48/04/03
معاني الإطلاق والتقييد واعتبارات الماهية وبنية الظهور/تعريف المطلق /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/تعريف المطلق /معاني الإطلاق والتقييد واعتبارات الماهية وبنية الظهور
اصطلاحات الإطلاق والتقييد في العلوم
إنَّ للمطلق أو الإطلاق، والمقيَّد أو التقييد اصطلاحاتٍ عديدةً عند الأصوليين، قد تبلغ سبعةً أو أكثر. كما أنَّ هناك معنًى للإطلاق والتقييد في البحث المنطقي والفلسفي؛ إذ يُراد من الإطلاق عدم التركيب بين المادَّة والصورة، بأن يُنظَر إلى كلٍّ من معنى الجنس ومعنى الفصل على حِدَة، بينما يُراد من التقييد النظر إليهما باندماجٍ وتركيب.
وهناك معنًى عقليٌّ آخر للإطلاق والتقييد يذكره الأعلام؛ وهو أنَّ الإطلاق بمعنى السَّعة الوجودية، والتقييد بمعنى الضِّيق الوجودي، أي دائرة واسعة ودائرة ضيِّقة. كما أنَّ أحد معاني الإطلاق والتقييد متداولٌ في العلوم الإنسانية وفي الفلسفة؛ فالإطلاق يعني المجموع المركَّب، والتقييد يعني الجزء من هذا المركَّب، ويُستعمَل في علم الاقتصاد بهذا المعنى، فالإطلاق هو مجموع المركَّب والتقييد هو جزؤه. فهذه ثلاثة معانٍ عقلية — وربَّما أكثر — للإطلاق والتقييد في البحوث المنطقية والعقلية.
والحاصل: أنَّ الإطلاق والتقييد يُستعملان إجمالاً بمعانٍ متعدّدة في العلوم والفنون ينبغي الالتفات إليها، وبضمّ هذه المعاني الثلاثة أو الأربعة إلى الاصطلاحات الأصولية والفقهية تبلغ عشرة اصطلاحاتٍ أو أحد عشر معنى. ومقتضى ذلك ضرورة الالتفات إلى أنَّ الإطلاق والتقييد لا يُستعملان بمعنى واحد، بل بمعانٍ متعدّدة، ولكلِّ نوعٍ من أنواع الإطلاق والتقييد شؤونٌ وأحكامٌ تخصّه؛ فليست هذه الإطلاقات والتقييدات كلّها ذات شأنٍ وحكمٍ واحد، بل شؤونها متعدّدة، ويجب التنبّه لذلك بدقّة.
دلالة أسماء الأجناس ومنهجية تحليل بنية الظهور
والمراد بالطبائع هنا ماهية الطبائع، سواءٌ أكانت نوعيةً أم جنسية (كجنسٍ قريبٍ أو بعيدٍ أو متوسّط)، أو كانت ماهيةً طبيعيةً عَرَضيةً صنفية فلا فرق؛ فالكلام في الأجناس هنا يُراد به هذا المعنى اللغوي لا المعنى المنطقي الخاصّ.
وإنَّما يبحث الأعلام عن اعتبارات الماهية لتحديد قوالب الإطلاق في الطبائع، ومن ثَمَّ يخوضون في مبحث اعتباراتها: من المهملة والمخلوطة والمجرّدة وما جرى مجراها، وبيان ما هي الماهية المطلقة، مع ملاحظة الاستعمالات الاصطلاحية لديهم بوصفها اصطلاحاتٍ منطقية[1] ؛ فملاحظتهم لاعتبارات الماهية إنَّما هي لأجل تشخيص الحالة التي يدلّ عليها اللفظ من حالات الماهية، وتعيين ما تدلّ عليه أسماء الأجناس بدقّة، لكي يبحثوا عن تفصيل دلالة ألفاظ الأجناس، وهل تدلّ على الإطلاق، أم الإهمال، أم التجريد.
ودلالة ألفاظ الأجناس تتّضح في مثل قولنا: «كلّ عالم»، أو نحو: «أعتق رقبة»؛ فكلمة «رقبة» اسم جنس[2] ، وليس المراد من الجنس هنا المعنى المقابل للنوع، بل الجنس يعني الطبيعة ولو كانت طبيعةً صنفيةً عرضية. وحينئذٍ يُلاحَظ دلالة ألفاظ الأجناس وما ينضمّ إليها من الضمائم اللفظية؛ كالفرق بين لفظ «عالم» ولفظ «العالِم» مع أداة التعريف، وما تدلّ عليه لفظة «العالِم». إذ ينبغي أن نلاحظ لبنةً لبنة وحجراً حجراً في بنية الظهور؛ لنرى هل تشكَّل هذا الظهور على نحوٍ صحيح وسليم وسويّ أم لا.
وهذا هو مسلك علماء البلاغة في علم المعاني؛ حيث تُلاحَظ الكلمات كلمةً كلمة، وكيفية انضمامها وصولاً إلى التركيب الناقص أو التامّ، لتتشكّل بنية الظهور ومبناه على وجهٍ سديد. وتأسيساً على ذلك: إذا ادّعى باحثٌ أنَّ هذه الآية دالَّةٌ أو أنَّ هذه الرواية دالَّة، فعليه أن يُفسّر ويُفصّل كيفية دلالتها؛ وإذا قصر عن هذا التفصيل لم يكن مستظهِراً على وجه الحقيقة لعدم قدرته على التحليل التفصيلي؛ إذ لا بدّ من بيان دلالة كلّ كلمة، وكيف تُبنى مداليل المفردات والجمل إلى أن ينبني الظهور التامّ، وإلا لصار الاستدلال شبيهاً بالمصادرة على المطلوب.
لا بدّ من بيان تفصيل دلالة كلمة كلمة، وكيف تُبنى مداليل الكلمات ومداليل الجُمل إلى أن ينبني الظهور بنحو كامل؛ إذ لولا ذلك لصار الاستدلال شبيهاً بالمصادرة. وتأسيساً على ذلك، فإنّ تحليل الدلالات الوضعيّة اللغويّة التصوّريّة لكلّ كلمة يُعدّ أمراً بالغ الأهميّة، سواء أكان ذلك في علم المفردات، أم علم الصرف، أم علم النحو، أم علم الاشتقاق، أم علم المعاني، وهَلُمّ جرّاً.
والحاصل: إنّ كلّ علم من هذه العلوم اللغويّة يتكفّل في واقع الأمر بجانب من جوانب بنية الظهور، كعلم الأوزان وعلم المادّة ونحوهما، وهي تصل إلى خمسة عشر علماً في علوم اللغة وربّما أكثر[3] . ومن ثمّ فإنّ تكفّل كلّ علم منها بشأنٍ أو جهةٍ ليس من قبيل التراكم العبثيّ، بل ناشئ من كونها تُحلّل زوايا بنية الظهور وجهاته، وهذه نكات دقيقة للغاية؛ إذ لو كانت العفويّة والإجماليّة والعشوائيّة مقبولةً في الاستظهار بوصفها مراحل أوليّة وبدائيّة في الاستنباط، إلّا أنّ المراحل الموزونة والرصينة منه تقتضي من الباحث التحليلَ التفصيليّ لبنية الظهور والدلالة والمدلول.
تنبيه: كم من جوهرة ونكتة دقيقة في بنية الظهور يكتشفها الإنسان عبر التحليل التفصيليّ ولا يظفر بها بالتحليل الإجماليّ، في حين يرى البعض أنّ منشأ الدلالة مجرّد ارتكازات متراكمة. وهذه نكتة منهجيّة جليلة شبيهة بما يجري في أبواب أخرى، حيث يُدّعى الإجماع، وعند التفتيش والتحقيق يظهر عدم تحقّقه، بل يثبت الخلاف على خلاف ما قيل؛ وعليه، فإنّ البحث التفصيليّ أمتن وأتقن من البحث الإجماليّ، وإذا كانت دعاوى الإجمال مقبولةً كبداية للبحث، فإنّ الاعتماد عليها كخطوات تفصيليّة في مقام الاستنباط أمرٌ مشكلٌ جدّاً.
والرجوع إلى المطلب: إنّ بحث الأعلام في اعتبارات الماهية إنّما كان لتحديد أنواع الإطلاق، ولبيان ما وُضع له لفظ الجنس أو اسم الجنس: أهو موضوع للماهية المهملة، أم للماهية المطلقة، أم للماهية المجرّدة؟[4] ؛ إذ التمايز واقع بين أسماء الأجناس وبين علم الجنس؛ فلفظا (أسد) و(ليث) اسما جنس، بينما (أسامة) علم جنس، وسيأتي بيان الفارق الدقيق بينهما، والمستعمل بكثرة في المباحث هو اسم الجنس.
والاعتبار الأوّل للماهية: هو ما يُعبّر عنه بـ«الماهية المهملة»، وهي الماهية التي يلحظها اللاحظ من غير أن يضمّ إلى لحاظها شيئاً من الطوارئ، بل يقتصر على أجزائها الذاتيّة إلى حدّ أنّه لا يلحظ لحاظه هذا نفسه؛ أي لا يلحظ كونه مقتصراً على لحاظ ذاتيّات الماهية من غير ضميمة، لئلّا يصير هذا اللحاظ نفسه ضميماً إليها، بل يقتصر على لحاظ نفس الماهية فحسب، فيقصر النظر عليها ولا ينظر إلى نظره إليها تحرّزاً من التقيّد.
والنتيجة: إنّ الماهية المهملة هي الماهية المقتصر فيها على الذاتيّات من غير ملاحظة الضمائم معها أصلاً؛ إذ يلحظها المعتَبِر ولا يلحظ لحاظه لها، ويقتصر في النظر عليها دون ملاحظة كيفيّتها؛ إذ حتى الكيفيّة العارضة عليها لا تدخل في حيّز اللحاظ، بل يقتصر بنحو مَحض على ملاحظة ذات الماهية، وهذا هو حقيقة الماهية المهملة ومعناها.
فيلاحظها اللاحظُ ولا يلاحظ معها شيئاً، ولا يلاحظ أنه لم يلاحظ معها شيئاً، ولا يلاحظ أنه اقتصر على لحاظها، بل يقتصر على لحاظها فحسب، وهذا هو لحاظ الماهية المهملة.
ومذهب الأكثر: ذهابهم إلى أنَّ الألفاظ في اللغة موضوعةٌ لهذه الماهية[5] ، ووضعُها لهذه الماهية ليس بشرط الاقتصار ولا بشرط اللّا اقتصار؛ إذ لحاظُ الماهية المهملة لا يُلحظ فيه كونها مهملة، وليس مقيداً بعدم الضميمة، فلو ضُمَّ إليها لفظٌ أو لفظان فلا مانع من ذلك، ولا يُنافي كونَها ماهيةً مهملة.
والفارق هنا: أنَّ الماهية المهملة وإن كانت تشبه «اللا بشرط المقسمي»، إلا أنها ليست مقسمياً ولا لا بشرط، وإنما هي مجرد ماهية ولحاظ خام مبهم يُلحظ في ذات الماهية، من غير أن تُلحظ بشرط لا، أو بشرط شيء، أو تُلحظ ذات سعة أو ضيق، بل مجرد ملاحظة الذات بما هي؛ ومن ثَمَّ ذهب كثيرٌ من المحققين إلى أنَّ أسماء الأجناس موضوعةٌ للماهية المهملة.
أما الاعتبارات الأخرى للماهية: فهي الماهية «اللا بشرط المقسمي»، والماهية «اللا بشرط القسمي»؛ فالماهية المهملة مغايرةٌ للماهية اللا بشرط. والماهية اللا بشرط تنقسم إلى قسمين:
• الأول: نوعٌ مقسمي.
• الثاني: نوعٌ قسمي، وهو المسمى بالماهية المطلقة المرسلة، وهذا أحد معاني الإطلاق، حيث تُلاحظ الماهية ويُلاحظ معها سريانُها وسعتُها وإرسالها؛ في حين أنَّ المهملة تكون مطلقةً بمعنى آخر، وهو قابليتُها للاجتماع مع كل شيء.
وتنقسم اعتبارات الماهية إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الأول: الماهية اللا بشرط القسمي، وهي المرسلة المطلقة.
• القسم الثاني: الماهية المخلوطة، وهي الماهية بشرط شيء، حيث يُخلط أو يُضمُّ معها شيءٌ زائد.
• القسم الثالث: الماهية المجردة، وهي الماهية بشرط لا، وقد قيل إنَّ علم الجنس موضوعٌ للماهية المجردة أو ما يشبهها، وسيأتي تفصيل الفارق بين اسم الجنس وعلم الجنس.
الماهية المخلوطة وقاعدة تعدد الدال والمدلول
وأما الماهية بشرط شيء (أي المخلوطة): فأمرُها بيّن بكونها مقيدةً بضميمة، وههنا بحثٌ في كيفية الانتهاء إلى الماهية المخلوطة، ويتصوّر ذلك عبر نمطين:
• النمط الأول: أن تُستعمل لفظة الجنس مباشرةً — كلفظ «رجل» — في الرجل المقيد بـ«العالم» أو «العادل»، فيكون الاستعمال حينئذٍ مجازاً.
• النمط الثاني: أن تُستعمل لفظة «رجل» في الماهية المهملة الموضوعة لها، ثم تُقيد بدالٍّ آخر كلفظ «العالم» أو «العادل»، فيكون الانتقال إلى الماهية المقيدة المخلوطة من باب تعدد الدال وتعدد المدلول[6] .
وهذا المبحث: مبحثٌ دقيق سيأتي بسطُه وتفصيله؛ إذ كان القدماء[7] [8] يرون أنَّ استعمال لفظ الجنس في الحصة المقيدة المخلوطة، وتقييد الماهية المطلقة، يُعدّ مجازاً؛ بدعوى أنَّ لفظ «رجل» كأنه استُعمل في المعنى المضيَّق فيكون استعمالاً في غير ما وُضع له لعدم وضعه لخصوص المقيد. وهذا يتمُّ إذا استُعمل اللفظ في المقيد ابتداءً؛ أما إذا استُعمل لفظ «رجل» في أصل معناه، وجاء التقييد من لفظة أخرى ضميمة، فهذا يجري على قاعدة تعدد الدال والمدلول، وبضميمة القيد نصل إلى المعنى المقيد من غير لزوم تجوّز.
إنَّ هذا المبحث في تحليل بنية الظهور يُعدّ أمراً على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، كما أنَّ التدقيق في أجزاء عناصر الدلالة بالغُ الأثر؛ إذ حينما يُقال: «الماهية المخلوطة»، فليس معنى ذلك أنَّ لفظ الجنس يجب أن يُستعمل ابتداءً في خصوص الماهية المخلوطة، بل المراد هو التوصّل إلى استخدام الماهية لتكون ماهيةً مخلوطةً في قبال الماهية المجرَّدة (بشرط لا) والماهية المرسلة (اللابشرط القسمي) [9] ، ولو كان ذلك من باب تعدّد الدالّ والمدلول[10] .
وتفصيل ذلك: أنَّ لدينا أقساماً ثلاثة للماهية:
• ماهية مرسلة قسمية.
• ماهية مخلوطة (بشرط شيء).
• ماهية مجرَّدة (بشرط لا).
ولا يلزم أن يكون اسم الجنس موضوعاً أو مستعملاً في خصوص المجرَّدة، أو المخلوطة، أو المطلقة؛ بل إنَّ التحقيق والمشهور عند متأخري الأعصار من البلاغيين والأصوليين هو أنَّ اسم الجنس موضوعٌ ومستعملٌ دائماً في الماهية المهملة بما هي هي[11] . وأمَّا صيرورة الماهية تارةً مطلقةً، وتارةً مخلوطةً، وتارةً مجرَّدة، فإنَّ هذه الخصوصيات والقيود مستفادةٌ من قرائن أخرى خارجةٍ ومنضمَّةٍ إلى لفظ الجنس.
والفائدة في هذا التحليل: أنَّ بسط اعتبارات الماهية لم يكن عبثاً، بل لأجل التدقيق في كيفية إفادة المعنى والدلالة عليه؛ فحيث كان اسم الجنس مستعملاً دائماً في الماهية المهملة على المشهور، فإنَّ تعيّن الماهية بالمجرَّدة أو المخلوطة أو المطلقة إنَّما ينشأ من قرينةٍ لفظية أو حالية منضمَّة، والماهية المهملة صالحةٌ للاجتماع مع المجرَّدة، ومع المخلوطة، ومع المرسلة على حدٍّ سواء.
والنتيجة: أنَّ الإرسال — وهو الإطلاق بالمعنى اللابشرط القسمي — لا يدلّ عليه نفس لفظ الجنس بالوضع، بل يُستفاد من قرينةٍ أخرى، سواءٌ أُجريت مجرى قرينة المجاز، أم كانت على وزان قاعدة تعدّد الدالّ والمدلول. وعليه، فإنَّ لفظ الجنس يجري في استعمالات متأخري الأعصار على وتيرةٍ واحدة غالباً.
والقاعدة هنا: أنَّ اللفظ إذا استُعمل في غير ما وُضع له كان الاستعمال مجازاً، أمَّا إذا استُعمل في عين ما وُضع له، وجاءت الزيادة أو النقيصة من دالٍّ وقرينةٍ أخرى مستقلة، فالاستعمال حقيقيٌّ محض.
تنبيه: إنَّ هذه النكتة جديرةٌ بمزيدٍ من العناية والالتفات؛ ذلك أنَّ علمي التفسير والاستنباط الفقهي يبتنيان في مراحلهما الأولى على التدقيقات اللفظية وقواعد العلوم الأدبية؛ من النحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان. ومبحث «التركيب والتركّب» يُعدّ من أدقّ المباحث في باب الاستنباط والاستظهار؛ سواءٌ أكان التركيب بين مفردةٍ ومفردة، أم كان بين جملةٍ وأخرى؛ كالجمل المركَّبة في قضايا الشرط والجزاء، نحو قولنا: «إنْ طلعت الشمسُ فالنهارُ موجود». فالتركّب بحثٌ دقيقٌ تجب مراعاته في سائر المراحل: في مرحلة الاستعمال، وفي مرحلة التفهيم، وفي مرحلة الجدّ[12] ، وسواءٌ أكان التركّب ناقصاً أم تامّاً، بسيطاً أم مركَّباً.