48/03/27
حقيقة البداء وسعته ومنهج تقويم رواياته بين المحكمات والمكاشفات/البداء /العام و الخاص
موضوع: العام و الخاص/البداء /حقيقة البداء وسعته ومنهج تقويم رواياته بين المحكمات والمكاشفات
منهج السيد الخوئي ومسلك الوثوق المضموني في روايات البداء
ثمّة عشراتُ الروايات الواردة في هذا الباب — وليست ثلاثاً أو أربعاً أو عشراً، بل عشرات الروايات — بيدَ أنَّنا نقتصر على قراءة ما تيسّر منها؛ إذ إنَّ الرواياتِ التي أوردها السيّدُ الخوئيّ والتي لم يُوردها كِلْتَاهما على جانبٍ كبيرٍ من الأهميّة، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[1] ، وقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾[2] .
وقد أورد السيّدُ الخوئيّ روايةً أخرى عن تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ[3] ، قال: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ…»، والملحوظُ هنا كيف وزَن السيّدُ الخوئيّ هذه الرواياتِ في بحثٍ عقديٍّ خطيرٍ كـ«البداء»[4] ؛ حيث لم يَزِنْها بالموازين السنديّة الصِّرفة من جهة الصحّة والتوثيق والضعف، بل رسَم حدوداً عقليّةً بديهيّةً من ثوابت الدين، وبيّن انطباقَ هذه الروايات على تلك الضوابط والمحكمات العقائديّة، فاستعلمَ سدادَها من عَرْضها على المحكمات، وبنى حجّيّتَها على متونها.
ومنهجه في ذلك: أنَّه قدّم مقدّمةً تتضمّن تقسيماً عقليّاً بديهيّاً وقرآنيّاً، واستشهد بالآيات الكريمة، مبيّناً مطابقةَ تلك الروايات لظواهر القرآن الكريم؛ وهو المسلكُ التامّ الذي اعتمده السيّدُ الخوئيّ في مبحث البداء برُمّته، إذ لم يتعرّض للطرق والأسانيد البتّة لا من قريبٍ ولا من بعيد، وإنّما أجرى الموازنةَ على وفق الثوابت العقليّة والقرآنيّة؛ بل إنَّ كثيراً من الروايات لم يذكر أسانيدَها أصلاً، على خلاف ديدنه في المسائل الفرعيّة الفقهيّة التي يُدقّق فيها في أحوال السند، من حيث كون الرواية صحيحةً، أو موثّقةً، أو حسنةً، أو قويّةً، أو مرسلة؛ في حين أنّه هاهنا لم يتعرّض لصحّة السند أو ضعفه، بل عوّل عليها اعتماداً على انطباق متونها على المباحث القرآنيّة والمحكمات وفق القاعدة المقرّرة.
والحاصل: أنّ المسألة مسألةٌ مضمونيّة، جرياً على دأب القدماء والشيخ الأنصاريّ؛ إذ لا يَنحصر مدارُ الاعتبار عندهم في مجرّد الطريق، فمسلكُ الحجّيّة لديهم في الفروع كمسلكهم في الأصول، وهو «الخبرُ الموثوقُ بمضمونه»[5] ؛ ومقتضاهُ أنَّ المتنَ هو العُمدةُ من خلال عَرْضه على المحكمات والأصول القطعيّة، وهذا مسلكٌ عقلائيٌّ متين؛ وسيأتي في مباحث «حجّيّة خبر الواحد» أنّ عُمدة سيرة العقلاء قائمةٌ على هذا المبنى، خلافاً لما يُتوهّم من قصر الحجّيّة على وثاقة الراوي وعدالته المجرّدة وما شاكل ذلك.
ففيما يرويه عليّ بن إبراهيم القمّيّ، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الله بن مُسْكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ وَالْكَتَبَةُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَكْتُبُونَ مَا يَكُونُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَةِ»[6] ، وهنا يُطرح التساؤل عن ارتباط القضاء والقدر بتنزّل الأمر في سماء الدنيا؛ ثمّ يُكمل (عليه السلام): «فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئاً أَوْ يُؤَخِّرَهُ أَوْ يَنْقُصَ شَيْئاً أَمَرَ اللهُ أَنْ يَمْحُوَ مَا يَشَاءُ ثُمَّ أَثْبَتَ الَّذِي أَرَادَهُ»، وفي لفظٍ: «ثُمَّ أَثْبَتَ الَّذِي شَاءَهُ»، حيثُ يُقيَّد الإثباتُ بالإرادة والمشيئة؛ وهذا المعنى واردٌ في رواياتٍ مستفيضةٍ تدلّ على أنّ وراء المشيئة إرادةً، وتلك بحوثٌ كلاميّةٌ ومعرفيّة؛ قال الراوي: «قُلْتُ: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللهِ مُثْبَتٌ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ».[7]
«كتاب الله روحٌ ملكوتيٌّ وجوهر، وهو نفس الرُّوح الأعظم من القرآن»، قال: «نَعَمْ»، وهذا يُبيّن ارتباط القرآن العظيم بالقضاء والقدر التكويني، وهي بحوثٌ معرفيّة كلاميّة وليست بحوثاً أصوليّة، «قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، ثُمَّ يُحْدِثُ اللهُ أَيْضاً مَا يَشَاءُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى».
سعة دائرة البداء وجريانه في الأمر المحتوم
وهناك طائفةٌ من الرّوايات لم يُوردها السيّد الخوئي، وهي رواياتٌ مستفيضة تدلّ على أنّ الأمر ما دام لم يتمّ إمضاؤه فهو في معرض البداء؛ ففي اللحظة الأخيرة قبل الإمضاء والإيجاد يتّسع المجال للبداء، والمحتوم وإن قُدّر وقُضي واجتمعت أسبابه، إلا أنّه في اللحظات الأخيرة قد يدخل عاملٌ تكوينيٌّ مانعٌ فيحدث البداء. ومن ثمَّ، فإنّ لدينا رواياتٍ مستفيضةً — بل متواترة — على أنّ المحتوم يقع فيه البداء، كأثر الدّعاء وصلة الرّحم أو قطيعتها.
ومقتضى ذلك: أنّ البداء مجاله واسعٌ حتّى في المحتوم، والمحتوم هو ما قُدّر وقُضي وأُبرم واجتمعت أسبابه المؤتلفة، ولكن قد يطرأ عليه ما يُبدّله، ومعنى البداء هنا هو تزاحم المقتضيات والقابليّات التكوينيّة، وهذا هو المعنى الأصليّ للبداء؛ إذ تتغيّر موازنة الأسباب والمسبّبات، كما ورد في الدّعاء: «يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ المَكَارِهِ، وَيَا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ، وَيَا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ المَخْرَجُ إِلَى رَوْحِ الفَرَجِ، ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعَابُ، وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الأَسْبَابُ، وَجَرَى بِقُدْرَتِكَ القَضَاءُ، وَمَضَتْ عَلَى إِرَادَتِكَ الأَشْيَاءُ، فَهِيَ بِمَشِيئَتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبِإِرَادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ»[8] ؛ فالقدرة فوق القضاء، وتلك طبقاتٌ في عالم الخلق وعالم الفعل الإلهيّ.
والمقصود من البداء: هو تغيّر الأسباب والمسبّبات أو القابليّات؛ ولذلك فإنّ ما جرى في قوم يونس كان العذاب فيه محتوماً بعد أن توفّرت أسبابه وقاربهم وأظلّهم، إلا أنّ عالماً من أولاد الأنبياء قال لهم: إنّ الدّعاء يحجب كلّ شيء، فتضرّعوا فحُجب عنهم العذاب؛ فالمحتوم — بحسب هذه الطّائفة من الرّوايات — يقع فيه البداء، وتطبيقات البداء كثيرةٌ جدّاً.
ومن شواهد ذلك: روايةٌ ذكرها القمّي في تفسيره عن عبد الله بن مسكان، عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[9] ، قال: «يُقَدِّرُ اللهُ كُلَّ أَمْرٍ مِنَ الحَقِّ وَمِنَ البَاطِلِ، وَمَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَهُ فِيهِ البَدَاءُ وَالمَشِيئَةُ، يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ مِنَ الآجَالِ وَالأَرْزَاقِ وَالبَلَايَا وَالأَعْرَاضِ وَالأَمْرَاضِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مَا يَشَاءُ وَيَنْقُصُ مَا يَشَاءُ»[10] ؛ فالمشيئة المتجدّدة هي البداء بعينه، والتّعبير بالمشيئة وتقديم ما يشاء وتأخيره يُعدّ أحد تعابير بيانات الوحي عن حقيقة البداء.
والحاصل: أنّ لسان هذه الرّوايات يُبيّن أنّ البداء ممكنٌ في كلّ شيء ما لم يُوجَد ويُمْضَ، ورواية الاحتجاج[11] توضّح أنّ المحتوم هو الشّيء الذي أُبرم ولكنّه لم يُوجَد ولم يُمْضَ بعدُ، ولذلك يدخله البداء؛ نعم هو أحكم وأقرب إلى الإيجاد من غيره، وهذا المعنى تامٌّ ومستقيم.
ومن هنا ما جاء في كتاب «الاحتجاج»[12] ؛ إذ لا نقول إنَّ كلَّ شيء يقع فيه البداء، فإنَّ ما وعد الله به واقع لا محالة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[13] ، وهذا لا ينافي علمه الأزليّ الذاتيّ الفوقيّ؛ إذ العلم الإلهيّ في مقام الفعل ذو طبقات ومنازل، ففيه محكم وفيه غير محكم، مما خلق الله من علم لمخلوقاته، فبعضه مهيمن، وبعضه متوسط، وبعضه نازل، ويُنسب إلى الله تعالى باعتبار أنه خالقه وموجده، ومقتضى ذلك مطابقته لما تقرر في المعارف الحقة من مراتب العلم الفعليّ المخلوق.
وما روي في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وهي قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[14] ؛ فالإمام (عليه السلام) ربط بين الأمور الثلاثة: ما كان، وما يكون في المستقبل، وما هو كائن في الحاضر. والموت هو أعظم كشف وشهود للإنسان؛ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[15] ، حيث تنكشف الحقائق عند الموت وتزول الحجب، وتجارب الموت التي يمر بها الناس ثم يعودون أحياء تمثل مكاشفات حقيقية عن عالم البرزخ والموت.
وقد أضحى هذا البحث اليوم علماً بشرياً قائماً برأسه تحت عنوان التجربة في الشرق والغرب وسائر أنحاء المعمورة، وسُجّلت فيه موسوعات وبيانات علمية يُستفاد منها في علوم شتى، وهي مكاشفات متقاربة ومتقاطعة، في حين يرى الفلاسفة والمتكلمون بحدود مداركهم العقلية أنَّ ما وقع ومضى يستحيل أن ينقلب عما وقع عليه، ولا تشمله القدرة الإلهية، وهو أمر بديهي ومسلَّم عندهم في علمي الكلام والفلسفة بعدم جريان البداء في الماضي، في حين لعله يمثل طبقة عميقة من طبقات البداء.
والقاعدة هنا: إنَّ روايات هذا الباب متعددة ومتضافرة جداً، والمغرور في البحث المعرفيّ هو من يقتصر على طائفة واحدة من الروايات، كمن يقتصر على روايات الاكتفاء بالشهادتين ويغفل عن سائر الطوائف المبيّنة للفرائض والشرائط، فالإنسان قد ينخدع بظاهر لسان واحد، في حين أنَّ بيانات الوحي تشتمل على منظومة معرفية ومعادلات دقيقة ومركبة؛ والمهم في هذا المقام أنَّ ما ينقله أصحاب تجارب الموت — وهي ملايين التجارب المدوّنة بتفاصيلها ومكاشفاتها — يفتح أفقاً معرفياً مهماً لا ينبغي إغفاله.
حجية التواتر في الإدراك الغيبي وتجارب الموت
ويذكر العلامة المجلسي (رحمه الله) أنَّ التواتر في الإدراك الغيبيّ حجة معتبرة، بل يفوق التواتر في الحس الظاهريّ[16] ، ناقلاً في بعض كتبه الاعتقادية الفارسية عن بعض المحققين نكتة دقيقة، مفادها أنَّ التواتر لا ينحصر بالأمور المحسوسة بالحواس الظاهرة، بل يجري بعينه في المكاشفات الغيبية؛ لأن ملاك التواتر قائم على امتناع التواطؤ على الكذب وامتناع الصدفة والاتفاق، وهذا الملاك متحقق بذاته في المكاشفات المتطابقة. والإشكال إنما يكمن في الاقتصار على طائفة من الشواهد وترك طوائف أخرى، فالحاصل أنَّ التواتر ليس معياراً عددياً صرفاً كما يتصوره بعض المعاصرين، بل مداره عند الفريقين على امتناع التواطؤ الممتنع معه الكذب وامتناع الصدفة.
إنَّ التواترَ عند الفريقين مَناطه امتناع التواطؤ على الكذب وامتناع الصدفة؛ فالصدفة ممتنعةٌ عقلاً عند تراكم الشواهد وتوافقها. وحين يتحدّث أصحاب تجارب الاقتراب من الموت عمّا عاينوه، يجد المتابع المستقرئ أنَّهم لا ينقل بعضهم عن بعض، فتنتفي فرضيّة التواطؤ، كما تنتفي فرضيّة الصدفة لكثرة الخصوصيّات الجزئيّة وتطابقها لدى عددٍ غفير لا يُتصوّر في حقّهم التواطؤ. ومِن ثمَّ، فإنَّ تجارب الموت هذه تُعَدّ من صلب المكاشفات، وبتعبير العلاّمة المجلسي (رحمه الله) إنَّها إذا بلغَت حدَّ التواتر كانت حجّةً[17] . ولا يَعني ذلك بحالٍ أنَّها ترقى إلى مقام النبوّة أو الوحي المعصوم، بل مَنزلتها كمَنزلة الحسِّ تماماً؛ فالحسّ ليس نبوّةً ولا وحياً، ومع ذلك يُفيد اليقين ويكون حجّةً في صقعه، فليس هو كلَّ شيءٍ في المعرفة ولا هو لا شيء، بل هو مرتبةٌ إدراكية تنضوي تحت هيمنة الوحي وحاكميّته.
والنكتة في هذا المقام: أنَّ اليقينيات غير الوحيانيّة تكون حجّةً ما دامت تندرج تحت هيمنة الوحي وتستضيء بنوره، شأنها في ذلك شأن العقل البشري تماماً وما انتهى إليه الأصوليّون في مَقام معالجتهم للنزاع مع الإخباريّين؛ إذ توصّلوا إلى صلحٍ بين الطرفين —بتعبير الشيخ المظفّر[18] —، ومفاد هذا التوفيق أنَّ العقلَ حجّةٌ ولكن تحت هيمنة الوحي ومُعلِّميّته؛ فليس العقل حجّةً مطلقةً في كلِّ شيءٍ بمعزلٍ عن الشرع، كما أنَّه ليس بملغىً ساقط الحجيّة مطلقاً، بل الأمرُ بين أمرين؛ فالوحي هو المعلّم، والعقل هو المتعلّم، وللمتعلّم رتبةٌ في الحجيّة كما للمعلم. وكذلك المكاشفات المجرَّدة؛ فإنَّها إذا تواترت وتطابقت أفادت الحجيّة، من دون أن يعني ذلك كونَها وحياً إلهياً أو الحجّةَ العظمى، بل هي حجّةٌ في رتبة الحسّ والبديهيّات والأوّليّات وما شاكلها.
إمكان جريان البداء فيما مضى وتفسير التبديل التكويني
وقد نُقل واستفاض عن كثيرٍ ممّن خاضوا غمار تجارب الموت أنَّ استعراض ما مضى من حياتهم لا يجري مجرّد عرضٍ تصويريٍّ ساكن كالشريط المسجَّل، بل صرّحوا بأنَّ الأمر يبدو كأنّما يُعاد إيجادُ ما كان ويتجدّد حدوثُه تكويناً، فيكون الشخص حاضراً في عين الواقعة التي مضت، ويُفسح له المجال لإحداث تغييرٍ فيما كان! وهذا أمرٌ لا يكاد يُحيط بتصوّره الذهنُ البشري؛ إذ كأنّما يحتفظ الله جلّ وعلا بما مضى من الوقائع طريّاً متجدّد الحدوث، وهو أفقٌ لم تبلغه مدارك الفلاسفة ولا العرفاء ولا الصوفية إلى يومنا هذا. وهو —وإن خالف القواعد المألوفة في العقل الفلسفي والكلامي— أمرٌ غير ممتنعٍ في الإمكان التكويني، والفيزياء الحديثة تؤيّد هذا المعنى. ولعلّ السرّ في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[19] لا يقتصر على محو الآثار والتبعات فحسب، بل قد يمتدّ ليشمل المحوَ في أصل صقع الوجود، وهو بقاء الحدوث المندرج في مطاوي هذه الروايات، والمطابق لما يُدلي به المستفيض والمتواتر من شهادات أصحاب تلك التجارب.
والحاصل في تصنيف تلك الإدراكات:
• أنَّ بعضهم يُستعرَض له الحدثُ كواقعٍ عينيٍّ لا كمجرّد شريطٍ صوريّ، غير أنّهم ليسوا شركاء في إيجاد الحدث وإنّما يرون ما وقع فحسب.
• وبعضهم يرتقي إلى درجةٍ تتلبّس فيها روحه بجسده السابق ويتمكّن من إحداث التغيير والتصرّف الفعليّ.
وهذا المعنى يطابق القول بإمكان سريان البداء وجريانه حتى فيما قد كان، وطبقات البداء وأنواعه في لسان الروايات متعدّدة وكثيرة، ولَمُّ أطراف هذه المنظومة المعرفيّة يستدعي نكاتاً دقيقة في فهم المحو، وفي فهم التبديل الوارد في قوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[20] .