48/03/26
حقيقة البداء ومراتب العلم الإلهي في الميزان الكلامي/البداء /العام و الخاص
موضوع: العام و الخاص/البداء /حقيقة البداء ومراتب العلم الإلهي في الميزان الكلامي
أقسام العلم الإلهي ومناقشة تقسيم السيد الخوئي
في مقام الأفعال أو العلم بوصفه صفةً ذاتيّة، فإنَّ قسماً من علم الله سبحانه لا يُبدَّل ولا يقع فيه البداء، مع الالتفات إلى أنَّ كون الشيء ليس فيه بداء يباين كونه منه البداء؛ إذ إنَّ مفاد قولنا: «فيه البداء» أنَّه يطرأ عليه التغيّر، في حين أنَّ مفاد: «منه البداء» أنَّ التغيير الواقع في لوائح القضاء والقدر الأخرى ناشئٌ بسببه، فثمّة فرقٌ بيّن بين وقوع البداء في الشيء وصدوره منه.
وعلى أيّ تقدير، فإنَّ القسم الأوّل الذي يفرضه السيّد الخوئي[1] هو العلم الذي لا يتغيّر فيه العلم ولا المعلوم، وهو العلم المخزون المستأثَر به الذي لم يُطْلِع اللهُ عليه أحداً من خلقه.
وأمّا القسم الثاني: فهو العلم الذي أطلع الله عليه ملائكته ورسله، وهو أيضاً ممّا لا يقع فيه بداءٌ ولا تبديل؛ لكونه من وعد الله الذي لا يُخلف، والله تعالى لا يخلف وعده ولا يكذب رسله، فهو مرتبةٌ دون القسم الأوّل إلا أنَّه لا يتطرّق إليه البداء كذلك.
وأمّا القسم الثالث: فهو ما أخبر اللهُ به أنبياءَه ورسلَه وملائكتَه معلّقاً وموقوفاً من مبدإ الإخبار على تعلّق المشيئة النهائيّة به؛ فإن شاء الله أمضاه، وإن لم يشأ لم يكن. والحال أنَّه قد ورد في أدعية الأئمّة (عليهم السلام) ومأثور الروايات أنَّ حتّى أمّ الكتاب واللوح المحفوظ يمكن أن يقع فيهما البداء لله تعالى[2] [3] ؛ ومقتضى ذلك أنَّ اللوح المحفوظ وأمّ الكتاب لا ينطبقان على القسم الأوّل الذي قرّره السيّد الخوئي، وتلك مؤاخذةٌ على ما أفاده هو وأساتذته.
مؤاخذات على حصر أقسام العلم وحقيقة البداء
وتتحصّل الملاحظات على هذا البيان في وجوه:
• النقطة الأولى: عدم استيعاب كافّة الروايات الواردة في المسألة؛ فإنَّ القصور في التبحّر في علوم الحديث وثناياه يُعَدّ نقصاً في المعارف الدينيّة، وهو ما يوقع في إخفاقات وغفلات عند كبار الأعلام، ولو توغّل الباحث في جوامع الحديث لارتسمت أمامه آفاقٌ أخر لم يقف عليها الأعلام، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[4] .
• النقطة الثانية: ورود النصوص الصريحة الدالّة على إمكان طروّ البداء في أمّ الكتاب واللوح المحفوظ.
• النقطة الثالثة: أنَّ «أمّ الكتاب» يُطلق على مراتب وجوديّة متعدّدة، كما أنَّ «المشيئة» تطلق على عوالم شتّى؛ فلكلّ طائفة من العوالم علمٌ ومشيئةٌ وقضاءٌ وقدر يخصّها، وثمّة طائفةٌ أخرى من العوالم ترتبط بمشيئة أوسع، أو بمشيئة الكلّ في الكلّ.
• النقطة الرابعة: أنَّ البداء ذو مراتب وطبقات بحسب عوالم الوجود ومراتب الصدور؛ وقد ورد في ألسنة بعض الأخبار التعبير بـ«البداء الأكبر»[5] ، فهناك بداءٌ، وبداءٌ كبير، وبداءٌ أكبر، وكلّما كانت الوسائط والوجودات متقدّمة في الصدور كان البداء الصادر منها أعظم رتبةً وأكبر شأناً.
• النقطة الخامسة: حصر السيّد الخوئي لحقيقة البداء في معنى الإظهار والإبراز بعد الخفاء فحسب[6] .
هذا أحدُ معاني البداء، غيرَ أنّ البداءَ عند كثيرٍ من الأعلام هو عبارةٌ عن التغيير في الأسباب التكوينيّة؛ إذ تكونُ الأسبابُ التكوينيّة دالّةً على مقتضى معيّن، ثمَّ يطرأُ عاملٌ وسببٌ تكوينيٌّ جديد فيُغيّر مسار تلك المنظومة التكوينيّة، ولعلَّ هذا هو لُبُّ حقيقة البداء وأحدُ أهمّ معانيه.
مراتب البداء وعوالم الأسماء الإلهية
وفيما يتّصل بمراتب البداء: فإنّ المراتبَ العُليا للبداء — بالنظر إلى أنّ اللوحَ المحفوظَ وأمَّ الكتاب يُعدّان من الطبقات النازلة في سلَّم المخلوقات قياساً إلى ما فوقهما — تجعلُ أعظمَ عوالم الخلق بحسب بيانات الروايات الشريفة هو عالمُ الأسماء. ولا ريبَ في أنّ كلَّ ما سوى الله حتّى اللوح المحفوظ وحتّى جبرائيل هو اسمٌ إلهيّ؛ إذ دلّت بياناتُ الوحي على أنّ ذاتَ جبرائيل اسمٌ من أسماء الله تعالى، بمعنى كونه آيةً دالّةً على الله سبحانه فيُطلق عليه الاسم. غيرَ أنّ مدارَ البحث ليس في مطلق طبقات الاسم، بل في عوالم الأسماء المتمحّضة في الاسميّة، وهي العوالم الفوقانيّة؛ فجبرائيلُ وإن كان اسماً إلهيّاً، إلّا أنّه ليس متمحّضاً في الاسميّة، بل هو من جهةٍ جبرائيلُ ومن جهةٍ أخرى اسمٌ إلهيّ، ونظيرُ ذلك الطبقاتُ النازلة من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة (عليهم السلام)؛ فإنّها من جهةٍ تمثّل طبقاتٍ نازلة كـ«محمّد بن عبد الله» أو الكتاب المسطور، ومن جهةٍ أخرى تمثّل اسماً إلهيّاً، وكذلك العرشُ فقد ورد في الروايات أنّه اسمٌ إلهيّ[7] ، وهو حقّ، غيرَ أنّ العرشَ ليس متمحّضاً في الاسميّة؛ لكونه من جهةٍ عرشاً ومن جهةٍ أخرى اسماً.
والقاعدة هنا: أنّ أوائلَ عوالم المخلوقات وجوداً — وِفقَ ما نطق به الوحي — هي عوالمُ الأسماء المتمحّضة في الاسميّة؛ وتلك المراتبُ العاليةُ المتمحّضة هي أسبقُ العوالم صدوراً وأشدُّها غموضاً، بحيث لا يُشمُّ منها رائحةُ الماهيّة الإمكانيّة والمخلوقيّة مع كونها اسماً. وكذلك الحالُ في القضاء والقدر؛ إذ ليسا طبقةً واحدةً في العوالم، بل هما ذوا طبقاتٍ متعدّدة، فلكلّ مجموعةٍ من العوالم قضاءٌ وقدرٌ يخصّها بحسب التتبّع في مأثور الروايات، وتفصيلُ تقسيم هذه المجموعات العوالميّة مبحثٌ يُطلب في معارف الآيات والروايات.
وقد ورد في الروايات الشريفة أنّ أرفعَ الأسماء هو «الاسمُ المستأثَر»، وهو المستورُ في باطن الغيب الإلهيّ الذي استأثرَ الله به في علم غيبه ولم يُطلِع عليه أحداً من خلقه[8] ، وهو أعلى رتبةً حتّى من اسم الجلالة، ويُمثّل حرفاً مهيمناً على جميع حروف الاسم الأعظم، فيكون فوقَ اسم الجلالة بالإشارة إلى مقامه المستور المستخفي، ومن هذا الاسم المستأثَر يكونُ البداءُ الأكبر. وفوقَ ذلك الاسم المستأثَر الذاتُ الإلهيّة المقدّسة التي لا يُحيط بها شيءٌ، لا الاسمُ المستأثَر ولا سواه، وإنّما هو اسمٌ وتجلٍّ لتلك الذات الأزليّة.
والحاصل: أنّ طبقاتِ العوالم بالغةُ التعقيد والغموض، وكلُّ عالمٍ منها يهيمنُ على ما دونه من العوالم، غيرَ أنّ البداءَ — مهما اتّسعت دائرته — ممتنعُ الوقوع في قسمٍ من أقسام علم الله وإخباره على الصعيد النازل؛ لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[9] ، فإذا وعدَ الله بشيءٍ امتنعَ الخُلفُ في وعده، فيقعُ البداءُ في الوعيد دون الوعد[10] . ومقتضى ذلك أنّ فرزَ وتمييزَ الموارد التي يقعُ فيها البداءُ عمّا لا يقعُ فيه مبحثٌ دقيقٌ في غاية الصعوبة؛ والمتحصّلُ إجمالاً أنّ قسماً من العلوم والمعارف المتعلّقة بما كان وما يكون ممّا أطلعَ الله تعالى عليه سيّدَ الأنبياء وأهلَ بيته الأوصياء (عليهم السلام) يقعُ فيه البداءُ طبقاً لهذه التقسيمات والضوابط.
وعند الشروع في استقراء الروايات الواردة في هذا الباب — سواءٌ ما أورده السيّد الخوئيّ منها وما لم يورده — ينبغي تحريرُ هذه النتيجة الكليّة مسبقاً، وهي:
بيان الإشكال وتوجيهه: كيف يُطلَق على طبقاتٍ من المخلوقات العالية أنّها «علم الله»؟
والجواب عنه: إنّ هذا الإطلاق ناظرٌ إلى العلم الفعليّ لا العلم الذاتيّ؛ إذ العلمُ الفعليّ صفةُ فعلٍ حادثة ومحدودة يصحّ عليها التغيّر، وليست صفةً ذاتيّةً ولا هي عينُ الذات الإلهيّة، وحينما تكون من سنخ الصفات الفعليّة يتأتّى فيها التغيير والبداء. وأمّا وجهُ تسمية هذه المخلوقات علماً؛ فلأنّ كلّاً منها في حقيقته موجودٌ وجوهرٌ ملكوتيّ يُمثّل مخزناً للحقائق والمعلومات، وإرادتُه مجلى إرادة الله تعالى، ومشيئتُه مجلى مشيئته؛ بل يصحّ القول: إنّ كلّ جوهرٍ ملكوتيّ كلّما تصاعدت رتبتُه كانت مشيئتُه متطابقةً مع المشيئة الإلهيّة، وإن لم تكن هي المشيئة الفوقيّة النهائيّة والمهيمنة. ويتسلسل هذا المفهوم في سائر المراتب والطبقات؛ كالكتاب، والعرش، والكرسيّ، واللوح المحفوظ، وأمّ الكتاب، وعالم الأمر؛ فكلّها جواهرُ ملكوتيّةٌ، ومِن ثمّ صَحّ إطلاقُ «علم الله» على أفعاله بهذا اللحاظ التكوينيّ.
وقد كانت الجنّ والشياطين تسترق السمع من تلك المراتب لِما فيها من اللطافة والشفافيّة، فيحصل لهم الاطّلاع على ما فيها قبل أن يُحجَبوا عن ذلك، أو كانت تتناقله الملائكة؛ فإطلاق العلم على أفعاله تعالى يعني العلمَ في مرتبة الصفة الفعليّة لا الصفة الذاتيّة.
والقاعدة هنا: أنّ العلم الفعليّ لمّا كان من سنخ أفعاله تعالى فهو قابلٌ للتغيير والتبديل ويقع فيه البداء؛ لكونه فعلاً وليس عين الذات. ومن هنا وقع الخلط لدى المذاهب الأخرى؛ إذ توهّموا أنّ القول بالبداء في علم الله مستلزمٌ للبداء في الصفة الذاتيّة الأزليّة، وليس الأمر كذلك البتّة، بل المراد به تعلّقه بالقضاء والقدر المسمّيَيْن بعلم الله؛ لكونهما معاً من عوالم الفعل وخلقه. وحيث إنّ الفعل يأخذ أحكام الأفعال، فهو محدودٌ ويقبل التبدّل، ولا يلزم من ذلك نسبة الجهل إلى الله سبحانه.
وقد تظافرت النصوص في نفي الجهل عنه تعالى؛ ومن ذلك ما ورد عنهم (عليهم السلام): «فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إِلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنِ التَّوْحِيدِ»[11] .
ومن الشواهد الروائيّة: ما نقله السيّد الخوئيّ[12] في المقام؛ من أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) قال لسليمان المروزيّ[13] : «رَوَيْتُ عَنْ أَبِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمَيْنِ — وهذا التقسيم ليس للحصر الحقيقيّ، بل لبيان بعض طبقات العلم الإلهيّ في صعيد الصفات الفعليّة لا الذاتيّة —: عِلْمًا مَخْزُونًا مَكْنُونًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ، وَعِلْمًا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ، فَالْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ يَعْلَمُونَهُ»[14] [15] .
وما رُوي في بصائر الدرجات[16] بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
ملاحظة منهجيّة: نلحظ هنا أنّ السيّد الخوئيّ لم يُعنَ بتوصيف الرواية بكونها صحيحةً أو موثّقةً أو مرسلة، ولم يخض في نقد السند؛ لأنّ الحجيّة في المباحث الأصوليّة والعقائديّة لا تدور مدار الاصطلاحات السنديّة الفقهيّة، وإنّما المدار فيها على مطابقة المتن لمقتضى البرهان؛ ولذا ساق (قدّس سرّه) جملةً من الروايات في هذا الباب من غير إيراد أسانيدها رأساً.
إنَّ ارتكاز السيّد الخوئي[17] قائمٌ على أنَّ المدار في المباحث العقائديّة إنّما هو على المتن ومفاد البرهان، لا على السند؛ إذ يذهب المسلك الحشويّ[18] إلى القول باعتماد الظنّ المعتبر في تفاصيل وهوامش نائية من العقائد، وحتّى هذا المقدار لم يلتزم به إلّا نزرٌ قليلٌ من الأعلام في أضيق الدوائر، وأمّا في أصول العقائد وقواعدها الكلّيّة، فلم يسترب أحدٌ من علماء الإماميّة في عدم حجّيّة الظنّ وإن بلغ السند أعلى مراتب الصحّة والوثاقة؛ فحجّيّة الرواية في المعارف الاعتقاديّة ليست تابعةً لجلالة زرارة أو محمّد بن مسلم أو سلمان، بل المدار على البرهان المودَع في المتن، فإن اشتمل المتن على برهانٍ تامّ ثبتت الحجّيّة به، وإلّا فلا ينهض حجّةً في العقيدة مهما سما قدر رواته ورجاله كزرارة أو سلمان أو جابر بن يزيد الجعفيّ (رضوان الله تعالى عليهم)؛ إذ المعوَّل عليه هو البرهان، وذلك هو ناموس علم الكلام عند الإماميّة، فالذي يعتمد في الأبحاث العقائديّة على مجرّد صحّة السند ليس إلّا حشويّاً سطحيّاً، ثمّ يرمي غيره بالطعن مع كونه هو المتنكّب لمنهج كافّة علماء الطائفة.
الشواهد الروائية والجمع البرهاني في البداء والمحتوم
وتأسيساً على ذلك، نجد السيّد الخوئي لا يُعنى بإيراد السند هاهنا، وإنّما يتتبّع اشتمال المتن على البرهان؛ ومن شواهده ما رواه الصفّار في بصائر الدرجات عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْزُونٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ»[19] [20] . وما رواه الصدوق في كتاب التوحيد عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنّه كان يقول: «الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ، فَمَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَلَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا مَلَائِكَتَهُ وَلَا رُسُلَهُ، وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْزُونٌ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ»[21] .
ودفع التنافي: أنَّ هذا الاختلاف ليس تناقضاً بين الأخبار؛ فإنَّ العلم المخزون الذي استأثر الله تعالى به ولم يُطلع عليه أحداً هو الموطن الذي يقع فيه التغيير والبداء، أمّا ما أودعه ملائكته ورسله على وجه الحتم فلا بداء فيه لامتناع تكذيب الرسل وإخلاف الوعد، في حين يقع البداء فيما حُجب عنهم، وهذه الرواية الواردة في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق[22] تُجلّي كيفيّة تعقّل مراتب العلم الإلهيّ في صعيد الصفات الفعليّة، حيث افتُتحت بتقسيم العلم إلى قسمين: قسمٌ علّمه الله ملائكته ورسله فهو كائنٌ لا محالة صيانةً لصدق الإخبار، وقسمٌ مخزونٌ مستأثرٌ به، مع ورود رواياتٍ أُخَر تفيد أنّ ما بلّغه الله لملائكته ورسله ينقسم بدوره إلى محتومٍ لا يتغيّر، وموقوفٍ معلّقٍ على المشيئة الإلهيّة.
والنتيجة: هي أنّ الجمع بين هذه الروايات كافّةً جمعٌ عقلائيّ وبرهانيّ رصين، يرتفع به كلّ تهافتٍ بدويّ.
هنا أشار الإمام (عليه السلام) إلى القسم الأول بقوله: «فَإِنَّهُ يَكُونُ وَلَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا مَلَائِكَتَهُ وَلَا رُسُلَهُ، وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْزُونٌ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ، وَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ»[23] ، وهذا قسمٌ آخر من العلم المخزون الذي لا يُطلع الله عزَّ وجلَّ عليه خلقه، وهو علمٌ فيه تغييرٌ وبداء؛ منه البداء وفيه البداء.
والعلّة في ذلك: أنّ تعدّد هذه الأقسام ناشئٌ من تعدّد طبقات المخلوقات، واختلاف نِسَبِ إضافة كلّ عالمٍ إلى العالم الآخر وتصريف الأمور فيها.
وهناك روايةٌ أخرى ذكرها السيّد الخوئيّ أيضاً عن العيّاشيّ، عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة، و من الأمور أمور موقوفة عند الله، يقدم فيها ما يشاء و يمحو ما يشاء، و يثبت منها ما يشاء- لم يطلع على ذلك أحدا»[24] ؛ والمقصود هنا هي الأمور الموقوفة، وهي تماثل الرواية السابقة في العلم المخزون الذي لم يطّلع عليه أحد، في مقابل العلم الذي أطلع عليه ملائكته ورسله.
والحاصل: أنّ الجمع بين الروايات يقتضي هذين القسمين:
• قسمٌ لا يتغيّر؛ لأنّ الله لا يُخلف وعده.
• وقسمٌ يتغيّر؛ أُخبروا منذ البداية بأنّه موقوفٌ ومعلّق.
بعد ذلك يعطف السيّد الخوئيّ على روايات ليلة القدر، وسنتعرّض لها وللروايات الأخرى التي لم يتعرّض لها، وهي طائفةٌ مذكورة في كتاب غيبة النعمانيّ[25] تدلّ على أنّ المحتوم أيضاً يقع فيه التغيير، وهذه الروايات مطابقةٌ لقواعد عقليّة في نظام الوحي سنبيّن كيفيّتها، حتّى إنّ قضيّة خروج السفيانيّ[26] — مع كونها من المحتوم — يدخلها البداء، وتلك ملحمةٌ عجيبة في بيان الروايات.