« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/03/24

بسم الله الرحمن الرحيم

حقيقة البداء وصلته بمباحث الأصول ونفي الجبرية في عقيدة الظهور/البداء /العام و الخاص

 

موضوع: العام و الخاص/البداء /حقيقة البداء وصلته بمباحث الأصول ونفي الجبرية في عقيدة الظهور

 

البحثُ اللاحق في العام والخاص، وسائر البحوث نوردها بنحوٍ موجز كي نصل إلى خاتمة مباحث الألفاظ سريعاً إن شاء الله تعالى.

مدخلية بحث البداء في علم الأصول وصلته بالنسخ

مبحث البداء: مع كونه في أصله موضوعاً لعلم الكلام ومن مسائله الرئيسة[1] ، فما هو الوجه في تطرق الأصوليين إليه؟ والواقع أن هذا المبحث يُطرق في الفقه أيضاً ببعض الوجوه؛ كما في باب الدعاء، وباب الصدقة، ومسألة آثار الدعاء والصدقة وصلة الرحم، فيُلحظ أنه مبحثٌ عقائديٌّ ذو تداعياتٍ وطيدة جداً بالمباحث الأصولية والفقهية، وهو ما يكشف عن وشيجةٍ وثيقة بين علم الكلام وعلمي الأصول والفقه وعموم العلوم الدينية، ومقتضى ذلك أن من لم يتمرس في علم الكلام يصعب عليه لا محالة خوض غمار تلك المباحث بدقة.

والسر في بحث الأصوليين للبداء هنا، ومناط صلته بعلم الأصول وبحث العام والخاص، يرجع إلى مساسه بمسألة النسخ؛ وهل النسخ عين البداء أو مغايرٌ له؟ وهل البداء جارٍ في التشريع أم يختص بعالم التكوين؟ وذهب أكثر الأعلام إلى نفي الارتباط بينهما، غير أن التحقيق يقتضي وجود صلةٍ وثيقة بالنسخ؛ نظراً إلى أن تلك المباحث راجعةٌ إلى جهاتٍ تكوينية لا اعتبارية محضة، وهذه المباحث التكوينية تنطوي على سنخ تغير وتبدل على كل حال؛ ومن ثم كان للبداء مدخليةٌ في هذا البحث، إذ النسخ في واقعه تبدلٌ في المصلحة وتغيرٌ تكويني لا مجرد تبدلٍ اعتباري، فثمّة صلةٌ بين بحث البداء وبحث النسخ، أو بين بحث البداء ومبادئ الأحكام؛ أي المراحل الثبوتية للحكم في ترتبها وترابطها.

وهذا بعينه هو مبحث الثابت والمتغير في الشريعة والدين؛ والدين في أصوله لا يعتريه التغير، بل مرجع الثابت والمتغير إلى الملاكات والمصالح وما شاكلها، فالبداء هو ضربٌ من التغير التكويني الذي تسري تداعياته حتى إلى صقع التشريع والنسخ، وهو مبحثٌ غامضٌ ودقيقٌ للغاية، وسيأتي تنقيحه في مباحث الحجج عما قريب.

وقد قيل إن البداء ذو مراتب وأنواع متعددة لا نوع واحد، في حين يظهر من السيد الخوئي — وله مسلكٌ كلامي متين تبعاً لأستاذه الشيخ البلاغي[2] [3] — أن للبداء معنىً واحداً حقيقياً وهو الإبداء والإظهار.

الجمع بين العلم الإلهي والقدرة ونفي نسبة الجهل

وقد أثار الأصوليون نكتةً شريفة؛ حاصلها: أن مقتضى الإيمان بصفة العلم الإلهي وتثبيتها قد يُتوهَّم منه استلزامه لنفي البداء؛ إذ يُظن أن من لوازم إثبات اسم العالم أو صفة العلم لله تعالى ألا يُلتزم بالبداء، لِما توهمته المذاهب الإسلامية الأخرى من أن الشيعة الإمامية ينسبون الجهل إلى ساحة الباري جل وعلا، بمعنى أنه يظهر له ما لم يكن معلوماً لديه؛ بيد أن البداء عند الشيعة هو الإظهار وإبراز ما كان خفياً على العباد، وأي تفسيرٍ آخر للبداء مما يستلزم طروّ الجهل باطلٌ لا تقول به الشيعة قط.

والشاهد على ذلك: ما تواتر في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) من الرد الصريح على هذا المعنى الفاسد، كقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْدُو لَهُ فِي شَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ أَمْسِ فَابْرَؤُوا مِنْهُ»[4] [5] .

وقد طُرح القول بإمكان التغير في متعلق علم الله تعالى؛ ومسألة الثابت والمتغير — كما يقرر الفلاسفة — من أعوص بحوث الفلسفة والكلام وعلم المعارف الإلهية، فإن كيفية التوفيق بين الثابت والمتغير وربطهما على مستويات متعددة مبحثٌ عويصٌ جداً حتى في الدراسات الفلسفية والعلوم الإنسانية الحديثة.

وفي علم الإدارة ضمن العلوم الحديثة، يُعَدّ ربط الثابت بالمتغير أمراً بالغ الصعوبة؛ إذ إنّ النظم يمثّل الثبات، بينما يمثّل التغيّر الحيوية والتطوير، فكيف يُجمع بين المتغير والثابت؟ وهذه المسألة لا تزال مستعصية على الحل في علم الإدارة، كما أنّ قضية الثابت والمتغير مبحث شائك جداً، يُشبه ما يُعرف في الفلسفة بالتضاد الديالكتيكي[6] .

وعلى أيّ تقدير، فقد قيل: إنّ مقتضى إثبات صفة العلم لله تعالى ألا يُقال بالتغير، على نحو ما ذهبت إليه اليهود، غير أنّ مقتضى إثبات صفة القدرة لله تعالى — وهو القادر القوي الذي لا يعجزه شيء ويفعل ما يشاء — يقتضي التغير؛ والحقيقة تكمن في التوليف والجمع بين الصفات لا في إسقاط عوارضها. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾[7] ، فهنا يُبيّن الباري تعالى وجه هذا الاعتراض الصادر من إبراهيم (عليه السلام) الذي يُعدّ من قبيل ترك الأولى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾[8] ؛ وأمّا الداعي الذي دفع إبراهيم إلى ذلك فبيّنه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾[9] .

ضرورة التوليف بين الأدلة ونبذ التجزئة الفقهية

وقد ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الكمالات إذا لم يُنسَّق بينها بتوليفٍ فإنها تستدعي نقائص؛ فنفس الكمالات المجردة قد تفضي إلى النقائص إن أُفردت. وتأسيساً على ذلك، لا يصح أن نقتصر على التمسك بسكون أهل البيت (عليهم السلام) وقعودهم، ونترك كلماتهم الصريحة في فضل الجهاد؛ كقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ، وَدِيثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءِ»[10] ، ونتناسى الروايات الأُخرى؛ كقول أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ لَكُمْ وِقَاءً أَبَداً»[11] ، وقوله (عليه السلام): «لَوَدِدْتُ أَنَّ الْخَارِجِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ وَعَلَيَّ نَفَقَةُ عِيَالِهِ»[12] . بل الواجب هو الجمع بين كلمات الأئمة (عليهم السلام) والتوفيق بينها؛ إذ إنّ الأخذ بجانب وإهمال جانب آخر يوجب خللاً بيّناً في الفهم والاستنباط، فالجادة المستقيمة في التعامل مع الأدلة تقتضي دائماً التوليف بينها جميعاً.

وكذلك الأمر: يجري بعينه في باب الأسماء الإلهية؛ فإنّ صفة العلم بمفردها قد يلوح منها نفي البداء وعدم التغير، والتمسك بهذا الاسم على إطلاقه بمعزل عن بقية الأسماء يُخرج عن حقيقة التوحيد، كما أنّ التمسك بصفة القدرة والقوة وحدها بمعزل عن العلم قد يوهم تجويز ما ينافي العلم الأزلي؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾[13] ، ودخول لام الاستغراق يفيد لزوم الجمع بينها كافة. فلا يسوغ التمسك باسمٍ مع تعطيل اسمٍ آخر؛ كما فعل النصارى المنحرفون عن شريعة المسيح عيسى (عليه السلام) حين تمسكوا بكون الله رؤوفاً رحيماً غفوراً حليماً، وأغفلوا كونه شديد العقاب وسريع الحساب. وإذا كان مقتضى التوحيد في الأسماء الإلهية العظمى يوجب الجمع والتوليف بينها — وإلا خرج المرء عن الملة بمتابعة بعضٍ وترك بعضٍ آخر — فكيف يصح التفكيك في دائرة الأحكام والفروع الفقهية؟

والحاصل: أنه كيف يُصار إلى التمسك بطائفةٍ معينة من الروايات لتثبيط المؤمنين وتُترك بقية الروايات الحاثّة على الحركة والعمل؟ كروايات الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في وجوب القيام بالأمر والنهي: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[14] . وقد صرّح الشيخ الطوسي في كتاب الجهاد بأنّ أكثر ما أورده من روايات في فضل الجهاد مرويٌّ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) [15] ؛ فكيف يُنسب إليهما الجمود والقعود وهما اللذان يحثان الأمة على الجهاد وإقامة الدين؟

فقد نقل الكليني في رسالةٍ معتبرة عن الإمام الباقر (عليه السلام) يعاتب فيها بعضَ خلفاء بني أمية على تضييع الجهاد والتقصير فيه[16] ، وهي رسالةٌ وافية تضاهي في مضامينها عهدَ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر، إلّا أنها موجّهةٌ من الإمام الباقر (عليه السلام) إلى السلطة الأموية القائمة آنذاك.

وإنما يُطرح التساؤل هاهنا: لِمَ اهتمّ الإمام الباقر (عليه السلام) بمصير الأمة، ورتّب مسؤوليتها على كاهل المؤمنين؟

والجواب: أنه إذا تنكّب الآخرون عن نصرة دين محمد (صلّى الله عليه وآله) وتخلّوا عنه، فهل يسوغ لنا التخلّي عنه تَبَعاً لهم؟! فمقتضى الانتماء الحقيقي لدين النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تحمّلُ أعبائه؛ إذ ليس الأمر مجرّدَ حملٍ لهموم الأمة فحسب، بل هو تحمّلٌ لمسؤولية حفظ أصل الدين.

وشاهدُ ذلك: ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في جوابه ليونس بن عبد الرحمن، حين بيّن له حكم المرابطة؛ فإذا دهم العدوُّ ثغراً فلا يقاتل المرابطُ دفاعاً عن السلطة العباسية الجائرة، ولكن إذا خيف على بيضة الإسلام واندراسه وجب الدفاع؛ لأنّ في دُروس معالم الإسلام دروسَ ذكر النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) [17] .

ومن الشواهد أيضاً: دعاء أهل الثغور للإمام السجاد (عليه السلام) [18] ؛ أفَيُعقَل بعد ذلك كلّه أن يقال: إنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يتحمّلون عبء حفظ الإسلام؟! وما هذه إلا مغالطةٌ باطلة يُراد منها التنصّل، في حين أنّ المسؤولية الشرعية الواقعية تستقرّ على عاتق كلّ من يحمل همّ هذا الدين.

والغرضُ من هذا الاستطراد: بيانُ منهجية التعامل مع الأدلة؛ إذ كما يلزم في معرفة الأسماء والصفات الإلهية الجمعُ والتوليفُ بينها لتتحصّل معرفةٌ توحيدية مستقيمة، فكذلك في مبحث البداء[19] ومباحث الفروع الفقهية، حيث لا سبيل إلى الوقوف على مرام الشارع واستنباط الحكم الواقعي إلا بجمع أطراف الأدلة كلّها، إذ لا يجوز التبعيض والأخذ ببعضها دون بعض، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[20] ، بل الواجب على الفقيه والباحث الصادق استقراءُ مجموع الأدلة والتوفيق بينها.

وتأسيساً على ذلك، فإنّ روايات الظهور المتواترة تدلّ بمجموعها على أنّ أمر الظهور منوطٌ بمسؤولية الأمة والبشرية وعموم المسلمين والمؤمنين، ولولا هذه المسؤولية لما تحقّق الظهور أصلاً؛ فالروايات بيّنت بجلاء أنّ المؤمنين يقع على عاتقهم التمهيدُ العملي وإعدادُ الأرضية المناسبة أولاً، ثمّ يقع الفرج والظهور بعد ذلك. ومع أنّ الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يضطلع بمسؤوليته في عصر الغيبة بالخفاء كما يضطلع بها بعد قيامه وظهوره، وليس بنائٍ بكاهله عن مجريات الأحداث، بل هو في صلبها ومتحمّلٌ لأعبائها، إلا أنّ الأمة مكلّفةٌ بالحركة والفاعلية وفقاً للسنّة الإلهية الجارية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[21] .

والحاصل: أنّ هذا العبء هو عبء حفظ الإسلام؛ لأنّ في دُروس معالم الإسلام دروسَ ذكر محمد (صلّى الله عليه وآله)، وبحفظه يتقوّم دين خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)، فلا ينبغي الالتفاتُ إلى دعوات التثبيط والتخاذل، ولا الاكتراثُ بمن يتنصّل من النهوض بهذه المسؤولية الإلهية الكبرى.

رد الشبهة حول تغير العلم وثبات المعلوم

عودٌ إلى مبحث البداء؛ وهو مبحثٌ شريفٌ يُبيّن أنّه حتّى على صعيد الأسماء الإلهيّة، لو اقتصر الناظرُ على بعض الأسماء دون بعضٍ لوقع التدافعُ والتعارض. ولذا نجد الآياتِ القرآنيّةَ تقرنُ في مواضعَ شتّى بين اسمين أو ثلاثة أسماء، وسرُّ هذا التزاوج والتركيب الاسميّ هو الدلالةُ على أنّ النتيجةَ المرجوّةَ لا تتحصّل إلا بمجموع هذه الأسماء مجتمعةً، ولا تستقلّ بواحدٍ منها بانفراده. وهذه نكتةٌ صناعيّةٌ دقيقةٌ تسري إلى مباحث الفقه وما شاكلها، بل تمتدّ إلى مقام الحاكم السياسيّ والفقيه والمفتي والمرجع؛ إذ يتعيّن عليه لحاظُ المقتضيات المختلفة كافّةً، وعدمُ الاقتصار على جانبٍ دون جانب.

والشبهة في المقام: أنّنا إذا نفينا توهّمَ تغيّر علم الله (عزّ وجلّ) من العلم إلى الجهل، وبنينا على أنّ علمه تعالى منزّهٌ عن التغيّر والتبدّل، لزم من ذلك ثباتُ المعلوم؛ فكيف يتسنّى تصويرُ التغيّر في البداء مع القول بأزليّة علمه تعالى وثباته؟

وتقرير الإشكال: أنّ علم الله ليس بجهل، فإن كان كذلك ووقع التغيّر في الخارج، لزم منه التغيّرُ في العلم، وحينئذٍ يؤول العلمُ -والعياذ بالله- جهلاً.

والعجيبُ في هذه الشبهة أنّها تقتضي نفيَ التغيير حتّى في أفعال العباد وسلبَ اختيارهم، مع أنّ اليهود يلتزمون بالاختيار في أفعال البشر وينفونه في أفعال الله سبحانه؛ مصداقاً لقوله تعالى﴿:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[22] [23] ؛ إذ زعموا غلّ يد القدرة الإلهيّة، فجاء الردّ الإلهيّ بالتثنية تأكيداً لسعة القدرة ونفاذ المشيئة: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. فإن كانت الشبهةُ المذكورةُ تستلزم الجبرَ في أفعال الله، فهي بعينها تقتضي الجبرَ في أفعال العباد، فما الوجه في تفريق اليهود بين الأمرين حين أثبتوا للبشر اختياراً وزعموا جفافَ القلم في ساحة الباري سبحانه؟ وهذا السؤالُ من أدقّ المباحث الكلاميّة والفلسفيّة في تصوير الجمع بين ثبات العلم الإلهيّ ووقوع التغيّر، حتّى تحيّر فيه الفلاسفة، وتفرّدت مدرسةُ أهل البيت (عليهم السلام) بحلّه وبيان أسراره.

ومن جانبٍ آخر: فإنّ مقتضى كمال القدرة الإلهيّة وسعة القوّة أنّه تعالى فاعلٌ لما يشاء، لا يقسرُه قاهرٌ ولا يفعلُ ما يشاء غيرُه، وهو مسبّب الأسباب، كما جاء في الصحيفة السجّاديّة: «يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ، وَيَا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ، […] ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعَابُ، وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الْأَسْبَابُ»[24] [25] ؛ فكيف يُصوَّر التلاؤم بين كونه تعالى فاعلاً مختاراً قادراً على التغيير، وبين ثبات القضاء الإلهيّ؟

والحاصل: أنّ الاعتقاد بأنّ الله يفعل ما يشاء وقادرٌ على إحداث التغيير يبسط روحَ الأمل في قلب العبد تجاه ربّه في الدعاء والصدقة وسائر الأعمال؛ إذ لو قيل بجفاف القلم وامتناع التبديل لحُسم مصيرُ المكلّف وسقطت جدوى الرجاء والعمل. وتلك هي جدليّةُ المسؤوليّة والاختيار في حركة إرادة التغيير.

أثر عقيدة البداء في نفي التوقيت والتحفيز على التمهيد للظهور

ويتفرّع على ذلك: أنّ هذا الأصل العقائديّ كان العمدةَ في تخطئة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) للقراءة التوقيتيّة لعلامات الظهور الشريف[26] ؛ فإنّ القراءة التوقيتيّة قراءةٌ جبريّةٌ تنأى بالإنسان عن تحمّل المسؤوليّة وتجعله متفرّجاً خاذلاً مسلوبَ الإرادة، في حين أنّ القراءة التحقيقيّة ترى علامات الظهور محطّاتٍ تحفيزيّةً للمساهمة وصناعة التغيير؛ شأنها شأن المريض الذي يُوقَف على مواطن القوّة والضعف في بدنه ليتدارك الضعفَ ويعزّز القوّة، أو كالمجتمع المبتلى بظلم الجائرين لكونه مرضاً اجتماعيّاً يتطلّب شحذَ الهمم واستنهاضَ الطاقات لتجاوزه وتغيير واقعه.

يوجد فارقٌ كبير في القراءة الفقهية والعقائدية لعلامات الظهور، بين أن تُقرأ على أنها توقيتٌ وحتمٌ لا مفرّ منه — وهي قراءةٌ باطلةٌ ومردودةٌ عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) — وبين أن تُقرأ على أنها تحفيزٌ على تحمّل المسؤولية والعمل التغييري؛ فكون الفرات الأوسط تصيبه رخاوةٌ في القوى والجاهزية بخلاف أهل الجنوب كما يُستفاد من بعض روايات الملاحم، لا يعني بحالٍ أن هذا قدرٌ حتميٌّ ناجز، بل التوجيه والإنذار الوارد فيهما غايته ألا يقع أهل الفرات الأوسط في تلك الرخاوة في الشؤون العسكرية والسياسية، إذ علامات الظهور ليست علامات توقيتٍ جبرية تقطع فاعلية المكلف.

والقاعدة هنا: أن هذا المبحث ينعكس على أبواب الدين وقواعد الاستنباط برمتها، في مسألة: هل نقرأ علم الله تعالى وهيمنته بنحوٍ ينفي التغير والبداء[27] أم نقرؤه بنحوٍ آخر يثبت قدرته المطلقة وفاعلية مشيئته؟

تحقيق وقوع البداء في المحتوم وسعة المشيئة الإلهية

وقد ذهب السيد الخوئي (رحمه الله): إلى أن القضاء المحتوم لا بداء فيه[28] ، في حين توجد رواياتٌ صريحةٌ تفيد بأن المحتوم يقع فيه البداء أيضاً[29] ؛ وذلك بخلاف ما قرّره المحقق البلاغي[30] وتَبِعه السيد الخوئي من أن أمّ الكتاب والعلم المحفوظ لا تغير فيهما ولا بداء بوجهٍ من الوجوه، وهذا التقييد ليس بتام؛ فإن مشيئة الله وقدرته تتصاعد حتى تصل إلى الأسماء الإلهية ومقام المشيئة المطلقة، والوصول إلى هذا التحقيق يتطلب استيعاب الروايات الواردة في الباب والجمع الدلالي بينها.

والحاصل: أن هناك حركةً تكاملية واضحة بين الاختيار وتحمّل المسؤولية من جهة، وبين رفض القراءة الجبرية من جهةٍ أخرى؛ فالقراءة الجبرية ذات آثار خطيرة في الميادين كافة، إذ تسري خطورتها في الفقه، كما تسري في فقه علامات الظهور وفهم السنن التاريخية، كأن يُتصور أن الظهور أمرٌ جبريٌّ محض يتحقق بمجرد ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[31] من غير أن تكون للمكلفين مسؤوليةٌ ولا إعدادٌ ولا دورٌ تمهيدي، وهذه قراءةٌ ساقطةٌ تعطّل التكليف، ومما يوضح بجلاء أن بحث البداء بحثٌ شريانيٌّ ومحوريٌّ في الفقه والأصول والعقائد معاً.

 


[1] البداء لغةً: الظهور، وفي اصطلاح المتكلمين: إظهار الله تعالى أمراً في التكوين لم يكن ظاهراً للناس مع علمه به أزلاً، وهو المتعلق بلوح المحو والإثبات لا اللوح المحفوظ. — المحقق.
[6] التضاد الديالكتيكي (Dialectical Contradiction): اصطلاح فلسفي يُقصد به صراع الأضداد وتناقضاتها الداخلية بوصفها القوة المحركة للتطور والتحول في الفلسفة الجدلية. — المحقق.
[10] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص4. كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح6.
[11] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج2، ص225. كتاب الإيمان والكفر، باب الكتمان، ح13.
[14] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص56. كتاب الأمر بالمعروف، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ح3.
[16] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص3. كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح4.
[17] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص21. كتاب الجهاد، باب الغزو مع الناس إذا خيف على الإسلام، ح2.
[19] البداء لغةً: الظهور بعد الخفاء. وفي اصطلاح الإمامية: إظهار الله تعالى أمراً كان خافياً على العباد لمصلحةٍ، لا علمه تعالى به بعد جهلٍ — تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. — المحقق.
[23] معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ج1، ص18. روى الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان هذه الآية: «لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص، فقال الله عزّ وجلّ تكذيباً لقولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.»
[25] علي بن الحسين (عليهما السلام). الصحيفة السجادية.. ص52، الدعاء (7)
[27] البداء في اصطلاح المتكلمين: إظهار الله تعالى ما خفي على الخلق خلاف ما كانوا يرجونه أو يتوقعونه بحسب التقدير الظاهر، مع سبق علمه تعالى به أزلاً؛ فهو إظهارٌ بعد إخفاء لا ظهورٌ بعد جهل، ونسبته إلى التكوين كنسبة النسخ إلى التشريع. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo