« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/03/25

بسم الله الرحمن الرحيم

حقيقة البداء ومراتب العلم الإلهي والقضاء والقدر/البداء /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/البداء /حقيقة البداء ومراتب العلم الإلهي والقضاء والقدر

 

كان الكلام في «البداء»[1] بمناسبة بحث الأصوليين عن «النسخ»، حيث جرى الخوض فيه؛ إذ البداء ناظرٌ إلى الجانب التكويني، في حين يختصّ النسخ بالجانب التشريعي، وإن كان قد يُطلق النسخ على البداء التكويني توسّعاً، كما أنَّ للبداء التكويني صلةً وثيقةً بالتشريع أيضاً.

وعلى كلّ حال، يلاحظ أنّ مقتضى اتّصاف الله تعالى بالعلم يباين مقتضى اتّصافه تعالى بالقدرة والقوّة والمشيئة؛ إذ مقتضى المشيئة أن يفعل سبحانه ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، ومقتضى العلم الإلهي أنَّ المعلوم لا يتبدّل عما هو عليه في علمه، فيقتضي ذلك عدم البداء وعدم التغيّر. وقد تقدّم أنَّ تصوير المتغيّر الحادث في عالم الخلقة يعدّ من أعوص المسائل وأشدّها إشكالاً حتى لدى الفلاسفة والمتكلّمين.

والحاصل: أنَّ ثَمَّةَ اقتضاءً لصفة العلم واقتضاءً لصفة القوّة والقدرة لدى الله تعالى؛ وهذا ما ينبّه على ضرورة التوفيق بين الأدلّة المتعارضة في علم الكلام، على غرار ما قرّرناه في كيفيّة التوفيق بين الأدلّة الكلاميّة المتعارضة، وهو الأصل المعوَّل عليه عند مشهور العلماء الأعلام؛ سواءٌ في الفروع الفقهيّة أو في سائر العلوم الدينيّة، والقائم على عدم التفريط بالأدلّة بمجرّد التنافي البدوي[2] .

مراتب العلم الإلهي بين صفات الذات وصفات الفعل

وليس الغرض في هذا المقام بسط الكلام في هذه المسألة تفصيلاً لخروجها عن مباحث علم الأصول، ولكن يُشار إلى نتيجتها إجمالاً ويُوكَل التفصيل إلى مظانّه؛ وحاصل ذلك: أنّ العلم الإلهي ذو طبقات ومقامات وليس طبقةً واحدة، وكذلك القَدَر الإلهي؛ فثَمَّةَ علمٌ هو صفةٌ ذاتيّة لله عزّ وجلّ، وثَمَّةَ علمٌ يعدّ صفةً فعليّة له تعالى، كما ورد في التعبير القرآني في مواضع متعدّدة كقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾[3] . فالعلم الحادث المراد حصوله بالامتحانات إنّما هو من طبقات الفعل الإلهي، وحيث كان من طبقات الفعل فإنّه يكون محكوماً بحدود المخلوق لكونه مخلوقاً؛ فالصفات الفعليّة تظلّ في ذاتها مخلوقةً وليست عين الذات الإلهيّة، نعم هي تحكي صفاتٍ ذاتيّةً فوقها، والصفات الذاتيّة بدورها تحكي كمال الذات المتعالية.

والنتيجة: أنّ إطلاق العلم ينصرف إلى طبقات في فعل الله تعالى؛ فحينما يصرّح الوحي بحصول علمٍ لله تعالى، فإنّما يراد به العلم في مقام الفعل لا في مقام الذات. وقد وقع الخلط لدى اليهود بين صفات الفعل وصفات الذات؛ ولا توجد مدرسةٌ عنيت بالتدقيق في طبقات الصفات الإلهيّة من صفات الفعل وصفات الذات والذات المقدّسة كمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وهذا المعنى ليس ناشئاً عن عاطفةٍ أو تعصّب، بل هو حقيقةٌ ناصعة وبرهانٌ قائم؛ إذ ليس باب المعارف تعبّداً مبهماً أعمى، بل هو بياناتٌ عقليّة رصينة تنتظم في سياق برهاني يعقله ذوو البصائر، وهو عين ما تجري عليه بيانات القرآن الكريم في أصول المعارف.

حقيقة القضاء والقدر وكونهما وجودات جوهرية

إذا قيل: «قضاءُ الله وقدَرُه»، فإنَّ القضاء والقدر علمٌ، وحينما يُطلق العلمُ في مقام الطبقات المخلوقة والنّازلة، فلا ينبغي أن يُتوهَّمَ أنَّه وجودٌ عَرَضي، فإنَّ ذلك اشتباهٌ محض، بل المرادُ من علم الله تعالى في هذا الموطن وجودٌ جوهري.

فإن قيل: كيف يكون العلمُ وجوداً جوهرياً؟

والجواب: أنَّ هذا بحثٌ تحليليٌّ آخر؛ إذ هو وجودٌ جوهريٌّ على غرار كون العرش كائناً حيّاً ملكوتياً عظيماً، وكذلك الكرسي، واللوح، والقلم، كما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) تبياناً لمعالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حين سُئل عن اللوح والقلم فقال: «هُمَا مَلَكَانِ»[4] ، فقيل: أُحدِّثُ بهذا؟ قال: «لَا تُحَدِّثْ»؛ فمن ذا الذي يرتسم في ذهنه من علماء المسلمين — فضلاً عن المتكلمين — أنَّهما وجودان ملكوتيان حيَّان وجوهريان؟!

وهذا المطلب ممّا يدلّ دلالةً واضحةً على الإعجاز العظيم الكامن في بيانات أهل البيت (عليهم السلام)، وهو إعجازٌ تتحدّى به بياناتُهم سائرَ المِلَل والنِّحَل في الأوساط البشرية؛ فهذا التراثُ الروائيّ الشريف — الذي قد يستخفّ به الجاهل — يُعَدُّ صرحاً إعجازياً أمام كافة المدارس البشرية في شتّى العلوم، لمن أوتي القدرةَ والمكنةَ على استنباط سائر العلوم والمعارف من تراث أهل البيت (عليهم السلام) ومُحكَم القرآن الكريم.

والأزمة عند البشر: أنّهم لا يحيطون علماً بهذه الحقائق، ولا يعقدون مقارنةً بين ما أُودع في تراث أهل البيت (عليهم السلام) وبين نتاجات البشر وإنجازاتهم، فالقصورُ إذن ليس في الموروث والوحي، وإنّما هو في النّاظر إليه ومحدودية أُفقه.

وتأسيساً على ذلك، فحينما يُقال: «قضاءٌ وقدر»، فالمرادُ به علمُ الله التكويني، وهو وجودٌ جوهريٌّ وكائنٌ حيٌّ شاعر، كما أنَّ إرادةَ الله تعالى هاهنا تدلّ على وجودٍ روحيٍّ ملكوتيٍّ عظيم؛ فالقضاء والقدر، واللوح والقلم، والعرش والكرسي، كلُّها وجوداتٌ جوهرية، كما أنَّ القرآن الكريم روحٌ عظيم يُسمّى بالروح الأمرية، وقد ورد في الزيارة المأثورة: «إِرَادَةُ الرَّبِّ فِي مَقَادِيرِ أُمُورِهِ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُمْ»[5] . فهذه الإرادةُ ليست كيفاً نفسانياً عَرَضياً[6] على غرار ما نجده في صقع النفس الإنسانية، بل المشيئةُ والقضاءُ كذلك؛ إذ هي طبقاتٌ من مخلوقات الله تعالى، وإنّما عبّر الباري عزّ وجلّ عنها بتلك العناوين لأنَّ في حقيقة هذا الوجود علمَ ما سيكون وإرادته وجريان أمره.

وكذلك القرآنُ الكريم هو روحُ الأمر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾[7] ؛ فالموحَى ليس مجرّد وسيط، ولا هو ألفاظٌ وسورٌ مجرّدة، بل هو حقيقةٌ روحية، فالكتابُ هو روحُ الأمر، وهو خَلْقٌ أعظمُ من جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، خَلْقٌ حيٌّ وكائنٌ جوهريٌّ لا يلحقه الفناءُ عند النفخ في الصُّور، بل يبقى حيّاً لا يستوعبه الموتُ ولا صعقةُ النفخ، وذلك هو روحُ الأمر المُنتمي إلى عالم الأمر.

والحاصل: أنَّ هذه العوالم برمّتها وجوداتٌ جوهرية في متن الواقع؛

فإن قيل: كيف يتأتّى لما هو عالمٌ أن يكون وجوداً جوهرياً؟

قلنا: لأنَّ حقيقة وجوده هي عين كونه عالماً، كما أنَّ الأرضَ عالمٌ متكامل ولها روحٌ في منطق الوحي، بل روحُها مشتملةٌ على أرواح، ولكلّ بقعةٍ وقطعةٍ منها روحٌ تخصّها، غير أنَّ استغراق الإنسان في سجن المادية قد يحجبه عن الالتفات إلى هذه الحقائق، مع ثبوتها وتقريرها في بيانات الوحي القطعية.

طبقات العوالم الملكوتية ومراتب المشيئة

يتبيّن من ذلك أن هذه المراتب إنَّما هي طبقاتٌ من كائناتٍ مخلوقةٍ تمثّل فعل الله تعالى، وفعلُها هو فعلُ الله؛ ولذا يصحّ التعبير عنها بـ: يد الله، ووجه الله، وعين الله، ونظائرها من الإطلاقات؛ فإنَّها إطلاقاتٌ صحيحةٌ بمفاد الوحي، وينبغي الالتفات إلى هذه الحقائق؛ فقضى الله وقدّر، والتقديرُ رتبةً متقدّمٌ على القضاء، ثمَّ يعقبه القضاء، غير أنَّها عوالمُ وكائناتٌ مترابطةٌ تشكّل في مجموعها كائناً وجوهراً عظيماً.

والضابط في هذا الباب: أنَّ كلّ عالَمٍ هو جوهرٌ قائمٌ، خلافاً للتصوّر السائد بأنَّه جوهرٌ جامد؛ فالأرض جوهرٌ، غير أنَّها جوهرٌ حيٌّ ذو روح، وإن كنّا لا ندرك حقيقة روح الأرض بحسب مداركنا الحسّية، والسماءُ وجودٌ جوهريٌّ لا عرضيٌّ، فهي عالَمٌ وهو في عينه جوهر، وتطّرد هذه الحقيقة في سائر النشآت؛ إذ هي عوالمُ متحقّقةٌ وهي في الوقت نفسه جواهر، ولا تنافيَ بين الأمرين، وإن كان الذهن يستشكل الجمع بين كون الشيء عالَماً وبين كونه جوهراً حيّاً، والحال أنَّه لا تدافع بينهما؛ فالجنّةُ جوهرٌ وهي في الآن عينه عالَمٌ ينزله أهل الجنّة، ولا محذور في ذلك إطلاقاً.

وعلى هذا النحو يجري الأمر في العوالم الأخرى؛ إذ نجد فيها قضاءً وقدراً ومشيئةً على مراتب متعدّدة، وصولاً إلى عالَم المشيئة؛ فالمستفاد من بيانات أهل البيت (عليهم السلام) — سواء أشار إلى ذلك أحدٌ من الأعلام أم لم يشر — أنَّ عالَم المشيئة ليس مرتبةً واحدةً بسيطة، بل ثمّة طبقاتٌ متدرّجةٌ من المشيئة، وطبقاتٌ من علم الله، وطبقاتٌ من القضاء، وطبقاتٌ من القدر؛ فكلّ صقعٍ من العوالم المتجانسة يشتمل على طبقةٍ من العلم والمشيئة والقضاء والقدر والإرادة، وإذا ارتفع اللحاظ إلى صقعٍ آخر من العوالم الملكوتية العالية جرى فيه هذا الترتيب عينه؛ غير أنَّ هذه العوالم برمّتها واقعةٌ في مرتبة الإمكان دون عالَم الأسماء الإلهية المحضة بلا ريب.

تقسيم القضاء عند السيد الخوئي ودفع شبهة الجبر

محلّ البحث: يتجلّى فيما ذهب إليه السيّد الخوئي، تبعاً أو وفاقاً لأستاذه الشيخ محمّد جواد البلاغي[8] [9] ، من تقسيم القضاء إلى ثلاثة أقسام؛ تأسيساً على أنَّ القضاء ليس هو العلم الذاتي القائم بالذات الإلهية، بل هو من العوالم النازلة، والقدرُ متقدّمٌ رتبةً على القضاء، والقضاءُ ذو مراتب مشكّكة.

وخلاصة كلام السيّد الخوئي: التي سنوردها قبل إيراد الملاحظات عليها في ضوء النصوص المأثورة — مع اعتراف العلّامة المجلسي بخلاف هذا المسلك[10] — هي الالتزام بأنَّ ثمّة قضاءً يمثّل علم الله المخزون الذي لم يُطلع عليه أحداً من خلقه، وهذا القسم من القضاء لا يدخله البداء[11] ؛ لأنَّ هذا القسم الأوّل المقتبس من الروايات هو العلم المكنون المستأثر به تعالى، فلا بداء فيه ولا يعتريه التبديل بحسب مبنى السيّد الخوئي في الرواية المبحوثة.

والحاصل: أنَّ عدم التغيّر في هذا العلم لا ينفي قدرة الله تعالى على التغيير في العوالم المخلوقة؛ خلافاً لما توهّمه اليهود وبعض الفلاسفة من أنَّ ثبات العلم وعدم تبدّله يستلزم الجبر وامتناع التغيير، مدّعين أنَّه لو كان العلم غير قابلٍ للتبديل لألجأ ذلك الفاعل إلى العمل على وفقه من غير قدرةٍ على تغييره، استناداً إلى شبهة أنَّ علم الله لا يتغيّر حذراً من انقلابه إلى جهل.

فإن قيل: إنَّ علم الله (عزّ وجلّ) لا يتبدّل إلى جهل، وهو علمٌ سابقٌ على كلّ شيء، ومقارنٌ لكلّ شيء، وباقٍ بعد كلّ شيء، فأين القدرة على التغيير حينئذٍ؟ وإذا انتفت القدرة على التغيير، لزم من ذلك انتفاءُ أصل القدرة، فيكون الله (عزّ وجلّ) -والعياذ بالله- مجبوراً على أن يعمل وِفْق علمه من غير تبديل.

واللافت هنا: ما ذهبت إليه اليهود حيث التزموا بالجبر في أفعال الله تعالى دون أفعال البشر؛ إذ قرّروا أنّ علم الله بأفعال البشر لا يتغيّر، وهذا العلم هو بعينه القسم الأوّل من أقسام القضاء الذي سيأتي بيانه في كلام السيّد الخوئي[12] ، وتعلّق هذا العلم الأزليّ بأفعال العباد غير قابلٍ للتغيّر أيضاً، فكيف لا يوجب ذلك القولَ بالجبر في معترك شبهة الجبر في مقابل الاختيار والتفويض؟

وعلاج شبهة الجبر: إنّ أمثل علاجٍ لدفع هذه الشبهة على الإطلاق يتقوّم بكلمتين اثنتين، شريطةَ أن يستمسك الإنسان بهما استمساكاً وثيقاً، عملاً بهدي قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[13] ؛ إذ لا يُغلب مَن أخذ بهما أبداً. وهاتان الكلمتان مستفادتان من جوامع بيانات أهل البيت (عليهم السلام)، وهو بيانٌ برهانيّ عقليّ حرّره فلاسفة الشيعة الإمامية. وحاصل نفي الجبر يبتني على بيان مبدئيّة القدرة ومنشئها؛ فالعلم والقدرة متحقّقان لدى الإنسان وجداناً، والإنسان وإن لم يكن مختاراً في أصل إيجاد قواه ومبادئ فعله، غير أنّ الفعل حين صدوره يتّكئ مباشرةً على سببين ملاصقين له هما: العلم والقدرة، وبهذا البيان تنحلّ شبهات الجبر برُمّتها.

والجواب التحقيقي هنا: إنّ علم الله بأفعاله أو بأفعال مخلوقاته إنّما هو علمه الأزليّ بصدور الفعل عن علمٍ وقدرةٍ ومشيئة، فأين موضع الجبر في حقّ الله (عزّ وجلّ)؟

تنبيه: من لطيف ما أفاده السيّد الخوئي في هذا المقام، اعتماده لضابطة الاختيار كما قرّرها الفلاسفة لا كما صاغها المتكلّمون[14] ؛ حيث صاغها المتكلّمون بقولهم: «إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل» -وفي بعض عباراتهم: «إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل»-، والتحقيق مطابقة ما ذهب إليه الفلاسفة في هذا المبحث؛ وليس ذلك لاعتبار كلامهم وحياً منزّلاً، بل لموافقته البرهان؛ إذ ليس قوام الاختيار تعليق الفعل والترك معاً على المشيئة كما زعم المتكلّمون، فإنّ ذلك فاسدٌ؛ نظراً إلى أنّ المشيئة لا تتعلّق بالعدم، بل ضابطة الاختيار وقوامه إنّما هما صدور الفعل عن علمٍ وقدرةٍ فحسب.

والحاصل: متى ما كان علم الله الأزليّ الذي لا يتغيّر متعلّقاً بالفعل الصادر منه (سبحانه وتعالى) عن مشيئةٍ وقدرةٍ وعلم، فأين الجبر في ساحة أفعاله المتعالية؟ فلا مساغ لفرض الجبر أصلاً. والمساق عينه جارٍ في أفعال العباد؛ إذ إنّ علم الله بالفعل الصادر عن قدرةٍ ومشيئةٍ وعلمٍ لا يتغيّر، ولا ينتهي ذلك إلى إثبات الجبر بوجهٍ، بل الأمر على العكس تماماً؛ إذ لو وقع الفعل اضطراراً وجبراً لكان ذلك نقضاً وخلافاً لعلم الله الأزليّ؛ لأنّه (تعالى) يعلم بصدور أفعال العباد عن اختيارٍ وإرادة، فلو صدرت بغير اختيارٍ لتبدّل العلم إلى جهلٍ، كما أنّه لو صدرت أفعاله (سبحانه) عن غير قدرةٍ وعلمٍ ومشيئةٍ لكان ذلك خلاف علمه، وهذه هي الضابطة الحاصرة للمسألة.

والنتيجة: إنّ علم الله تعالى لا يلجئ ذاته المقدّسة في أفعاله، كما لا يلجئ عباده في صدور أفعالهم؛ لكون هذه الأفعال تصدر معلَّلةً بالعلم والقوّة والإرادة والمشيئة، فثبت بذلك أنّ علم الله في هذا القسم الأوّل الذي لا يقبل التغيير لا يوجب الجبر في أفعاله (تعالى) ولا في أفعال العباد، وهذا القسم الأوّل هو العلم المخزون الذي استأثر الله به ولم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه.

نقد حصر العلم المكنون في «أم الكتاب» وتعدد عوالم الخلق

الملاحظة على كلام السيّد الخوئي: أمّا ما ذهب إليه السيّد الخوئي (قدّس سرّه) من جعل هذا القسم من العلم — وهو العلم الذي لا يتغيّر — عينَ «أمّ الكتاب»[15] ، فهو غيرُ تامّ بحسب مقتضى بيانات الوحي؛ فإنّ المسألة تبتني على تتبّعٍ واسعٍ في المعارف، إذ إنّ «أمّ الكتاب» اصطلاحٌ يُطلق في لسان الآيات والروايات على عوالم متعدّدة ونشآت شتّى لا على نشأةٍ واحدة، وكذلك الشأنُ في «اللوح المحفوظ». وتدلّ بياناتُ أهل البيت (عليهم السلام) على أنّ أمّ الكتاب نفسَها يقع فيها البداء، كما ورد في الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيّاً مَحْرُوماً… فَامْحُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ شَقَائِي وَحِرْمَانِي»[16] ، والوجهُ في ذلك أنّ أمّ الكتاب ذاتُ طبقاتٍ ومراتب وليست طبقةً واحدة؛ ومقتضى ذلك أنّ هذا العلم الذي قرّره السيّد الخوئي وغيرُه من الأعلام ليس هو علمَ الله الذاتيّ الذي لا يتبدّل ولا يتغيّر، بل ثمّة عوالمُ متدرّجةٌ صعوداً إلى أن تنتهي إلى عالم الأسماء الإلهيّة.

فائدةٌ منهجيّة: وممّا يُستفاد بحسب الممارسة والتحقيق في هذا المضمار — بعد الإحاطة بمباحث الفلسفة والعرفان ومدارس الحديث ومختلف المشارب — أنّ من أجلّ مباحث المعارف الوحيانيّة وأعظمها شأناً هو حصرُ عوالم الخلق؛ فلو أُعطيَ الإنسانُ عمرَ نوحٍ (عليه السلام) أو امتدّ به البقاءُ في البرزخ إلى قيام القيامة ثمّ في الجنان ليحصي عوالمَ الخلق لما أطاق إحصاءها، فكما ﴿لَا تُحْصُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾[17] ، فكذلك لا تُحصى عوالمُ خلقه سبحانه. غير أنّ استقصاء قائمة عوالم الخلق وتتبّعَها يُعدّ من أشرف أبواب المعرفة المؤسَّسة على بيانات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)؛ لكونها تنتظم بها المعلوماتُ المعرفيّةُ بنحوٍ فائق الدقّة، وتكشف عن حقائقَ تغيب عن أنظار الفلاسفة والمتكلّمين والمحدّثين والعرفاء. فبابُ عوالم الخلق — بدءاً من صقع الأسماء الإلهيّة فما دونها — بابٌ عظيمُ النفع، ينبغي لطالب الحقّ أن يديم السيرَ والتأمّلَ فيه مستهدياً بآيات الكتاب العزيز وروايات العترة الطاهرة.

والحاصل: أنّ عوالم العلم الإلهيّ لا تنحصر في أمّ الكتاب واللوح المحفوظ، بل تتجاوز ذلك صعوداً إلى أن تبلغ عالم الأسماء، وعالم الأسماء ليس هو أمّ الكتاب ولا اللوح المحفوظ؛ بل إنّ عالم الأسماء الإلهيّة نفسَه ذو مراتبَ وطبقات، ومن الاسم المستأثر[18] يكون البداءُ الأكبر. وكذلك المآلُ عند النظر في المراتب الوجوديّة لخاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّ دراسة الطبقات النازلة مبحثٌ، واستكشاف الطبقات الصاعدة مبحثٌ آخر، بل إنّ المقامات الوجوديّة للنبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) تبعاً له تتسامى صعوداً حتّى تتّصل بعالم الأسماء.

والنتيجة: أنّ ما أورده السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في تصوير هذا القسم الأوّل تردُ عليه هذه الملاحظةُ المعرفيّة، وسنستعرض الروايات الشريفة لاستيفاء سائر الأقسام؛ فإنّ هذا المطلب وإن كان بحثاً كلاميّاً ومعرفيّاً في أصله، إلا أنّ ثمرته ساريةٌ في عموم العلوم الدينيّة بأسرها.

 


[1] البداء في اصطلاح الإمامية هو الإبداء، أي إظهار الله تعالى ما خَفِيَ على العباد بعد أن كان مقدَّراً عنده تعالى، لا الظهور بعد الجهل تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. — المحقق.
[4] معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ج1، ص30. باب معنى اللوح والقلم، ح1.
[6] الكيف النفساني: قسمٌ من مقولة الكيف، وهو عَرَضٌ قارّ يختص بذوات الأنفس كالعلم والإرادة والشوق، لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته. — المحقق.
[10] بحار الأنوار - ط مؤسسةالوفاء، العلامة المجلسي، ج4، ص92. وما بعدها، كتاب التوحيد، باب البداء والنسخ. «يُراجع تفصيل البحث في مراتب القضاء وعلاقته بالعلم المخزون».
[11] البداء لغةً: الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد. وفي اصطلاح الإمامية: إظهار الله تعالى أمراً بعد أن كان مخفيّاً على العباد أو محو تقديرٍ معلّق وإثبات غيره رعايةً للمصالح، من غير استلزام جهلٍ أو تغيّرٍ في علمه الذاتي الأزلي. — المحقق.
[18] الاسم المستأثر: هو الحرف الثالث والسبعون من الاسم الأعظم، ويُقصد به في الاصطلاح المعرفي مقام الغيب الإلهي المصون الذي اختصّ الله تعالى بعلمه ولم يُطلع عليه أحداً من خلقه، وتصدر عنه المشيئة المطلقة. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo