48/04/02
أهمية التحليل الصناعي للدلالة وأقسام الإطلاق والتقييد/تعريف المطلق /المطلق و المقيد
موضوع: المطلق و المقيد/تعريف المطلق /أهمية التحليل الصناعي للدلالة وأقسام الإطلاق والتقييد
أهمية التحليل التفصيلي للدلالة وموقعه في الاستنباط
إنّ بحث المطلق والمقيَّد يُعدّ من فنون بيان الدلالات؛ ومن ثمّ فإنّ التمسّك بالدليل المطلق أو إجراء الإطلاق أمرٌ عامّ وحسّاس. والغاية والثمرة من بحث المطلق والمقيَّد هي أنّهما بالدقّة عبارةٌ عن تحليلٍ تفصيليٍّ صناعيٍّ لبنية ظهور الدلالة، ولأجل هذا يخوض فيه علماء البلاغة وعلماء الأصول وعلماء النحو والصرف؛ فالتحليل التفصيليّ للدلالة والمدلول أمرٌ في غاية الأهميّة.
ومثاله: ما يقع في باب التعارض — الذي هو خاتمة مباحث الحُجَج — إذ يبتني بقوّةٍ على التحليل التفصيليّ الصناعيّ للدلالة؛ سواءٌ أكان على صعيد الدلالة التصوّريّة، أم على صعيد الدلالة الاستعماليّة (التفهيميّة)، أم الدلالة الجدّيّة المتّصلة أو المنفصلة[1] ، ويعتمد على ذلك شيءٌ كثير.
وفي مقام الاستنباط، حينما يُقال في المدلول المستنتَج من الدليل: «أنا أستظهر كذا»، أو «أنا أفهم كذا»، فإنّ هذه الدعاوى وإن اعتمدت على الارتكاز الإجماليّ، إلّا أنّه لا بدّ من إقامة البرهان عليها للاحتجاج أمام الآخرين وإقناعهم، أو لإقناع الباحث نفسِه فيما بعد؛ لأنّ هذا الارتكاز قد يتزلزل بمرور الوقت أو عروض الشبهة.
وهنا تكمن الفائدة: من التحليل التفصيليّ الصناعيّ؛ في أن يسير الباحث خطوةً فخطوة، وكلمةً فكلمة، وتركيباً فتركيباً، بدءاً من الكلمة وبنيتها الصرفيّة والنحويّة، ثمّ التركيب الناقص، فالتركيب التامّ.
وعندما ينطلق الباحث، تكون نقطة الانطلاق من مادّة مفردات الكلمة؛ فالمادّة اللغويّة مهمّةٌ جدّاً؛ كما في قوله (عليه السلام): «كُنْ حِلْساً مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ»[2] [3] ؛ فإذا لم يُدقّق الباحث، قد يظنّ أنّ «الحِلْس» يعني القابع في بيته، بينما ليس المراد من الحلس في لسان العرب والمصادر اللغويّة الكثيرة هو القابع، بل المراد به متاع البيت الذي يُنتفَع به في كلّ شيء كالبساط؛ وهذا البيت الذي استعمله الشارع: هل يُراد به بيت الطين والحجر، أم يُراد به كما في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾[4] ، أو يُراد به بيت العقيدة، أي أهل البيت (عليهم السلام)؟
وهذا البساط يُستعمَل ويُنتفَع به في كلّ شيء، فهو المتاع الكثير النفع، فيكون كنايةً عن أن تكون عنصراً في المذهب يُستفاد منك في كلّ شيء، وهناك خاصيّةٌ أخرى ذُكرت في اللغة، وهي أنّه يزهد فيه السارق ولا يلتفت إلى فائدته، وتلك من بطون المعنى ودقائقه؛ بخلاف ما إذا فُسِّر بغير تحليلٍ تفصيليّ، فيعشش في الروايات المستفيضة معنىً خاطئٌ باطل؛ والسبب في ذلك هو عدم مراعاة خطوات الاستنباط التفصيليّ.
والحاصل: أنّ هذه نكاتٌ مهمّةٌ جدّاً ينبغي الالتفات إليها؛ حيث تظهر الفائدة في وزن الدلالة والتثبّت من صحّة الميزان أو وقوعه في الاشتباه؛ فالانطلاق يبدأ من مفردات اللغة، ثمّ الصرف، ثمّ الاشتقاق، ثمّ علوم البلاغة من المعاني والبيان، وصولاً إلى النكات الأصوليّة في مباحث الألفاظ.
دور مباحث الألفاظ في تفكيك بنية الظهور وحل الإجمال
إنَّ كلَّ مباحث الألفاظ بالدِّقَّةِ إنَّما وُضعت للغوص التَّحليليِّ في أدوات الدَّلالة، وكيفيَّة تراكب المعاني بعضها مع بعض؛ فهذه نكتةٌ مهمَّةٌ جدّاً: هل هي حقائق شرعيَّة[5] أم حقيقةٌ شرعيَّةٌ واحدة؟
ومثال ذلك: هل للتَّشهُّد حقيقةٌ شرعيَّةٌ واحدة، أم حقيقتان، أم ثلاث، أم عشر؟ وما صلة الحقيقة الشَّرعيَّة للتَّشهُّد بالحقيقة الشَّرعيَّة للصَّلاة، وما وجه الارتباط بينهما؟ وهذه العناصر التي تُذكر في علم الأصول إذا لم يُراعِها الباحث، فسيكون استدلاله واستنتاجه مشوباً بالخلط والإبهام والإجمال.
ولذلك فإنَّ عمليَّة الاستظهار التَّفصيليِّ بالدِّقَّةِ عبارةٌ عن تدقيقٍ في العناصر كأنَّه مختبرٌ لبنية الدَّلالة، وهذه نكتةٌ مهمَّةٌ جدّاً في الاستظهار التَّفصيلي؛ إذ كثيراً ما ينشأ التَّعارض أو الإجمال أو الإبهام من الاستظهار العشوائيِّ التَّراكميِّ دون الدِّقَّة التَّفصيليَّة خطوةً بخطوة في بنية الظُّهور والدَّلالة، بدءاً من مفردات اللُّغة، وهل هذه الحقيقة لغويَّة، أم عرفيَّة، أم شرعيَّة، أم عقائديَّة، أم فقهيَّة؟ وهل الحقيقة الشَّرعيَّة العقائديَّة هي عين الحقيقة الشَّرعيَّة الفقهيَّة؟
والجواب: كلا؛ فالجهة الفقهيَّة تختلف عن الجهة العقائديَّة، وحلُّ ذلك إنَّما يكون بتتبُّع بنية الظُّهور والاستظهار والدَّلالة خطوةً بخطوة.
ومثال ذلك: كلمة “الصِّحَّة” عند النَّجاشيّ، هل يريد بها الصِّحَّة في الطَّريق، أم الشَّيخ الطُّوسيّ في «الفهرست»[6] ؟ إذ يبتني على ذلك بحثٌ طويلٌ حول المراد من الصِّحَّة عند القدماء؛ فقد تلتفت إلى أنَّ اصطلاح الصِّحَّة عند القدماء يُطلق على المتن لا على الطَّريق[7] [8] ، وتارةً يُطلق على الكتاب بقيد، وبلا قيدٍ يُراد به المتن، فينبغي الوقوف على اصطلاح القدماء في كلمة “الصَّحيح” وما هو المراد منها. وكذلك كلمة “الوجوب” الواردة في الرِّوايات: فهل المراد منها المعنى اللُّغويّ، أم المعنى الأصوليّ القديم، أم المتأخِّر، أم معنًى آخر؟ وما هي اصطلاحات الحكم التَّكليفيِّ في الرِّوايات والآيات؟ فلا ينبغي أخذ هذه الأمور كمسلَّماتٍ يُبنى عليها ممَّا يوقع في التَّنافي وخلل الدَّلالة.
وهذا بخلاف المنهج التَّحليليِّ التَّفصيلي؛ فتحليل صيغة الأمر، وماهيَّة الوجوب، والصِّلة بين الأمر والوجوب، والصِّلة بين النَّهي والحرمة، وهلُمَّ جرّاً في الحكم الإلزاميِّ التَّكليفيِّ والوضعيِّ مع دلالة الأمر، كلُّ هذه المباحث في الألفاظ هي بالدِّقَّةِ نظرةٌ مجهريَّةٌ تحليليَّةٌ تفصيليَّةٌ دقيقةٌ لنظم عناصر الدَّلالة لتكون النَّتيجة سديدة، تماماً كحلِّ المسألة الرِّياضيَّة حين ترى نتيجتها لا تلائم معطياتها فتدرك وجود خللٍ يلزمك بمراجعة الخطوات واحدةً تلو الأخرى لمعرفة موضع الخلل؛ فهذه الصِّناعة أشبه بالهندسة والعلوم المجرَّدة.
والفائدة الثَّانية: لخوض الأعلام الصِّناعيِّ في مباحث المطلق والمقيَّد وغوصهم التَّفصيليِّ كعلماء المعاني في الكلمات والتَّراكيب النَّاقصة والتَّامَّة، إنَّما هي لوزن ميزان الدَّلالة؛ وكثيراً ما يستظهر الإنسان المعنى بنحوٍ إجماليّ، فإذا ما شرع في التَّحليل التَّفصيليِّ للدَّلالة تغيَّر ذلك الارتكاز الإجماليُّ إلى ارتكازٍ آخر، لتصحيح العناصر التي تكوَّنت منها الدَّلالة الإجماليَّة في الذِّهن؛ فالتَّحليل التَّفصيليُّ ذو فوائد جمَّة لحلِّ إشكالات كيفيَّة التَّقييد وكيفيَّة التَّخصيص.
مراتب المعنى والقرائن الحافة بالدليل
هل المعنى الجديّ واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة؟ فهناك معنى تصوريّ، ومعنى استعماليّ، ومعنى تفهيميّ، ثمَّ معنى جديّ: جديّ أوّل، وجديّ ثانٍ، وجديّ ثالث؛ وهذه المراتب في المعنى تُدرَك كلّها بالتحليل التفصيليّ؛ فإذا جُمعت كلمات البلاغيّين في علمَي المعاني والبيان إلى كلمات الأصوليّين، استشرف الإنسان هذه المراتب وأدرك أثرها، وهي على قدرٍ كبير من الأهمّيّة في صناعة الدلالة.
وليس هذا المبحث مقصوراً على باب المطلق والمقيّد، وإن كان المطلق والمقيّد خاتمةَ مباحث الألفاظ، بل إنَّ مباحث الألفاظ بأسرها تبتني بالدقّة على هذا التحليل التفصيليّ؛ إذ تشتمل الدلالة التصوريّة على عناصر تخصّها، كما تشتمل الدلالة الاستعماليّة على عناصر أُخَر، ومِن الخطأ الفاحش الخلطُ بين عناصر الدلالة الاستعماليّة وعناصر الدلالة التصوريّة، أو الخلطُ بين الدلالة التصوريّة والدلالة التفهيميّة، ثمَّ بين التفهيميّة والجديّة، وكذا بين الجدّ الأوّل والجدّ الثاني (المطابقيّ والالتزاميّ)؛ فكلّ هذه المراتب ليست أمراً هيّناً، بل تقتضي دقّةً بالغة، ويتحتّم الالتفات إليها؛ لكونها كفيلةً بعلاج كثيرٍ من التعارضات والتنافيات المتوهَّمة، وضبط الاستظهار على وجهٍ رصينٍ ومتقن، فإنَّ ضبط القضايا التحليليّة التفصيليّة يورث النتيجة متانةً وإحكاماً.
ولأجل هذا يخوض الأعلام في اعتبارات ماهيّة الجنس والأجناس[9] —والمقصود بها الطبائع مطلقاً، سواءٌ أكانت نوعيّةً أم صنفيّةً أم جنسيّة؛ إذ مرادهم أعمّ من المصطلح المنطقيّ المجرّد—ثمَّ يخوضون في أدوات العموم والتعريف ونحوها: فإذا وردت على المطلق فكيف يُترك مفادها؟ ثمَّ ينتقلون إلى مقدّمات الحكمة[10] : أين يقع دورها وما هي شرائطها؟ ومِن أيّ مرحلةٍ من مراحل الدلالة تنشأ هذه المقدّمات؟ وتلك كلّها بحوثٌ تحليليّةٌ تفصيليّةٌ دقيقةٌ لا غنى عنها للفقيه.
النسبة بين مباحث المطلق والمقيد والعام والخاص
أوّلاً: معنى الإطلاق والإرسال، ومعنى التقييد والتضييق؛ وهل تُغاير هذه الأبحاث في المطلق والمقيّد بحوثَ العامّ والخاصّ أم هي متّحدةٌ معها؟ والتحقيق: أنَّ هذه المباحث تجري في العامّ والخاصّ معاً على حدٍّ سواء؛ عدا فارقٍ وحيد، وهو أنَّ العامّ والخاصّ يشتملان على عنصرٍ لفظيّ في مرتبة الدلالة التصوريّة أو الاستعماليّة متمثّلاً بأداة العموم، بخلاف المطلق والمقيّد حيث لا توجد فيهما أداةٌ لفظيّة، وإلّا فإنَّ سائر أبحاث المطلق والمقيّد لا تنحصر بالأدوات اللفظيّة؛ إذ يبحث الأعلام في المعنى التفهيميّ، وهو أعمّ من العامّ والمطلق؛ ذلك أنَّ لفظ “العامّ” إنّما هو أداةٌ لإفادة العموم في المرتبة الاستعماليّة أو التصوريّة، وأمّا في المرتبة التفهيميّة فقد يُقال إنّه متولّدٌ من العموم الاستعماليّ، غير أنَّ المفهوم التفهيميّ في حدّ ذاته لا افتراق فيه بين المطلق والعامّ والخاصّ، وعليه فإنَّ كثيراً من مسائل المطلق والمقيّد تجري بعينها وبتمامها في باب العامّ والخاصّ، باستثناء ذلك العنصر اللفظيّ المختصّ بالعموم.
ومن البحوث المهمّة أيضاً: ما يرتبط بعناصر الدلالة، أو بعبارةٍ أخرى: القرائن الحافّة بالدليل؛ فإنَّ القرائن تتنوّع بحسب المراتب إلى: قرائن تصوريّة، وقرائن استعماليّة، وقرائن تفهيميّة، وقرائن جديّة أولى، وقرائن جديّة ثانية، وهكذا؛ فيجب الاحتراز عن الخلط بين مراتب القرائن وعناصر الدلالة؛ لما يترتّب على ذلك من أثرٍ عظيم، وهي نكاتٌ وإن تقدّمت الإشارة إليها، إلّا أنَّ التأكيد عليها ذو شأنٍ بالغ.
والقاعدة في هذا الباب: أنَّ المرتبة المتقدّمة حاكمةٌ إثباتاً وثبوتاً؛ فالعناصر الاستعماليّة مقدّمةٌ دائماً على العناصر التفهيميّة؛ إذ التقدّم الإثباتيّ هنا يجري مجرى المثل السائر: «ثَبِّتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ»[11] ، كما أنَّ العناصر التفهيميّة مقدّمةٌ بدورها على العناصر الجديّة؛ وسيأتي تفصيل البحث—إن شاء الله تعالى—في أنَّ مقدّمات الحكمة هل تُعدّ من عناصر المرتبة الجديّة أو من عناصر المرتبة التفهيميّة، على ما في ذلك من خلافٍ دقيقٍ بين كلمات الأعلام، وهو عينُ الإطلاق المبحوث عنه باصطلاحهم.
أقسام الإطلاق ومناشئه الثبوتية والإثباتية
مراتب الإطلاق والتقييد: إنَّ الإطلاق يجري على صعيد التصوّر، وعلى صعيد الاستعمال، وعلى صعيد التفهيم، وعلى صعيد الجدّ الأوّل، وعلى صعيد الجدّ الثاني، وهكذا؛ فالإطلاق والتقييد في هذه المراتب الخمس ليس على حدٍّ سواء، ومن ثَمَّ اصطلح الأعلام على التمييز بين الإطلاق اللفظي التصوّري والإطلاق المعنوي في المعنى، وهي اصطلاحاتٌ محرَّرةٌ بدقّة؛ إذ إنَّ سِنْخ الإطلاق والتقييد تتعدّد معانيه بحسب الموطن:
• في مقام الإثبات: يتقدّم التصوّر على الاستعمال، ثمّ يليه التفهيم، ثمّ الجدّ الأوّل، ثمّ الجدّ الثاني عند السامع المخاطَب، فيكون المتقدّم حاكماً على المتأخّر.
• في مقام الثبوت: ينعكس الترتيب عند المتكلّم؛ إذ ينطلق ابتداءً من المراد الجدّي، ثمّ التفهيمي، ثمّ الاستعمالي، وصولاً إلى التصوّري. فالقضيّة معكوسةٌ ثبوتاً عند المتكلّم وإثباتاً عند السامع، وتتحصّل من ذلك خمسةُ أقسامٍ أو ستّةٌ من الإطلاق.
الإطلاق اللحاظي والذاتي: ثمّة قسمٌ آخر يُسمّى «الإطلاق اللحاظي»، وهو قائمٌ في صقع نفس المتكلّم وله شأْنٌ آخر. ويُقابله «الإطلاق الذاتي» للطبيعة، وهو ما ذهب إليه جمهور الأعلام أو كثيرٌ منهم بدءاً من الشيخ الصدوق؛ حيث لا يرون فيه حقيقةً شرعيّةً فقهيّةً محضة، بل حقيقةً شرعيّةً في الأصل اكتست طابعاً فقهيّاً، وهو نمطٌ من التزاوج بين الحقيقة الشرعيّة العقائديّة والحقيقة الدينيّة الفقهيّة، وهو مدخلٌ قلّما نبّه عليه كثيرٌ من الأعلام في علم الأصول. ومقتضى الإطلاق الذاتيّ هو النظر في ذات الطبيعة من حيث اشتمالها على السَّعَة أو الضِّيق في نفسها، وهو اصطلاحٌ مباينٌ لغيره في باب الإطلاق والتقييد.
الإطلاق والتقييد الملاكي: وهناك أيضاً إطلاقٌ وتقييدٌ على مستوى الملاك بلحاظ مبادئ الحكم؛ كما يرى الميرزا النائيني في بحث مُتمِّم الجعل في مسألة التعبّدي والتوصّلي، حيث ذهب إلى أنَّ مُتمِّم الجعل الثاني إمّا أن يُضيّق ملاك الجعل الأوّل أو يكشف عن ضيقه[12] ؛ فالصلاة مجرّدةً عن نيّة القربة والعبادة تكون مطلقةً بحسب إطلاق أدلّتها الأوّليّة، غير أنَّ هذا الإطلاق لا يُؤخذ به لكون الملاك مقيّداً في نفسه، وقد كُشِف عن تقييده عبر الجعل الثاني. وعليه، تكون السَّعَة والضِّيق في رتبة الملاك حاكمتين على سائر أقسام الإطلاق عند الميرزا النائيني، فيتفرّع عن ذلك قسمٌ برأسه هو الإطلاق والتقييد على صعيد الملاك.
الإطلاق الحالي والمقامي: ويتحقّق كذلك إطلاقٌ وتقييدٌ حاليٌّ يُستفاد من قرائن الحال وسياق المجلس في نصٍّ معيّن، وقد يُعبَّر عنه بالإطلاق المقامي[13] ، وإن كان المقاميّ يُطلق بدقّةٍ على معنىً أخصّ عند المحقّقين. ومقتضى ذلك أنّه لا يُكتفى بملاحظة الإطلاق والتقييد في الجملة المفردة أو الفقرة الواحدة، بل يجب استقراء مجموع فقرات الرواية وسياقها العام، وهو ما يُصطلح عليه بالإطلاق الحاليّ أو المقاميّ المتوسّط.
ومثال ذلك: ما يحكيه حمّاد بن عيسى في صحيحة الصلاة البيانيّة[14] ؛ إذ لمّا لم يكن حمّادٌ معصوماً، فإنَّ مجرّد رصده لحركات الإمام الصادق (عليه السلام) وسكناته لا يستلزم بالضرورة استيعابه لجميع الشؤون والخصوصيّات الدقيقة التي أتى بها الإمام والتفت إليها؛ فحَمّادٌ إنّما حكى ما وقع تحت بصره ووسعه، ولا يلزم من ذلك إحاطته التامّة بسائر الخصائص والآداب.
فإن قيل: إنَّ هذا القيد لم يُذكر في صحيحة حمّاد[15] ؛
فالجواب: إنَّ عدم الذِّكر مستندٌ إلى حمّاد نفسِه، لا إلى أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يأتِ به في مقام الامتثال؛ وكذلك الحال في روايات زرارة، فهل زرارة معصوم؟ كلا؛ إذ قد تكون هناك جملةٌ من الآداب والخصوصيّات راعاها الإمام الباقر (عليه السلام) حال صلاته ولم يلتفت إليها زرارة في حكايته، وإن كان زرارة (رضوان الله تعالى عليه) طوداً شامخاً في الفقه وعظيماً من عظمائه، إلا أنَّه في نهاية المطاف غير معصوم؛ وهذا النحو هو عينُ «الإطلاق والتقييد المقامي المتوسّط» أو الحالي[16] .
وهناك قسمٌ آخر هو «الإطلاق والتقييد المقامي الكبير»، وهو أوسع أقسام الإطلاق دائرةً وأعظمها سعةً، ويُعبَّر عنه بالإطلاق المقامي الكبير، وكان الشيخ آقا ضياء الدين العراقي (رحمه الله) يقول في شأنه: كأنَّما هو في بادئ الرأي أسهل أنواع الإطلاق، لكنَّه في واقعه ودقّته الصناعيّة أصعبها على الإطلاق[17] .
والحاصل: أنَّنا نجد أقساماً عديدةً ومشارب متنوّعة من معاني الإطلاق ومفاهيمه عند البلاغيّين، وعند الأصوليّين، وعند المناطقة.