« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/01

بسم الله الرحمن الرحيم

مباحث البداء ومدخل إلى المطلق والمقيد ومناهج الاستنباط/البداء /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/البداء /مباحث البداء ومدخل إلى المطلق والمقيد ومناهج الاستنباط

 

ضابطة البداء في الروايات والفرق بين المحتوم والموقوف

نقرأ هاتين الروايتين في بحث البَداء[1] ؛ فروايات البَداء موجودةٌ بكثرةٍ في طُرُق العامّة ولكنّها ليست صريحةً فيه، وإن كان مَفادُها قطعيّاً في البَداء، ولكن بالكناية وباللازم.

والنكتة في ذلك: أنّه ليس من الضروريّ في دلالة الروايات — لا سيّما في الفروع وما يُعتبر في الظنون — أن تكون الدلالةُ صريحةً ولا مطابقيّة.

فقد روى النعماني عن محمّد بن همّام (زعيم الطائفة)، عن محمّد بن أحمد بن عبد الله الخالنجيّ، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفريّ المعروف الجليل — وهو من خواصّ الإمام الهادي والإمام العسكريّ ومن أصحاب الإمام الجواد (عليهم السلام)، وكان معمَّراً من نسل جعفر الطيّار، بقي إلى زمان إمامة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) سنة 255، وكان مسجوناً معه أيضاً — قال: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَجَرَى ذِكْرُ السُّفْيَانِيِّ وَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ مِنَ الْمَحْتُومِ، فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: هَلْ يَبْدُو لِلَّهِ فِي الْمَحْتُومِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا لَهُ: فَنَخَافُ أَنْ يَبْدُوَ لِلَّهِ فِي الْقَائِمِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَائِمَ مِنَ الْمِيعَادِ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ»[2] .

ومقتضى هذا الحديث: حصرُ أنَّ البَداء لا يقع فيما وعد الله به، والباقي كلّه فيه بَداء؛ والحديث هو العاشر برقم 303 في الباب الثامن عشر: «ما جاء في ذكر السفياني، وأن أمره من المحتوم، وأنه قبل قيام القائم».

وكذلك الرواية الخامسة في هذا الباب بإسناد النعماني عن ابن عقدة أحمد بن محمّد بن سعيد، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن محمّد بن خالد الأصمّ — وهو من رجال «كامل الزيارات» ممّن أكثر عنه ابن قولويه — عن عبد الله بن بُكير، عن ثعلبة بن ميمون (وهو فقيهٌ ثقة)، عن زرارة، عن حُمران بن أعين؛ قال حُمران: «إِنَّنِي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَجَلُ السُّفْيَانِيِّ مِنَ الْمَوْقُوفِ»، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لَا وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الْمَحْتُومِ»[3] ؛ فمع أنّه من المحتوم إلّا أنّ فيه المشيئة.

تعليق المجلسي: يعلّق العلّامة المجلسيّ في «البحار» بأنّ للمحتوم معانيَ يمكن البَداء في بعضها لا في كلّها[4] ؛ والواقع أنّه يمكن البَداء في جميعها. والشاهد فيه: أنّ قوله: «إِنَّ الْقَائِمَ مِنَ الْمِيعَادِ» إشعارٌ بأنّه لا يمكن البَداء فيه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[5] ، والميعاد نظير قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[6] .

والقاعدة هنا: أنّ طوائف الروايات تجعل الضابطة في البَداء أنّه ما لم يوجد الشيء ولم يقع ففيه بَداء، نظير ما حصل مع قوم يونس (عليه السلام).

وروى في الكافي عن محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد.

روى الكليني بإسناده عن محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد الأشعري القمي، عن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن إسحاق بن عمّار قال: سمعته يقول وناس يسألونه، حيث يُفصِّل (عليه السلام) في شؤون ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين، إلى أن يقول: «…فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَمْضَاهُ فَيَكُونُ مِنَ الْمَحْتُومِ [الَّذِي لَا يَبْدُو لَهُ فِيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى]» [7] .

ومقتضى ذلك: أنَّ المحتوم إنَّما يصير محتوماً عند نزوله إلى المراتب والطبقات النازلة؛ إذ إنَّ ثمَّة أموراً قد تكون مقدَّرة، ولكنها حينما تبلغ أوان إمضائها وإيجادها الخارجي تغدو محتومةً باستحكام عللها وأسباب وجودها. والحديث يصرّح: «فَيَكُونُ مِنَ الْمَحْتُومِ الَّذِي لَا يَبْدُو لَهُ فِيهِ»، فكأنه (عليه السلام) يقسم المحتوم إلى قسمين، فيكون هذا قيداً احترازياً لبيان المحتوم الذي لا يقع فيه البداء لله تبارك وتعالى.

والحاصل: أنَّ هذه الروايات المستفيضة — وهي ثلاث روايات خاصة مضافاً إلى ما تقدّم من الروايات المستفيضة — دالّةٌ على أنَّ الشيء ما دام لم يوجد في الخارج فإنَّ البداء ممكنٌ ومتصوَّرٌ فيه.

طائفة أخرى: ما أورده صاحب الوسائل في أبواب أحكام الموت والتعزية[8] [9] ، وهي طائفةٌ جليلة الشأن في باب المعرفة، وتترتب عليها أبعادٌ وتداعياتٌ فقهيةٌ مهمّة؛ حيث دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) جماعةٌ من خواصّ أصحابه فرأوه يبكي بكاءً شديداً وعليه أثر الحزن والكآبة، وعرفوا أنَّ ذلك لمرض طفلٍ عزيزٍ عنده (عليه السلام). وهذه النصوص مستفيضةٌ وبالغة الأهمية، إذ تشتمل على معارف جمّة ترتبط بآداب العبد مع ربّه، فضلاً عن الآداب والأحكام الفقهية.

والقاعدة في هذا الباب: ما قرّره الإمام الصادق (عليه السلام) من ضابطةٍ تجمع بين العقيدة والمعرفة والعبادة والفقه، حيث قال: «إِنَّا قَوْمٌ نَسْأَلُ اللَّهَ مَا نُحِبُّ فَيُعْطِينَا، فَإِذَا أَحَبَّ مَا نَكْرَهُ رَضِينَا بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لَنَا»[10] [11] .

وبيان ذلك: أنَّ الإمام (عليه السلام) يبيّن أنَّ الإلحاح والتضرع في الدعاء قبل وقوع الأمر لا ينافي مقام التسليم والرضا البتة، خلافاً لما ذهب إليه طائفةٌ من المتصوفة أو أدعياء العرفان من ترك الدعاء رأساً بزعم التسليم المسبق بالقضاء؛ بل المدار على أن يوطّن الإنسان نفسه على الرضا بما يريده الله (عز وجل) إذا أمضى قضاءه بخلاف ما كان يرجوه العبد ويطلبه؛ إذ قد يلحّ المرء في مسألته فإذا وقع الأمر على خلاف مراده نشأت في باطنه جفوةٌ وتبرُّمٌ من قضاء الله، وذلك هو المحذور المنافي للتسليم.

أمّا وجه الكمال: ففي أن يدعو العبد ربّه وهو على يقينٍ تامّ بأنه كريمٌ وهّاب، فيلحّ في الدعاء تضرعاً وخضوعاً مع كونه في صميم باطنه مستسلماً لقضاء الله وقدره؛ وهذا النحو من التضرع أكمل رتبةً من ترك الدعاء بدعوى التسليم كيفما اتّفق؛ فالأكمل أن يجمع بين الإلحاح في المسألة والتسليم التامّ إذا أمضى الله خلاف ما ألحّ به، من غير إصرارٍ أو عنادٍ يخلّ بأدب العبودية مع الله سبحانه. ومفاد ذلك كلّه يؤكد أنَّ الشيء ما لم يقع في الخارج فالبداء ممكنٌ فيه مطلقاً.

والنتيجة: يتبين من خلال ما تقدّم السرّ في إدراج الأصوليين لمسألة البداء ضمن مصنفاتهم مع كونها في أصلها من أمهات مسائل علم الكلام؛ وذلك لشدة وثاقتها بمسألة الاختيار، والنسخ، وحقيقة التكليف في الحكم الشرعي، وسائر الغايات الأصولية المترتبة عليها[12] .

مدخل إلى مبحث المطلق والمقيد وتقسيمات اعتبارات الماهية

إنَّ المبحث الذي يكاد يكون الأخير من مباحث الألفاظ، قبل مبحث المجمل والمبيَّن، وهو مبحثٌ حسّاسٌ ومهمٌّ في ختامها قبل الانتقال إلى مباحث الحجج والأمارات، هو مبحث «المطلق والمقيَّد».

وكلمة “المطلق” عند الأصوليين هي عينُ معناها اللغوي؛ أي الإرسال وعدم التقييد، في مقابل “المقيَّد” المضيَّق. ومن شواهده تعبيرُ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) عمّن أسلموا عام الفتح، حيث كانوا بحسب الحكم الشرعي سبياً وغنائمَ يُقسَمون كعبيد، فجاء تعبير النبي (صلى الله عليه وآله): «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»[13] ، ولم يقل: “أنتم العتقاء”؛ إذ تفترق كلمة “الطلقاء” عن “العتقاء”؛ فبنو أمية وبنو مروان ونظراؤهم لم يكونوا عتقاء أحراراً، وإنّما كانوا عبيداً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وللمسلمين، فجاءت كلمة “الطلقاء” كاشفةً عن هذا المعنى؛ أي إنّهم أُرسِلوا وأُطلِق سراحُهم ولكنهم لم يُعتَقوا إعتاقاً يرفع الرقّية.

وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى معاوية في نهج البلاغة: «…وَلَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ، وَلَا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ…»[14] ؛ فالطليق يقابل العتيق لا الحرّ. والظاهر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يعتقهم ولا ذرّيتهم، فهم ليسوا عتقاء ولا أحراراً بل طلقاء، وكانوا مِلكاً للمسلمين، فكيف يملكون أُمورَ المسلمين؟!

اعتبارات الماهية: وفي مستهلّ بحث المطلق والمقيَّد، يبحث الأصوليون أنواع الماهية ودقائق لحاظها الذهني[15] :

    • الماهية المهملة.

    • الماهية لا بشرط المَقْسِمي.

    • الماهية لا بشرط القِسْمي.

    • الماهية بشرط شيء (المخلوطة).

    • الماهية بشرط لا (المجرَّدة).

    • الماهية المرسلة.

ويبحثون في هذه الأقسام بدقّة فائقة، عارضين آراء المحقّقين؛ كالمولى هادي السبزواري، والميرزا النائيني[16] ، والمحقّق الآخوند الخراساني، والسيّد الخوئي[17] وغيرهم من الأعلام.

والغاية والفائدة: من هذا الاستقصاء والتدقيق أمران: 1. تحديد المعاني الدقيقة للمطلق والمقيَّد. 2. تحرير البحث الصّناعي مع الأعلام في كيفيات لحاظ الماهية وتعلّق الأحكام بها.

ثمّ يستطرد الأصوليون بعد ذلك في مبحث الجنس وأسماء الأجناس؛ والمراد بالجنس هنا الطبيعة الشاملة للنوع والجنس وما جرى مجراهما. ثمّ يخوض الأعلام في بحث النكرة، أو دخول (أل) التعريف على النكرة أو على صيغة الجمع، أو ورود النكرة مجرَّدة؛ ومن هذا القبيل مباحث أدوات العموم وموجب إدراجها في مباحث المطلق، حيث استعرض الأعلام هذه المقامات بدقّة متناهية مستعينين بآلياتٍ من علم البلاغة، فضلاً عن الأبحاث التحليلية البالغة الحساسية والأهمية؛ كأبحاث مقدّمات الحكمة[18] ، ومسألة القدر المتيقَّن في مقام التخاطب، وأثر الانصراف في تقييد المطلقات.

وهذا الفهرس الهندسي بهذا النمط في مباحث المطلق والمقيَّد؛ ما مراد الأعلام والفقهاء منه؟ إنّه ينطوي على نكتة منهجية جوهرية جدّاً في عملية الاستنباط الفقهي ينبغي التنبّه لها.

والحاصل: إنَّ الفقيه حينما يروم الاستنباط — وكذا المفسّر، أو المتكلّم، أو أيّ باحثٍ في العلوم الدينيّة — يستظهر تارةً على نحوٍ إجماليّ حَدْسيّ أو ارتكازيّ المعنى المحصَّل للآية أو الرواية، أو لمجموع آياتٍ وروايات، فيستظهر ويستنبط ويستنتج بسرعةٍ وحَدْس. وهذا نمطٌ من الاستنباط بيّنه صاحب الفصول، ولعلّ كلامه هذا — وهو في حدود صفحةٍ أو اثنتين في النصف الثاني أو الثلث الأخير من كتابه — حقيقٌ بأن يُفرد بالطبع؛ لما ينطوي عليه من بيان منهجيّةٍ في الاستنباط[19] . وتارةً أخرى يستنبط الفقيه لا بالمسلك الإجماليّ الارتكازيّ، بل بنحوٍ تفصيليّ تحليليّ؛ وهذان الاستظهاران قد يتوافقان وقد يتخالفان.

والقاعدة هنا: إنَّه متى ما وقع التخالف بين الاستظهار التفصيليّ التحليليّ والاستظهار الإجماليّ، فإنَّ ذلك مؤشّرٌ على خللٍ واقعٍ في أحدهما؛ فلا بدَّ حينئذٍ من معالجته، إذ يُعدّ كلٌّ منهما صمامَ أمانٍ للآخر. والاستظهار الإجماليّ الارتكازيّ نظيرُ ما عليه أهل العرف وأبناء اللغة في استظهاراتهم؛ فإنَّك لو سألت أحدهم تفصيلاً: من أين استظهرت هذا المعنى؟ فإنَّه يقدّم النتيجةَ جاهزةً — كالحاسوب تماماً — دون أن يعرف كيفيّة البرمجة؛ وعادةُ أبناء اللغة أو عوامّ العقلاء أنّهم إذا سُئلوا عن قانونٍ معيّن قالوا: «نرى ذلك ارتكازاً» بلا تفصيل، وهذه ارتكازاتٌ إجماليّة، سواءٌ انطلقت من علم اللغة أم من الاعتبارات العقلائيّة أم من غيرها.

والنتيجة: إنَّ في كلّ علمٍ من العلوم منهجين في الاستنباط:

    • الأوّل: منهجٌ إجماليّ حَدْسيّ ارتكازيّ.

    • الثاني: استنتاجٌ تفصيليّ تحليليّ يسير خطوةً فخطوة، وكلمةً فكلمة.

ولا بدَّ من إقامة التوازن والمراقبة والمحاكمة بين هذين المنهجين. وهذا الأمر لا يختصّ بالعلوم اللغويّة فحسب، بل يجري في الارتكازات العقلائيّة أيضاً؛ فعوامّ العقلاء يعجزون عن البرهنة التفصيليّة على ثبوت ذلك القانون العقلائيّ، غير أنّهم واثقون ارتكازاً بوجوده عندهم. ومثلُ ذلك عوامّ المتشرّعة؛ إذ لو سألت أحدهم لقال: «لا أدري تفصيله من آيةٍ أو رواية، إلّا أنّ هذا المعنى مرتكزٌ في نفسي»؛ فهو لا يقدر على البيان التفصيليّ مع حضور الارتكاز لديه.

فائدة: يذكر الميرزا القمّي (رحمه الله) في «القوانين» أنّ ارتكاز المتشرّعة قد يكون أصوبَ من استنباط الفقهاء[20] ؛ لا لكون العوامّ علماء، بل لأنّ هذا الارتكاز الإجماليّ موروثٌ علميٌّ يتوارثونه ويسترسلون معه لا شعوريّاً، في حين أنّ الفقيه عند خوضه في التحليل التفصيليّ قد يغفل عن بعض الجهات، فيكون متَّهَماً في حَدْسه أو استنتاجه. فالارتكاز الموروث عند العوامّ قد يكون أدقّ؛ لكونه متوارثاً عبر الأجيال عن الشارع.

ومثال ذلك: أنّ نفس التشهّد ليس محلاً للتقليد، وإنّما أخذُ التشهّد جزءاً في الصلاة حكمٌ فقهيٌّ يقع موقعَ التقليد، وأمّا أصلُ معنى التشهّد فأمرٌ عقائديٌّ لا مدخل للتقليد فيه؛ فأجزاء الصلاة كلّها عقائديّة، وتركيبها فقهيٌّ. وهذه نكتةٌ غَفَل عنها الشيخ الصدوق (رحمه الله) مع عظيم جلالته ومكانته[21] .

وقد جرت الأجيال إلى يومنا هذا على أنّ التشهّد المأخوذ في الأذان والإقامة أو في الصلاة أمرٌ فقهي، بينما هذه الأجزاء العقائدية المأخوذة في الصلاة هي في واقعها عقائدية؛ أي تقع ضمن صلاحية تشريع علم العقائد، وليست من صلاحية تشريع علم القانون أو علم الفقه أبداً، وبعد أربعين سنة من التحليل الصناعي والبحث وصلتُ إلى هذه النتيجة.

والمقصود: أنّ الارتكاز الموجود عند العوام في اللغة وفي مختلف العلوم قد يكون في بعض الأحيان — كما يرى الميرزا القمّي[22] — أسدَّ وأصوب من التحليل التفصيلي لدى الفقهاء والعلماء، وهو ما يُعرف بتحكيم الموروث المتشرّعي على التحليل التفصيلي.

وهذا التنازع: يذكره صاحب الفصول مبحثاً أصولياً في مسألة أيهما يُقدَّم: الاستنتاج الارتكازي أم الاستنتاج والتحليل التفصيلي[23] ، وهو مبحثٌ سيأتي بسطُ الكلام فيه مفصَّلاً.

 


[1] البَداء في اصطلاح متكلّمي الإماميّة: هو إبداءُ الله تعالى وإظهارُه لِما خَفِيَ على العباد بعد تقديره، بمحوِ ما كُتِبَ في لوح المحو والإثبات وإثباتِ غيره رعايةً لمصالح التدبير، لا عن جهلٍ أو تجدّدِ عِلمٍ لله تعالى. — المحقق.
[12] هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين، الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي، ج1، ص482. «يُراجع تفصيل صلة مبحث البداء بالنسخ ومباحث الطلب والإرادة».
[15] شرح المنظومة ت حسن زاده آملي، السبزواري، الملا هادي، ج2، ص340. «اعتبارات الماهية عند الحكماء والأصوليين ترجع إلى لحاظ الماهية من حيث هي (الماهية المهملة)، أو بلحاظ عوارضها؛ فإن لُوحظت بشرط عدم مقارنة أي قيد فهي«بشرط لا» (المجردة)، وإن لُوحظت مقترنة بقيد فهي«بشرط شيء» (المخلوطة)، وإن لُوحظت سارية غير مقيدة بقيد ولا بشرط التجرد فهي«لا بشرط القِسمي» (المطلقة)، والمقسم الحاوي لهذه الاعتبارات الثلاثة هو«لا بشرط المَقْسِمي». يُنظر».
[18] حقائق الأصول، الحكيم، السيد محسن، ج1، ص558. «مقدّمات الحكمة: هي مجموعة القرائن العامّة العقلائية التي يُحرز بها كون المطلق مراداً للمتكلم على نحو السريان والإطلاق، وعمدتها: إحراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، وانتفاء القرينة على التقييد، وعدم وجود ما يوجب الانصراف، وانتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب عند من يراه. يُنظر».
[19] انظر «الفصول الغروية في الأصول الفقهية» للشيخ محمد حسين الأصفهاني الحائري في هذا المبحث. — المحقق.
[20] انظر «قوانين الأصول» للميرزا أبي القاسم القمي في هذا المبحث. — المحقق.
[22] يُنظر بحث حجيّة ارتكاز المتشرعة وتقديمه في: القمي، ميرزا أبو القاسم. قوانين الأصول.. — المحقق
[23] يُنظر تفصيل هذا التنازع ومسالك الأصوليين فيه في: الأصفهاني، محمد حسين. الفصول الغروية في الأصول.. — المحقق
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo