48/03/30
حقيقة البداء وفلسفته التوحيدية والمنهج الدلالي في إثبات المعارف العقدية/البداء /العام و الخاص
موضوع: العام و الخاص/البداء /حقيقة البداء وفلسفته التوحيدية والمنهج الدلالي في إثبات المعارف العقدية
حقيقة البداء وصلته بالقضاء المحتوم ومسؤولية الاختيار
إنَّ البداء ليس مقصوراً على معنى الإظهار والإبراز كما ذهب إليه السيّد الخوئي (رحمه الله) [1] ، بل يمتدّ ليشمل تغيير الأسباب التكوينيّة، أو تبديل الأرضيّات والقابليّات الاستعداديّة، وهي قابلةٌ للتغيير حتّى في القضاء المحتوم.
والفارق بين القضاء المحتوم وغير المحتوم: أنَّ ما ينبئ به الوحي ينقسم إلى قسمين: محتومٍ، وغير محتوم؛ والمراد بالمحتوم أنَّ أسبابه التكوينيّة وأرضيّته الاستعداديّة قد تهيّأت بنسبةٍ عالية جدّاً (كتسعين بالمائة مثلاً).
وهناك لسانٌ آخر مستفيضٌ في الروايات: يفيد أنَّ الدعاء يردّ القضاء المبرم، والمبرمُ في مؤدّاه نظير المحتوم؛ بل إنَّ المضمون المتواتر في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) يصرّح بأنَّ كلَّ أمرٍ ما لم يوجد في الخارج ويُمْضَ، فهو قابلٌ للبداء وإن كان من المحتوم. ومقتضى ذلك أنَّ علم المعصومين بالعلم الإلهيّ المتعلّق بحتميّة أمرٍ ما لا يثنيهم عن أداء مسؤوليّة الاختيار البشريّة، بل يتحرّكون وينشطون في الميدان كأنَّه ليس بمحتوم.
ومثال ذلك: ما جرى مع سيّد الشهداء (عليه السلام)، وإن كانت المسألة تحتمل ثلاثة تفسيراتٍ بلحاظ البداء ذكرناها في كتاب «التوحيد في المشهد الحسينيّ»، وأحد تلك الوجوه هو هذا المعنى بعينه؛ ولأجل ذلك اختلف تعبير سيّد الشهداء (عليه السلام) في مسيره من المدينة ومكّة حيث قال: «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَانِي قَتِيلًا… وَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[2] ، بينما كان تعبيره (عليه السلام) يوم عاشوراء: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي قَتْلِكُمْ»[3] ، والإذن في رتبته ومفهومه مغايرٌ للمشيئة، مِمَّا يدلّ على أنَّ للأمر طبقاتٍ ومراتب. كما ورد في بعض النصوص أنَّ الله عزّ وجلّ خيّر سيّد الشهداء (عليه السلام) حتّى في اللحظات الأخيرة من يوم عاشوراء، وهو ما يكشف عن سعة هذا الباب وعظمته؛ كما جاء في المأثور: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ»[4] ، وقولهم (عليهم السلام): «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْإِقْرَارَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَخَلْعَ الْأَنْدَادِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ»[5] .
والحاصل: أنَّ البداء شأنٌ عظيمٌ للغاية، وإحدى فلسفاته الجوهريّة التي أكّد عليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تقف في قبال مسلكَي الجبريّة والمفوّضة؛ فالأمور التكوينيّة والفعليّة ليست مفوّضةً بيد البشر بصورةٍ مطلقة، وليست خاضعةً للجبر الصرف، بل هي من صغريات «أمرٌ بين أمرين».
فلسفة البداء وعلامات الظهور بين الجبر والحركية
وفلسفة البداء الكبرى: تكمن في إحياء فاعليّة مسؤوليّة الاختيار البشريّ؛ ومن هنا ورد في الروايات أنَّ خروج السفيانيّ من المحتوم، وورد في شأنه أيضاً إمكان البداء؛ والمحتوم إنَّما هو أصل خروج السفيانيّ لا تفاصيله الدقيقة، إذ إنَّ تفاصيل علامات الظهور ليست محتومةً على الإطلاق، بل هي بمثابة إحداثيّاتٍ ومعالم يُلقيها الوحي للمؤمنين كي ينهضوا بمسؤوليّاتهم، فيستبينوا مواضع ضعفهم وقوّتهم، ومكامن ضعف العدوّ وقوّته؛ فالبيانات الوحيانيّة لم ترد ليتفرّج عليها الإنسان من موقع العجز والحياد، وإنَّما أُلقيت لتحميل المكلّفين المسؤوليّة العمليّة.
والنتيجة: أنَّ علامات الظهور تمثّل في جوهرها وظائف ومسؤوليّات، وليست تنبّؤاتٍ جبريّةً قَدَريّةً توقيتيّة، وقراءتها بنحو الجبر والإلجاء قراءةٌ فاسدةٌ وباطلةٌ من أصلها؛ إذ يؤول هذا المسلك إلى التوقيت المنهيّ عنه شرعاً، وقد تواترت الأخبار بالردّ عليه، كقولهم (عليهم السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ»[6] ؛ فالأمر مبنيٌّ على الحركة والمسؤوليّة لا على الركون والانتظار الساكن.
إنَّ البداء يصبّ في مسؤوليّة الاختيار؛ إذ يزحزح فكرة الجبر، وتأثير النجوم، والسحر، ونحو ذلك. وهذا يُعَدّ برهاناً من براهين إمامة أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث اختصّوا ببيان مبحث البداء، وهو معجزة علميّة دالّة على إمامتهم، معجزة لا تقترب منها المذاهب الإسلاميّة الأخرى ولا النظريّات البشريّة. ونفس حقيقة البداء معجزة عظيمة جدّاً؛ لكونه يبعث الحركيّة والحيويّة في مسؤوليّة المكلّف، ولم يكن تركيز علماء الأصول عليه عبثاً.
ومن ثمّ، فإنّه وفق لسان روايات البداء، لو نزل جبرائيل (عليه السلام) بمعلومة، فإنّ مجال التغيير يبقى مفتوحاً؛ إذ التعبير المتواتر عنهم (عليهم السلام) يفيد أنّ ما لم يوجد ويمضَ في الخارج فهو قابل للبداء، وهذه العبارة صريحة في نفي الاستثناء بين المحتوم وغير المحتوم؛ وذلك لبيان خطورة جانب المسؤوليّة البشريّة في تهيئة القابليّة والأرضيّة التكوينيّة، كما جاء في تعبير أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة: «حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَالِاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً»[7] ؛ فعلمُ الله تعالى فينا يدعو إلى الصبر والمصابرة، لا إلى الترف والبطر.
والحاصل: أنّ باب البداء متطابقٌ مع منظومة قواعد المعارف القرآنيّة ومعارف أهل البيت (عليهم السلام).
ومثال ذلك: أنّ نبيّ الله يونس (عليه السلام) أنبأ قومه بحلول العذاب وشارفوه بأعينهم، ومع ذلك لم يقطعوا حبل الرجاء بالله تعالى. وإحدى الغايات التوحيديّة العظيمة للبداء تكمن في ألّا يقطع الإنسان رجاءه بالله وإن تظافرت الأسباب الملكيّة والملكوتيّة كلّها؛ فحبل الرجاء به سبحانه لا ينقطع. وبالفعل كشف الله عزّ وجلّ عنهم العذاب، مع أنّ النبيّ يونس (عليه السلام) كان كما وصفه القرآن الكريم: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾[8] ؛ لأنّ هذه الساحة هي ساحة قدرة الله المطلقة وعظمته، ومظهر ارتباط العبيد به سبحانه.
والقاعدة هنا: أنّ الأسباب المادّيّة مهما تعاظمت لا ينبغي أن تُلقي الخوف في قلب المؤمن؛ فيحسب لها حساباً، نعم، ولكن ليس معنى ذلك أن يستسلم لها ويكل مصيره إليها؛ لأنّ المتصرّف والمهيمن فوق الكلّ هو الله عزّ وجلّ، وبفضله ولطفه تسبّبت الأسباب، وليست هي آلهة مستقلّة بالتأثير. فهذه هي الفلسفة التوحيديّة العظيمة للبداء المكرّسة للعبوديّة الخالصة، وهو مبحث متطابق تماماً مع ثوابت معارف أهل البيت (عليهم السلام)، ويوافق فلسفة الفقه؛ إذ الفقه برمّته قائم على مسؤوليّة الاختيار التي تؤول إلى فكرة البداء.
والنتيجة: أنّ أيّ طائفة من الروايات يفوح منها لسان الجبر تُطرح لمخالفتها هذا الأصل؛ فالقول بسلب القدرة على التغيير أو التفريط بالمسؤوليّة قول باطل، بل: «لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ، وَلكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ»[9] ، وهذه المعادلة هي التي يُبنى عليها صرح الفقه القائم على المسؤوليّة والوظيفة العمليّة.
طوائف روايات البداء ومناقشة مباني السيد الخوئي
تنبيه: إنّ الأقسام الثلاثة من الروايات التي أوردها السيّد الخوئي (رحمه الله) [10] في مسألة القضاء والبداء مقبولة ومتقنة، ولكنّها لا تستوعب جميع الروايات الواردة في المقام؛ كرواية الشيخ الصدوق في كتاب «التوحيد»: «إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمَيْنِ: عِلْماً عِنْدَهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ…»[11] ، وكذلك طائفة روايات ليلة القدر التي استشهد بها؛ فإنّها صحيحة ومعتبرة، غير أنّ لدينا روايات أخرى تفيد بأنّ عمليّة التقدير والقضاء تبدأ تدريجيّاً من ليلة النصف من شعبان بدرجات ورتب، مروراً بليلة تسع عشرة، وصولاً إلى ليلة القدر، ومع كلّ هذه المراتب التقديريّة فإنّ إمكانيّة البداء تبقى قائمة على حالها.
إذا كان هذا المعنى الذي ذكرناه آنفاً يستقيم فهذا أمرٌ عظيم؛ وتأسيساً على قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[12] ، وما ورد في بعض الروايات من أنّ ذلك جارٍ في كلّ ما يكون إلى يوم القيامة، فإنّ هناك طوائفَ متعدّدةً من الروايات الدالّة على ذلك:
فمنها: ما رواه العيّاشي عن ابن سنان، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ، وَيَمْحُو مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ»[13] ؛ فالتقديمُ والتأخيرُ نحوٌ من أنحاء البداء، ومحوُ الشيء بداءٌ آخر، وإثباتُه نحوٌ ثالث، وهذه كلّها تندرج تحت أقسام البداء؛ فتارةً يقدّمُه وتارةً يؤخّره، وتارةً يزيده ابتداءً وتارةً يثبته. ثمّ قال (عليه السلام): «فَكُلُّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْنَعَهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَبْدُو لَهُ إِلَّا وَقَدْ كَانَ فِي عِلْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَبْدُو لَهُ مِنْ جَهْلٍ»[14] .
ومنها: روايةٌ أخرى رواها العيّاشي عن عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، حين سُئل عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾، قال: «إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، فَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَرُدُّ الدُّعَاءُ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ الدُّعَاءُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: الَّذِي يُرَدُّ بِهِ الْقَضَاءُ، حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ يُغْنِ الدُّعَاءُ فِيهِ شَيْئاً»[15] . ومقتضى ذلك أنّ المسألة غيرُ منحصرةٍ في عشر روايات أو عشرين، بل إنّ ما جمعه صاحب البحار ليس مستوعباً لجميع الألسن الواردة في الباب؛ إذ قد تكون هناك ألسنةٌ أخرى غفل عنها، فرغم إيراده سبعين روايةً في البحار، إلّا أنّها ليست حاصرةً لكلّ ما روي في هذا المعنى.
والحاصل: أنّ بحث البداء من الأبحاث الكلامية العظيمة؛ وقد أورد السيّد الخوئي (رحمه الله) جملةً من هذه الروايات عن كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، منها قوله (عليه السلام): «مَا عُبِدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ»[16] ، وقوله (عليه السلام): «مَا عَظَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمِثْلِ الْبَدَاءِ»[17] . والجديرُ بالالتفات أنّ السيّد الخوئي لم يتعرّض لمناقشة أسانيد هذه الروايات في مفتتح بحث البداء، وتلك هي تقريرات الشيخ الفياض[18] وسائر التقريرات الأصولية، فلا تجد فيها حديثاً عن السند في عشرة تقارير أو عشرين؛ والوجه في ذلك أنّ المبحث عقائديٌّ يُلحظ فيه تطابق المتن مع البراهين والمحكمات القطعية من الكتاب والسنّة والمدركات العقلية.
ومن الشواهد الروائية: ما ورد أيضاً: «مَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّاً حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْإِقْرَارَ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَخَلْعَ الْأَنْدَادِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ»[19] . وتطبيقاً لذلك، نجد في شأن أهل الجنّة وأهل الطاعة حين خلق الله طينتهم أنّه وعدهم بالجنّة، والله لا يخلف الميعاد، وأمّا أهل النار فجعل الله له فيهم المشيئة، وهذا الأصل ممتدٌّ منذ ابتداء الخلقة.
المنهج المعرفي: ثبوت الحقائق العقدية بغير ألفاظها الصريحة
فائدة: من اللطيف ما نبّه عليه السيّد الخوئي من أنّ المخالفين ينكرون القول بالبداء، مع أنّ في مروياتهم نصوصاً كثيرةً تفيد مضمون البداء وحقيقته وإن غفلوا عنها[20] ؛ كرواياتهم المستفيضة في أنّ الصدقة والدعاء وصلة الرحم يغيّرون القدر ويدفعون القضاء المبرم، وهذا هو عينُ البداء حقيقةً؛ إذ العبرة بالمعنى وما وراء الألفاظ لا بالجمود على حرفية المصطلح. ونظير ذلك تماماً ما نجده في روايات الرجعة، فإنّها متواترةٌ عند العامّة بألسنةٍ شتّى من غير لفظ الرجعة، ومع ذلك تراهم ينكرونها ويشنّعون على من قال بها.
وها هنا بيت القصيد؛ فإنّ واقع المعنى وحقيقته متحقّق عندهم ولا يُلتفت إليه كثيراً. وهذا الأمر لا يختصّ بهم، بل يقع نظيره حتى لدى الخاصّة، حيث يُنكَر الشيء بعنوانٍ معيّن، والحال أنّ ماهيّة هذا الشيء وحقيقته متحقّقة في أمرٍ قطعيّ لدينا ولكن باسمٍ آخر؛ ومثاله ما ورد في «دولة العصا والميسم» و«دابّة الأرض»[21] [22] ؛ فإنّ هذه العناوين قد ثبتت عندهم برواياتٍ متواترة، وهم لا يعلمون أنّ هذا هو عين الرجعة، وأنّها تمثّل أوج ذروة دولة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجعة، على نحوٍ ينطبق تمام الانطباق مع ما ورد في رواياتنا.
فهذا بحث منهجيّ بالغ الأهمّيّة؛ ومفاده أنّ الحقيقة الواحدة في البحث العلميّ — سواء أكانت عقائديّة أم فقهيّة أم غير ذلك — قد تُطرح بألفاظٍ وألسنٍ ومعانٍ متعدّدة، بيد أنّ الباحث قد يقصر عن الالتفات إلى ذلك نتيجة جموده على حرفيّة اللفظ وظاهر التعبير. والشاهد على ذلك أنّ إمامة أهل البيت (عليهم السلام) مبثوثة بعشرات ومئات وآلاف العناوين في القرآن الكريم، ولم يكن أحدٌ من المتكلّمين ليفطن إلى ربط هذا الحديث بباب الإمامة لولا تنبيه الإمام الرضا (عليه السلام) عليه ببرهانٍ عقليّ؛ حيث قال للمأمون العباسي: «أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ: “اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ”؟»[23] فقال: نعم، هذا حديثٌ متّفقٌ عليه. والحال أنّ هذا «النور» يُعبّر عن اتّصالٍ غيبيّ يتزايد بتعاظم درجات الإيمان، وهو حقيقة الإمامة والغيب؛ فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد بيّن الإمامة بهذا اللسان، ولم يتنبّه إلى مغزاه العرفاء ولا الصوفيّة ولا الفلاسفة، وإنّما انجلت حقيقته في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وقد ساق الإمام الرضا (عليه السلام) للمأمون عشرة أدلّة[24] ، جملةٌ منها لم يهتدِ إليها أحدٌ من المتكلّمين في مسألة الإمامة.
إثبات الأصول العقدية بدلالات الإيماء والتعريض (الإمامة نموذجاً)
والقاعدة هنا: أنّ بيان الله عزّ وجلّ لأصلٍ من أصول الدين بلسان الإشارة والإيماء والاقتضاء والتنبيه والتعريض والكناية ينطوي على دلالةٍ كبرى، خلافاً لمسلك من يدّعي المنهج الأصوليّ باشتراط النصّ الصريح حصراً؛ مع أنّ تأسيس هذا الأصل ينفع في مبحث سعة دائرة حجّيّة الظهور، سواء في علم التفسير أو الفقه أو سائر المعارف الدينيّة، وهي نكتةٌ بالغة الخطر. فإن كانت الإمامة — بوصفها ثالث أصول الدين — قد بيّنها الشارع بالتعريض الخفيّ، فإنّ ذلك الخفاء لا يقدح في ركنيّتها وأصالتها، شريطة أن يبتني ذلك البيان على برهانٍ ناهضٍ يتناسب مع منزلة كونها أصلاً من أصول الدين.
والشاهد على ذلك: ما ورد في زيارة الغدير المرويّة عن الإمام الهادي (عليه السلام) [25] [26] — وهي زيارةٌ عظيمة الشأن — حيث يظهر فيها جليّاً أنّ هذا الأصل الثالث من أصول الدين قد بيّنه الله تعالى بلسان الإيماء والرمز والإشارة والتعريض والكناية، إلى أن توّج ذلك في يوم الغدير بالصدع بالأمر والتصريح المباشر. ولا ينبغي أن يُتوهّم من ذلك أنّ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن مشرّعةً عقائديّاً من قبل؛ إذ يؤكّد الإمام الهادي (عليه السلام) على امتداد فصول الزيارة أنّ هذا الجعل الإلهيّ لإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) قد استقرّ منذ بزوغ فجر الإسلام في مئات الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، وجميعها وردت بلسان التعريض والرمز والإشارة المستندة إلى براهين قطعيّة لا إلى استحساناتٍ ظنّيّة، وإن كانت لا تنكشف إلا بإعمال النظر ودقّة التحقيق.
ومثال ذلك: ما نجده عياناً في العلوم التجريبية؛ حيث تُكتشف مسائل فيزيائية بالغة الخطورة والأهمية كانت غامضة ومجهولة قبل خمسين سنة أو عشرين سنة، غيرَ أنَّ عدم معرفتها في الأزمنة السابقة لا ينافي كون اكتشافها قد زلزل أركان علم الفيزياء برمّتها؛ فالغموض الذي اكتنفها ردحاً من الزمن أمام مدارك البشر لا ينفي ركنيتها وأصالتها في علم الفيزياء النووية والنانوية، مع كونها أعظم رتبةً وأعمق أثراً من سائر فروع الفيزياء، كالفيزياء الكهروضوئية والفيزياء الكهرومغناطيسية وغيرها. ومقتضى ذلك أنَّ الجهل بها لا يزعزع شمولها ومحيطيتها، إذ عَلِم بها من عَلِم وجهل بها من جهل على مرّ القرون، دون أن يقدح خفاؤها المتقدّم في ركنيتها التأسيسية في عالم الفيزياء أبداً.
تنبيه: وقد أصرَّ الشريف المرتضى (رحمه الله) في كتاب «الشافي في الإمامة» على تحرير هذا المبحث[27] ، وهو مستقىً من بيانات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ ومفاده أنَّ إثبات مثل هذه الأصول يصحّ بالأدلة الإيمائية والكنائية ما دامت جاريةً على موازين مستحكمة وبراهين قطعية، وإن خفيت دلالتها على من خفيت. وتلك نكتةٌ صناعية بالغة الأهمية في عموم العلوم، وفي مدارك الاستظهار ومناهج الاستنباط على حدٍّ سواء.
الإشكال: الاعتراض بعدم ورود نصٍّ صريح، والتساؤل بدعوى: كيف لا تكون الإمامة ببيانٍ صريح؟
والجواب: أنَّ هذا التصوّر خطأٌ بيّن؛ فإنَّ الإمامة ـ ببنيتها الشاملة التي تستوعب سائر بنى الدين وأركانه بعد التوحيد والنبوة ـ لا يُشترط في بيانها سلوك طريق التصريح دائماً؛ إذ إنَّ فلسفة التصريح ـ كما يُفصح عنها لسان الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة الغدير ـ إنَّما جُعلت لقطع العذر وإلزام الحجة، في حين كان البيان الصادع المباشر هو ما أُمِر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير. وهذا التأسيس يفتح أفقاً واسعاً في بحوث الظهور وحجيته، سواء في علم العقائد أو في مدارك التفسير.
والقاعدة هنا: ما كان يقرّره أستاذنا الميرزا هاشم الآملي (رحمه الله) من أنَّ: «كلَّ مدَّعىً لا بدَّ أن يتناسب معه دليله»؛ فالمدعى العظيم الشأن يفتقر إلى براهين وأدلة قطعية تناسب خطورته، والمدعى المتوسط تنهض به الأدلة المتوسطة.
ومن الشواهد التطبيقية: أنَّ العامة قد رووا روايات كثيرة في حقيقة البداء وهم لا يعلمون أنها فيه؛ وهذا مسلك منهجي دقيق ينبغي الالتفات إليه، وفيه عبرةٌ للمستنبط؛ فلا يصحّ الظنّ بانعدام الأدلة لمجرد أننا فتشنا فلم نجد مادة لفظ «البداء» بلفظها وحروفها، إذ إنَّ المعنى قد صيغ بعشرات الألفاظ والأساليب، والذي يمتلك هيمنةً وإحاطةً بجوهر المعنى يدرك بداهةً رجوع تلك الألسن برمّتها إلى حقيقةٍ واحدة.