ مع أن الكلي الطبيعي موجودٌ وسارٍ في الخارج وهو الأصل، والأفراد إنَّما هي عوارض تطرأ عليه؛ فيشكل المستشكل بأن لحاظ الإهمال لحاظٌ ذهني أيضاً، فكيف يصح إطلاقه على الخارج بلا تجوّز؟
فإن قيل: إنَّ الماهية المهملة لحاظٌ ذهنيّ، وحيث أُشكِل على القول باللابشرط المقسمي واللابشرط القسمي بأنهما لحاظان ذهنيان لا ينطبقان على الخارج، فهذا الإشكال بعينه يَرِدُ على القول بالماهية المهملة؛ إذ إنَّ لحاظ الإهمال لحاظٌ ذهنيّ كذلك، في حين أنَّ الطبيعة الخارجية ليست ذهنية ولا تشتمل على اللحاظ الذهني.
والجواب: ما أفاده السيد الخوئي من أنَّ لحاظ الإهمال هنا غيرُ ملحوظ باللحاظ الاستقلالي، فهو موجودٌ في الذهن لكن بنحو الآلية والفناء في الملحوظ؛ فالموضوعُ له اللفظُ فيه فناء، وهناك فـانٍ وهناك مفنيٌّ فيه[10] . وهذه مسألةٌ تتطابق مع ما يُقرَّر في المعارف العقلية حول الفناء في الإدراك أو الفناء في التجلّي؛ فإنَّ المرآة قد تُلحظ تارةً بما هي مرآة، وتارةً لجلائها وشدة حكايتها وانعكاس الصور فيها، بحيث يمتنع الالتفاتُ إلى المرآة نفسها، وتلك خاصيةٌ تكوينية وعرفانية؛ ومثاله المشهود ما يقع في المواضع المتكاثرة المرايا، حيث يُرى البستان متعدداً في جهات شتى مع أنَّ الواقع بستانٌ واحد ومكانٌ فارد، ولا يستطيع الناظر التمييز بينها، حتى إنه لو رام الدخول لاصطدم بالمرآة؛ لكونها من فرط جلائها لا تري الناظرَ نفسَها بل تفنى في إظهار الصورة المحكية بها.
والعوالم تتفاوت في مرتبة الآياتية والحكاية؛ فكلما تصاعدت في مراتب الكمال اشتدت مَحْوضتها في الحكاية والآياتية، وكلما هبطت مرتبتها قلّت آياتيتها، كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[11] ؛ فإنَّ الآيات الآفاقية والأنفسية ذوات درجاتٍ ومراتب حتى تنتهي إلى خلوص التجلّي الإلهي، وكما يُقرِّر السيد محمد الروحاني بأنَّ مبحث الفناء والحكاية يكمن فيه سرٌّ من أسرار التوحيد ولغزه[12] .
والحاصل: أنَّ السيد الخوئي يرى أنَّ لحاظ الإهمال للماهية لحاظٌ فانٍ في ذات الماهية، وليس هو فناء وجودٍ في وجود كوحدة الوجود المصطلحة، بل يُعبَّر عنه بوحدة الحكاية وفناء الحاكي في المحكي، ونظيره ما ورد في الدعاء المأثور: «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ»[13] ، فهذا الفرق المرتفع إنما هو في مقام التجلّي والحكاية، مع قيام كمال البينونة والمغايرة الذاتية الوجودية بكونهم عباداً مخلوقين؛ ومثله ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [14] ، حيث يُؤوَّل بمجيء أمر ربك، أو بلحاظ كون سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) هو المظهر الأجلى والآية العظمى للحق سبحانه؛ لكون اللحاظ في الآية فانياً في الملحوظ غير منظورٍ إليه بذاته.
الإشكال الآخر: وقد أُورِدَ على السيد الخوئي إشكالٌ آخر، ومؤدّاه: أنه حتى لو سُلِّم بكون هذا اللحاظ فانياً في المحكي وفي الطبيعة، فهل هو مأخوذٌ بنحو القيد والشرط أم لا؟ فإن كان مأخوذاً بشرطٍ فالإشكال الأولي يعود بجذوره؛ إذ كيف يصح حينئذٍ استعماله في الكلي الطبيعي الخارجي؟ لأنَّ أخذ اللحاظ بشرط يجعله مقيداً باللحاظ الذهني وإن كان فانياً. وهذا المبحث — كما هو مشهورٌ عن المحقق الأصفهاني الكمباني وتلامذته في تحرير المعنى الحرفي والآلي والمرآتي ونكتة الحكاية[15] — يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأدقّ مسائل التوحيد الإلهي.
وهنا يذهب السيّد الخوئي إلى أنّ لحاظ الإهمال لم يُؤخَذ شرطاً وقيداً، في حين يُورِد عليه المستشكِل بأنّه قيدٌ وشرط، فيؤول بذلك إلى أمرٍ ذهنيّ.
التمييز بين الحاكي والمحكي وانعكاسه الكلامي والأصولي
فائدة معترضة: إنّ الفلاسفة والمتكلّمين، وقبلهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، قد واجهوا إحدى المشكلات الأُمّ والبالغة الصعوبة في مباحث العقائد والمعارف، وهي: كيف يميّز الإنسان بين الشيء في الذهن والشيء في الخارج؟ ومنشأ هذه الأزمة في الفلسفة وعلم الكلام وبحوث العقائد أنّ الذهن مرآةٌ للخارج، فكيف يفكّك الإنسان بين أحكام المرآة والحاكي من جهة، وأحكام المحكيّ في الخارج من جهةٍ أخرى؟ وشاهدُ ذلك مرآة السيّارة التي يُكتَب عليها تنبيهٌ: إنّ الأجسام أقرب ممّا تعكسه أو العكس؛ فالأشياء في الخارج لها حُكم، وفي المرآة — سواءٌ أكانت ذهناً أم غير ذهن — لها حُكمٌ آخر، والزيف في العلم والمعلومات أشدّ خطراً من أيّ زيفٍ آخر.
ومقتضى ذلك: إنّ الكذب في العلوم من أخطر ما يُرتكَب لمآرب سياسيّة؛ فقضيّة الذهن والمعلومات تدور مدار كونها معلوماتٍ حقيقيّة أو مزيّفة، فكيف تُسرى أحكام الحاكي إلى المحكيّ؟ وكيف يُفكَّك بين أحكام الحاكي والمحكيّ؟ وهذا من أدقّ البحوث وأخطرها في الفلسفة وعلم الكلام، ومن هنا تتجلّى معجزة أهل البيت (عليهم السلام) قبل أربعة عشر قرناً في قولهم: «كُلَّمَا مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ فِي أَدَقِّ مَعَانِيهِ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ مَرْدُودٌ إِلَيْكُمْ»[16] ؛ إذ ليس هو الواقع، بل هو مجرّد انعكاس، والانعكاس قد يَصغُر أو يَكبُر أو يتشوّه.
استثمار المطلب أصوليّاً: يريد السيّد الخوئي أن يستثمر هذا المطلب الدقيق في مسألة اعتبار الماهيّة وإهمالها[17] ؛ فحين يُشكَل عليه بأنّ هذا اللحاظ قيدٌ ذهنيّ لا ينطبق على الخارج، يجيب: بأنّه لا يُؤخَذ على نحو القيد الذهنيّ.
تنبيه: هذه المسألة مسألةٌ دقيقة ابتكرها المحقّق النائيني والمحقّق العراقي والمحقّق الأصفهاني (الكمپاني)، وحاصلها: هل القيود تُؤخَذ أم لا تُؤخَذ؟ وكيف تُؤخَذ وكيف لا تُؤخَذ؟ وهي مسألةٌ مغايرة لمسألة الحاكي والمحكيّ، وإن كانت قريبةً منها في الأفق والمسلك.