47/07/22
الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص /ادلة الفحص وحجية مطلق الظن والاحتمال قبله
حقيقة وجوب الفحص: تكليفي أم وضعي؟
كان الكلام في أدلة وجوب الفحص، وقد مرّ بنا البحث في ماهية هذا الوجوب؛ هل هو وجوبٌ تكليفي؟ أم هو وجوبٌ وضعي؟ أم هو كلٌ منهما؟ والصحيح أنه "كليهما"؛ فهو من جهة وجوبٌ تكليفي، ومن جهة أخرى هو وجوبٌ وضعي (شرط صحة).
وهذا البحث مهم، وقد أثار الأعلام احتمالات عديدة في زوايا هذا الوجوب لم يثيروها في غير هذا الموضع من الأصول العملية، فناقشوا: هل هو وجوب مستقل؟ طريقي؟ مقدمي؟ غيري؟ أم نفسي (بملاك طريقي)؟
وعلى أي تقدير، فما هي ثمرة هذا الوجوب وأثره؟
بناءً على أنه حكم وضعي، فالأثر هو الاشتراط في صحة الحجج والطرق، وإلا لا تكون الحجج فعلية ولا منجّزة. أما بناءً على أنه تكليفي، فقد قالوا بأن هذا الوجوب "منجِّزٌ للأحكام الواقعية". فدوره هو دور "التنجيز". وهنا يأتي التساؤل: هل هو منجّز للواقع؟ أم منجّز للطرق على الواقع؟ أم ينجّز كليهما؟ هذه مباحث مهمة توقفنا على حقيقة هذا الوجوب، وكما مرّ بنا فإن حقيقته بالدقة ترجع إلى "أدلة تنجيز الطرق" بنحو إجمالي.
وجوب الفحص وعلاقته ببحث الانسداد
هذا البحث بحثه الأعلام مفصلاً في باب "الانسداد"، حيث قالوا: نحن مكلفون بالواقع لوجود علم إجمالي منجّز للأحكام الواقعية. أو نقول: نحن منجّزٌ علينا الطرق؛ لأننا نعلم علماً إجمالياً بأن الشارع نصب طرقاً لإحراز تكاليفه، ونصب طرقاً للفراغ عن التكاليف الواقعية (فراغاً ظنياً تعبدياً عبر الطرق).
فكما ألزم الشارع بالتكاليف الواقعية، ألزمنا بالفراغ التعبدي الظني. فإذاً لدينا صرحان من التكاليف (والمقصود بالتكاليف هنا مطلق التشريع تكليفاً أو وضعاً): صرح من التكاليف الواقعية، وصرح من التكاليف الظاهرية.
إذن، لدينا علم إجمالي منجّز للواقع، ولدينا علم إجمالي منجّز للطرق أيضاً. ونحن نثير هذا البحث لكي يتبين أن "أدلة وجوب الفحص" هي أدلة إجمالية لأدلة الطرق، وكأنما لدينا تشريع دستوري فوقي في الطرق، ثم يتنزل هذا التشريع إلى أدلة الحجية التفصيلية.
أصناف أدلة وجوب الفحص: منجزية الاحتمال قبل الفحص
معرفة حقيقة البحث أهم من الدخول في الأدلة؛ ومن ثَم فإن الأدلة صنفان: صنف معتمد على العلوم الإجمالية، وصنف يعتمد على "صرف الاحتمال".
حتى في موارد الاحتمال، فإن الاحتمال منجِّز قبل الفحص. وليس هناك أحد من الأعلام يقول بأن الاحتمال - فضلاً عن الظن - قبل الفحص ليس بمنجز.
يجب أن ندقق جيداً: قبل الفحص ليس لدينا ظن معتبر وظن غير معتبر؛ بل كل الظنون (النقلية) معتبرة، بمعنى أنها منجّزة. بل الاحتمال حتى هو منجّز قبل الفحص ويجب عليك الفحص. حتى لو استنبط الفقيه كل المسائل الابتلائية وبقيت عليه مسألة أخيرة في الفقه، فهل الاحتمال فيها منجز؟ نعم منجز ويجب عليه الفحص.
التمييز بين العلوم الوحيانية والعلوم النقلية
كلامنا في منجزية الظنون قبل الفحص يختص بـ "الظنون النقلية"، أي المرتبطة بشؤون النقل، فتخرج عنها الظنون الغريبة والعلوم المحرمة والمحللة الأخرى.
يجب الالتفات إلى أن العلوم الدينية هي علوم "نقلية" و "وحيانية" كليهما، ولكن هناك فرق دقيق:
• العلوم الوحيانية: هي حجية الكتاب والسنة "ثبوتاً" (يقين وحياني).
• العلوم النقلية: هي حجية الكتاب والسنة "إثباتاً".
فالوحي لا يُقتنص بالحس، وإنما يُنقل بالحس. ومن غير الصحيح القول بأن العلوم الدينية نقلية بالمطلق، بل هي في بعدها الأساس وحيانية. ولدينا مجموعات علوم عديدة (وحيانية، نقلية، عقلية، وجدانية كشفية، تجريبية، قانونية، اجتماعية..)، وهذا التقسيم أساس في نظرية المعرفة الدينية.
وقد أسس سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) مسيرة العلوم النقلية بقوله في حجة الوداع: ((رحم الله امرأً - أو نضّر الله عبداً - سمع مقالتي فوعاها، فبلغها كما وعاها[1] )).
منجزية الرواية الضعيفة قبل الفحص
بناءً على ما سبق، فإنه قبل الفحص لا تفصيل عند الأعلام بين ظن وظن (إن كان مرتبطاً بالعلوم النقلية). فالظنون النقلية برمتها حجة، بل الاحتمال منجز.
وهذا أمر غفل عنه أصحاب مسلك "خبر الواحد" من متأخري العصر؛ فإن الرواية الضعيفة قبل الفحص حجة، لأنها تثير الاحتمال.
مثال: الله يرحمه السيد محمد الروحاني، كان في جلسات الاستفتاء والتدوين، يبدأ بقراءة روايات الأقوال، ثم يقول: "جيبوا الفقه الرضوي". فكنا نتعجب ونقول: "سيدنا، عندك حجة الفقه الرضوي؟ سنده مقطوع!". فكان يشير إلى وجود شواهد في متونه وتطابقه مع "رسالة الشرائع" لوالد الصدوق، ولذلك جزم بحر العلوم (وفاقاً لصاحب الحدائق) بأن الفقه الرضوي هو رسالة الشرائع.
الشاهد: أن الرواية حتى لو كانت ضعيفة، فإنها قبل الفحص تكون حجة وتثير الاحتمال، ولا يصح طرحها ابتداءً. أما التفصيل بين الحجة واللا حجة فهذا يكون "بعد الفحص".
تطبيقات عملية: الشعائر الحسينية والمقاتل
هذه "خارطة الحجج" لا تختص بفقه الفروع، بل هي "أساس الدين" والعلوم الدينية كلها.
لنأخذ مثالاً: واقعة كربلاء وظلامات أهل البيت (عليهم السلام).
أنا لدي "علم إجمالي" بواقعة عاشوراء، وبظلامة الزهراء (عليها السلام)، وبما جرى على الأئمة. هذا العلم الإجمالي منجّز.
فأنا قبل الفحص منجّزٌ عليَّ كل "كتاب مقتل"، وكل "كتاب رواية"، وكل احتمال في الأطراف، وأتعاطى معها ما دامت في دائرة العلم الإجمالي، ولا أفرط فيها وأقول (هذا يقين أو لا). التنجيز لا يحتاج إلى فحص، بل هو ثابت قبل الفحص.
للأسف، الوضع الآن أصبح "هير بير"، وهرج مرج غير صناعي، و"هوجائي"، بل "يأجوجي مأجوجي"! يأتي شخص ويقول: "المقاتل شنو دليل اعتبارها؟".
يا أخي، في الابتداء وقبل الفحص، كل المقاتل وكل احتمال في أطراف العلم الإجمالي بظلامة أهل البيت هو منجِّز. مثلما لو كان لديك علم إجمالي بجناة، والجريمة ثابتة، فلا تأتي لتبرئهم وتقول "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، بل الجريمة ثابتة بالعلم الإجمالي.
نحن لدينا علم إجمالي بجرائم النظام السابق، ونظام بني أمية، وبني العباس، وبني السقيفة، فالجرائم ثابتة، ولا يصح أن تقول: "أنا لا يكفيني الاحتمال". عساك ما يكفيك! وعساك ما تلتفت وتنتبه! الأدلة والعلوم الإجمالية منجزة بنفسها.
الخاتمة: خطورة التمسك بأصل العدم قبل الفحص
الخلاصة: في وجوب الفحص، ومن المسلّمات أنه قبل أن تفحص لا يصح أن تقول: "الأصل العدم".
الأصل العدم يعني "عدم الدين". وهذا كلام الأعلام (كالنائيني والسيد الخوئي وغيرهم)، حيث يقولون: ((من قال قبل الفحص "الأصل العدم" فلا دين له)).
سواء في السيرة الدينية، أو المقاتل، أو التفسير، أو الكلام، أو الفقه؛ من يتمسك بأصل العدم قبل الفحص فهو لا دين له. أما إذا كان عندك دين وتتحرج فيه - ولست علمانياً أو زنديقاً أو صابئياً - فإنك ستقول: الأصل هو التنجيز، والاحتمال منجز عليّ حتى أفحص.