« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/23

بسم الله الرحمن الرحيم



الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص/التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص/وجوب الفحص بين الاجتهاد والتقليد والاحتياط

 

كان الكلام في وجوب الفحص قبل العمل؛ وهل هو قبل العمل بدليلٍ تم الوقوف عليه؟ أم أن وجوب الفحص ثابت حتى قبل الوقوف على أي دليل؟ والحق أن وجوب الفحص لا بد منه سواء وقف الباحث على دليل أو لم يقف، أو وقف على دليلين أو ثلاثة أدلة أو أربعة. وهذا يعني أنه حتى في المسألة الواحدة، وإن لم يكن لدى الباحث علم إجمالي فيها، مع ذلك يلزم بالفحص؛ فالاحتمال في المسألة الواحدة منجز، فضلاً عن الظن أو الرواية الضعيفة؛ فهو منجز له بألا يعرض عن هذه الرواية، بل لا بد أن يفحص، فلربما يجد ما يجبر ضعف الرواية أو ما شابه ذلك. وهذا البحث في وجوب الفحص هو بحثٌ سارٍ في كل مسألةٍ مسألة من علم الفقه في الفروع، أو علم التاريخ الديني، أو علم الرجال، أو علم الكلام، أو علم التفسير، أو علم الأخلاق الدينية، وما جرى مجراها؛ إذ أن كل العلوم الدينية طبيعتها هكذا. ففي كل مسألةٍ مسألة، لن ننظر في وجوب الفحص إلى المسائل كمجموعة متكومة، بل كل مسألة تلحظ بذاتها.

إن الفحص ليس عن أي ظنٍ أو أي احتمال؛ بل متعلق الفحص هو «الظنون النقلية»، أي المرتبطة بشؤون النقل. فإذاً، الظنون التي يقف عليها الإنسان قبل الفحص، إذا كانت ظنوناً نقلية، فكلها منجزة. ومعنى كونها منجزة أنه لا بد للمكلف إما أن يحتاط ويأخذ بها احتياطاً، أو يراعيها في العمل، ويفحص. وعليه، فإن الحالة قبل الفحص - حسب المتفق عليه بين كل الأصوليين، وبين كل علماء الإمامية، بل حتى بين الفريقين من المذاهب الإسلامية - تقتضي أن الظنون النقلية التي لا يمين ولا يسار فيها، أي الظنون المرتبطة بتراث الحديث، أو الشهرة الفتوائية المرتبطة بتراث الحديث، أو الظهور في الآيات، وكل ما يرتبط بالنقل، هذه الاحتمالات وهذه الظنون قبل الفحص منجزة. ومنجزيتها تعني: إما أن تحتاط أو تذهب وتفحص كي يتبين لك الحال، هل يوجد ظن أقوى أو تفصيل آخر. وهذه نكتة مهمة، فقبل الفحص ليس الأصل الأولي هو عدم الحجية،؛ بل الأصل الأولي بالعكس هو التنجيز، فالظنون منجزة، والاحتمالات أيضاً منجزة قبل الفحص في كل العلوم الدينية.

وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذا اللزوم لوجوب الفحص - الذي يعبر عنه المحقق النائيني والسيد الخوئي وأكابر آخرون - الدليل عليه هو نفس الأدلة الدالة على أصل الدين. فنفس الأدلة على أصل الدين، وما هو الملزم للإنسان بالدين والتدين أو الفحص عن الدين، وأصل النبوة وأصل التوحيد؛ تلك الأدلة هي بنفسها دالة على وجوب الفحص في الفروع. إذاً، من يتحرج في الدين، بمعنى أنه يخاف المعاد، هو ملزم بكل ظنٍ وكل احتمالٍ من الظنون النقلية، وملزم بمراعاتها إجمالاً قبل الفحص. فإذا فحص، حينئذٍ كيف يؤمن العذر عن هذه الظنون أو الاحتمالات كي يرفع اليد عن رعايتها؟ فماذا أصبح الأصل الأولي في كل العلوم الدينية؟ الأصل الأولي هو الأخذ بالظنون قبل الفحص، ولزوم رعايتها. وطبعاً المقصود هو الظنون المرتبطة بالنقل، وليست ظنون العلوم الغريبة والخارجة عن الشريعة سواء كانت محللة أو محرمة، أو الكشف والمكاشفات؛ فهذه كلها خارجة عن كلامنا. نعم الكشف بمعنى الوجدان والفطرة فحجيتها إجمالية مسلمة، لكن المقصود هذه التفاصيل فلا.

فإذاً، الأصل الأولي في الظنون والاحتمالات هو التنجيز لا العدم، حتى تؤمن معذراً عن الظن. وفي علم الرجال الأمر كذلك، لا بد أن تراعي، وأما كيف تراعي فهذا بحث آخر. وهذه نكتة جداً مهمة، والأدلة التي ستصاغ كلها تصب في هذا الصدد. ومن ثم مثلاً، جملة من الأعلام الذين استدلوا - كما سنقرأ - بالعلم الإجمالي، قالوا إن العلوم الإجمالية قد يقال بتنجيزها في غالب المسائل لا في كل المسائل؛ وهذا أحد الإشكالات الرئيسية التي ستأتي على الاستدلال على هذه القاعدة. إذاً هذه قاعدة في الحجج مفادها: الأصل في الظنون النقلية - بعدما ثبت لك الدين والديانة - هو نفس الأدلة؛ الأصل في الحجج أن كل احتمال وكل ظن منجز لا العدم. فعلى المكلف أن يبرئ ذمته، ويعذر ذمته عن ذلك، ولا يصح أن يقول: "هذا المقتل آخذه أو لا آخذه"، بل كل ما يتصل بالعلوم الدينية منجز عليه، ولو يراعيه من باب الاحتياط.

وفي هذا السياق، فإن القدماء عندهم مسلك لم يبلوره متأخرو الأعصار، وأنا شخصياً لم أشاهد بلورة كاملة عند المتأخرين عن هذا المسلك قط. وهو مسلك لطيف؛ فكما يمكن الاحتياط في فقه الفروع (بأن يجمع المكلف بين القصر والتمام مثلاً، أو أنماط أخرى من الاحتياط الفقهي)، هناك احتياط في علم الأصول يرتكبه الفقيه والمجتهد في عمله العلمي، وليس في عمله العملي كفرد مكلف. يرتكبه كفقيه يخاطب بتكاليف العلم والاستنباط؛ فنفس عملية الاستنباط وظيفة ملقاة على عاتق الفقيه والمجتهد. هذه الوظيفة - كوظيفة الفقه في الصلاة اليومية أو الزكاة - يمكن أن يمارسها الفقيه بالاحتياط بدل أن يمارسها بالظنون المعتبرة فقط. وصحيح أن تصوره صعب، والمتأخرون لم ينوهوا به، لكن القدماء كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى وابن حمزة، عندهم هذا المسلك رائج. وهذا بحث صعب وجديد ويحتاج إلى كتابة أطروحة مستقلة، وهي من الديون على هذا الجيل أن ينهض بها كإحدى الأطروحات المهمة للتجديد في علم الأصول، تحت عنوان: "ما هي حقيقة الاحتياط في عملية الاستنباط؟". ولا ينسبق إلى الذهن الاحتياط الفقهي، فهذا خطأ؛ إذ ليس كلامنا كيف يستنبط حكماً يوافق الاحتياط الفقهي، بل الكلام عن الاحتياط في الأحكام الموجودة في علم الأصول، المرتبطة بالاستنباط لا بفعل العامي مباشرة، مثل حجية الخبر، وحجية الظهور، وقاعدة لا تنقض اليقين في الشبهات الحكمية. هذه الوظائف العلمية كيف يصور الاحتياط فيها؟ لأن المكلف بالوظائف العلمية (أي بالاستنباط) إما أن يجتهد، أو يحتاط، أو يقلد. وهذه الثلاثية التي ستأتي في أول مباحث القطع والحجج، بعينها يخاطب بها المجتهد في وظائفه العلمية.

وهناك احتياط ثالث؛ فكما يوجد احتياط في فقه الفروع، واحتياط في علم الأصول، هناك احتياط ثالث في علم الكلام وفي الاعتقادات. وقد يتساءل البعض: هل يصح الاحتياط في الاعتقادات؟ والجواب: نعم يصح. أما كيف صيغته وصياغته؟ فهذا أمر صعب ومعقد أيضاً، ولا يعني الجمع المتناقض بين الاعتقادات. والقرآن الكريم أشار إلى هذا الشيء بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾[1] ، وتعبير "لو كان..." يشير إلى ضرورة مراعاة الاحتمال الآخر. فالقرآن في سور وآيات عديدة أشار إلى الاحتياط في الاعتقاد، لا أقل من باب أنه محتمل، والآخرة محتملة. وكذلك قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾[2] . هذه الصيغة "إن.. إن" هي جوهر الاحتياط. وطبعاً صيغة الاحتياط في الاعتقاد تختلف جوهرياً عن الاحتياط الفقهي المعروف، ويجب أن يبحث هذا الأمر، والمفروض في علماء الكلام أن يبلوروه، وإن لم أراهم قد بلوروه كصيغة احتياط واضحة.

المقصود على أية حال أن الاحتياط في علم الكلام بنيان ثالث. وهناك احتياط في علم التاريخ الديني، والسيرة الدينية، والمقتل. فإما أن تجتهد، أو تقلد، أو تحتاط. والاحتياط هنا يكون مع مراعاة العلم الإجمالي في أطراف السيرة، بحيث لا تفرط في شيء. والاحتياط في التاريخ والمقتل ليس ممنوعاً، بل هو مشروع عندنا، وكيفية الاحتياط تكون شبيهة بباب التحريات والتحقيقات الجنائية؛ فإذا أعطوك ملفاً للتحريات، لا تفرط في قصاصة من القصاصات وإن لم تلتفت حالياً لمدى تأثيرها، بل يجب أن تحتفظ بها وتراعيها بين الفينة والأخرى. ومشروعية الاحتياط أعظم مشروعية في الدين، هي أعظم من الاجتهاد، ومشروعية الاحتياط أعظم من التقليد، عملاً بالقاعدة: "أخوك دينك فاحتط لدينك"[3] . فلا ينبغي القبول بالاستبداد العلمي المتمثل في حصر الأمر بمدرسة رجالية واحدة تحكمها في علم الرجال وعلم التاريخ. فالتقسيم بأن المكلف إما أن يجتهد أو يقلد أو يحتاط، ليس خاصاً فقط بفقه الفروع، بل جارٍ في كل العلوم الدينية. أما كيف تصوير صياغته؟ فهذا بحث آخر. ولا يمكن أن يسد باب الاحتياط؛ فالاحتياط أوفق لأنه فراغ قطعي للذمة، بينما غيره قد يكون فراغاً ظنياً.

إننا نتعامل مع دين في كل العلوم الدينية؛ في السيرة دين، وفي الرجال دين. فلا ينبغي الركون إلى القول: "إلا هذه المدرسة، ولا أريد الأخذ بغيرها". حتى في علم الرجال، إما أن تجتهد ولا تقلد، ولا يصح سد باب الاجتهاد في الرجال. هذا الاجتهاد ليس خاصاً بفقه الفروع، بل أيضاً في علم الرجال يمكن للمكلف أن يجتهد. ولا يصح الإلزام بمدرسة واحدة وإلا نفي الصفة العلمية عن المخالف، لأن من يقلد رأياً رجالياً فهو "صناعي وعلمي" بمعنى التقليد، أما إذا اجتهد فقد يوصف بأنه متساهل أو أخباري.

فالمقصود أن هذا المطلب قاعدة صناعية؛ المكلف مكلف بعلم التاريخ، وبعلم الرجال، وبعلم السيرة. ولنا تكاليف علمية في علم الرجال، وفي علم العقائد، وفي التاريخ؛ فإما أن يجتهد المكلف أو يحتاط أو يقلد. وسد باب الاجتهاد ليس من مسلكنا، بل هو مسلك مذاهب "بني السقيفة" أو الأموية أو العباسية. أما مدرسة أهل البيت فالاجتهاد فيها لا ينسد. ولا ينبغي تذويق التقليد بأنه علم؛ فالتقليد ليس علماً، بل هو درجة هابطة من العلم، بينما الدرجة العالية من العلم هي الاجتهاد، وفوق الاجتهاد الاحتياط.

وبالنظر إلى سيرة علمائنا، نجد أن الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن حمزة وابن براج وسلار وابن زهرة والحلبيين وابن إدريس (رضوان الله عليهم)، في كتاباتهم الفقهية، كانوا يستنبطون على صيغة "احتياط في الاستنباط" - وليس في الفقه فحسب، بل في عملية الاستنباط ذاتها -. فكل علم له صياغة من صياغات الاحتياط. والقول بأن الاحتياط خطأ أو إبادة، هو مسخ للدين؛ لأنك إذا سددت باب الاحتياط فقد مسخت الدين، لأن الاحتياط هو أعظم الطرق للنجاة. إذاً، المكلف في كل علم (التاريخ، الرجال، السيرة) إذا قيل له: "إذا لم تذهب إلى ما أذهب إليه تقليداً إمعياً فأنت لست صناعياً ولست علمياً"، نقول له: باب الاجتهاد موجود، وباب الاحتياط موجود، فبأي دليل تلزمني بالأخذ بتقليدك؟ وأي عصمة تكسبها لنفسك ولمسلكك العلمي؟ فالعصمة غير موجودة لغير المعصوم. كل علم من العلوم الدينية فيه اجتهاد وتقليد، ومن كان مقلداً فليفصح عن نفسه، ولا يدعي العلمية وهو مقلد.

وقد ذكر الفقهاء أن المكلف إما مجتهد أو مقلد أو محتاط. وكل علم له احتياط. ومعنى الاحتياط شبيه بوجوب الفحص، أي لا تفرط في احتمال من الاحتمالات، فضلاً عن الظنون النقلية - وكلامنا في العلوم الدينية النقلية -. فلا تفرط في كتاب احتمال، بل ابقه. ومن هنا تطرح أطروحة أخرى للتدوين: ما هي الموارد التي استند فيها علماء الإمامية في فقه الفروع إلى روايات عامية؟ بحيث كان مصدر فتواهم وحكمهم في تلك المسائل حصرياً عند غالبهم رواية عامية، بل ورواية مرسلة، مثل "على اليد ما أخذت حتى تؤدي". إن علماء الإمامية لا يفرطون في الروايات المرسلة عند العامة، وهم حاشاهم عن الانحراف، بل هم أثبات وأهل تقوى في العلم. فاعتمادهم على هذا الجانب يدل على أنهم لا يفرطون حتى في رواية مرسلة عند العامة إذا وجدوا مضمونها مطابقاً لمحكمات ما عند أهل البيت (عليهم السلام) والقرآن، حسب مسلكهم.

ولعل سائلاً يسأل: لماذا حرص علماء الإمامية طيلة هذه الأجيال على تراث الحديث عند السنة مع أنه غير معتبر كتراث الحديث عند الإمامية؟ والجواب: لأنهم يخافون أن يحرف تراث الحديث عند السنة، ولا أقل أن هذا الباقي فيه شيء من الحق، كما أن التوراة والإنجيل فيهما شيء من الحق يحتج القرآن به. فتراثهم الحديثي لا نفرط فيه. وكثير من المحققين ذكروا أن من أسباب حفظ تراث الحديث عند السنة هم علماء الإمامية؛ لأنهم يدونونه ويحفظونه حيطةً من أن يأتي جيل - مثل الوهابية - ويحرفون الطباعات والنسخ، ويحذفون ويعبثون في تراث الحديث ويطمسون الحقائق أكثر فأكثر. وفعلاً، فإن كتاب البخاري الآن تم التلاعب به كثيراً، سيما في الطبعات المائة سنة الأخيرة، مقارنة بطبعة "بولاق" أو ما قبلها. والمقصود أن هذا باب واسع، وينبغي الالتفات إلى أن الإنسان لما يعيش الهيكل الفوقي لعلم الأصول، يرى كم هو مسار نور. وهذه الاشتباهات التي تصير بين الفينة والأخرى يجب أن يحذر منها الإنسان؛ لأن التفريط في العلم خطير، وهو أخطر من التفريط في العمل.

 


logo