« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/21

بسم الله الرحمن الرحيم



الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص / تنوع ادلة الفحص ونظام الحجية في الظنون

 

حقيقة وجوب الفحص أثر مترتب على منجزية الحجج

كما مر بنا، فإن حقيقة مسألة وجوب الفحص هي حكم عقلي؛ وهذا الحكم العقلي نتيجة لوجود "منجِّز" (سواء كان منجزاً إجمالياً، أو تفصيلياً، أو احتمالياً، أو علمياً). المهم أنه نتيجة لوجود المنجِّز يجب الفحص. ففي الحقيقة، إن وجوب الفحص أثر عقلي لوجود أدلة الحجية، وأدلة وجوب الفحص هي بالدقة أدلة للمنجزية وللحجية، ولكن بقالب ومستوى إجمالي وليس تفصيلياً.

الأصل اعتبار الظنون النقلية وخارطة الحجج

وبمقتضى الصناعة الأصولية -أو قل أصول القانون- فإن الدليل الإجمالي دوماً يعني "الفوقي"، والتفصيلي يعني "التحتاني النازل" (سواء كان نزوله جداً أو متوسطاً). ومعنى الفوقية والتحتانية في الأدلة يعني فيما يعنيه أن التحتاني منشعب في التقنين والتشريع من الفوقي، والفوقي هو أصل متأصل وأساس لكل ما دونه من التشريعات. وهذا النظام في القانون والتشريعات -سواء الأحكام التكليفية الواقعية أو الظاهرية، أو الأحكام الوضعية الواقعية أو الظاهرية- ليس مجرد ديكور أو زي وأزياء؛ لا، بل هذه تعني نوعاً من التقرر التكويني الماهوي لهذه المراتب، فليس الأمر عبطاً.

فعلى هذا التقدير يجب أن نلتفت بدقة إلى أن الذي يُلزِم باعتبار الحجج وما شابه ذلك هي نفس أدلة الفحص، أو أن أدلة الفحص أثر للحجية الإجمالية المنجِّزة للحجج بشكل إجمالي لا تفصيلي. وبالتالي فإن علماء الأصول في مبحث الألفاظ وآخر مبحث الأصول العملية يقرّون بأن الحجية مجعولة عند الشارع بنمطين على أقل تقدير: نمط إجمالي فوقي (وهو الموجب للحجية الإجمالية التي تدفع المكلف للوصول للحجية التفصيلية ولو ظنية)، ونمط تفصيلي. فحقيقة وجوب الفحص إذن هي أثر، وهي عبارة أخرى عن مقدمة لامتثال الحكم الظاهري (الحجية). وهذه نكته يجب أن نتفطن لها: إن اعتماد أدلة الحجج التفصيلية هو في الحقيقة اعتماد على أدلة الحجج الإجمالية؛ لأنه لا يمكن القول بأنه بعد الوقوف على الأدلة التفصيلية لا يكون للأدلة الإجمالية تعويل، بل هي باقية على حالها.

مسلك المشهور في التراث والعلوم الدينية بعدم التفريط

نقطة أخرى -ومعذرة لاستخدام التحليل والتفسير الصناعي قبل الخوض في الأقوال والنقاشات، فهو أهم بكثير من الدخول غفلوياً في التفصيلات التي قد يكون فيها قيل وقال- فإن هذا البحث يرسم لنا الخارطة الصناعية لمبحث الحجج في العلوم الدينية برمتها وفي الدين برمته. لذا أتعمد التريث في هذا البحث؛ لأنه ربما يسود في الأعصار المتأخرة تفكيك لهذا المبحث بشكل مبتور ومشتت، مما يسبب آفات كثيرة في تضييع التراث. وقد وجدنا مخالفات عند متأخري العصر لما عليه مشهور القدماء في كثير من المسائل والأبواب (فقه الفروع، علوم القرآن، علم الكلام). فالمنهجية جداً مهمة، ومن أهم أمورها أنها لا تفرط في التراث، لا بمعنى العمل به بشكل عمياوي، بل ببصيرة صناعية ولكن من دون تفريط.

الاحتمال منجز من دون العلم الاجمالي والأحكام العقلية

بعض الأدلة التي يستعرضها الأعلام لوجوب الفحص قائمة على وجود "العلم الإجمالي" (أو علوم إجمالية متعددة)، وبعضها الآخر ليس قائماً على العلوم الإجمالية، بل قائم على "منجزية الاحتمال". فنفس الاحتمال منجِّز من دون أن يستند إلى العلم الإجمالي. فالأعلام عندهم أدلة عقلية دالة على منجزية الاحتمال من غير حصر التنجيز بالعلم الإجمالي. ولا يخفى -من باب التوضيح المعترض- أن الاحتمال في العلوم العقلية يُعد قسماً من العلم (التصور). فالعلم إما تصور أو تصديق (ظني، اطمئناني، يقيني وكل له درجات). ففي العلوم العقلية التصور درجة من العلم.

حرمة التقليد بالانفتاح على جميع العلماء والمصادر الدينية

لاحظ قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[1] فالتصور غير التصديق. وعوام المسلمين والمؤمنين ملزمون بقراءة القرآن، وملزمون -خوف العقائد- بعدم التقليد. ومعنى عدم جواز التقليد ليس الانفصال عن العلماء، بل يعني ألا تكتفي بتقليد عالم واحد، بل يجب أن تنفتح على مجموع العلماء قدر ما يمكن، بل وتنفتح على الأدلة والمصادر بقدر الإمكانية ولو كان الإنسان أمياً. ففي الاعتقادات وضروريات الدين، وحتى ضروريات الفقه والتراث، لا يسوغ التقليد لعالم مهما بلغ علمه، بل لا بد من الانفتاح. ومثال ذلك: الفقيه يحرم عليه تقليد مجتهد آخر، ومعنى يحرم عليه أي لا يكفيه الاكتفاء بعالم واحد، بل يجب أن ينفتح على جميع العلماء، وهذا معنى أنه "يجتهد". والعامي ينفتح بقدر وسعه؛ فيقرأ القرآن وروايات أهل البيت. فمنع العوام عن قراءة القرآن بدعة في الدين، وكذلك منعهم عن قراءة روايات أهل البيت بدعة. نعم، لا بد من ضابطة وهي: "ليس لكم أن تفتوا أو تستنبطوا بأنفسكم"، أما أن "تتصوروا" فهو ضروري؛ لأن التصور درجة من العلم. أما منعهم تحت ذريعة "أنهم سينحرفون" فهذه ذريعة فاسدة كاسدة؛ بل إذا مُنعوا عن المصادر سينحرفون أكثر. هذا الانفتاح ليس فقط في العقائد، بل في ضروريات التفسير، والفقه، وسيرة الأئمة، وتراث الحديث.

تراكم الظنون وحجية العلم ذاتية تكوينية لا تتوقف على الاعتبار

حتى حينما يقول الأصوليون أن "العلم حجيته ذاتية"، فهذا يشمل التصور أيضاً، غاية الأمر أن حجية التصور تختلف عن حجية التصديق. فالتصور درجة من الانكشاف الذاتي التكويني، نعم يحتاج إلى تشذيب وتهذيب، لكن أصل الانكشاف موجود. وهذه نكتة لا يخالف فيها علماء الأصول أو المعقول. والتدبر في الآية الكريمة أقله التصور.

اعتماد أدلة الفحص على العلوم الاجمالية أو على مجرد الاحتمال

نرجع لنفس النقطة: أدلة وجوب الفحص تارة تعتمد على العلوم الإجمالية، وتارة تعتمد على صرف الاحتمال. ونفس الاحتمال منجز استناداً إلى أحكام عقلية.

كلمات الاعلام في منجزية العلم الاجمالي وحجية الظن والاحتمال

يتصور السيد الخوئي وغيره (وهو بلور المطلب وإلا فهو موجود قديماً) أننا لا نحتاج للكلام عن منجزية العلم الإجمالي؛ لأن نفس الاحتمال منجز عقلاً، فكيف إذا ارتقى إلى الظن أو العلم؟ وهنا دققوا: إذا كان الاحتمال منجزاً، فكيف بالظنون؟ هل الأصل في الظن عدم الحجية؟ إذا كان الاحتمال في طبيعته منجزاً، فالظن -الذي هو أرقى- أولى بالمنجزية، إلا أن يأتي مؤمِّن أو معذِّر شرعي. فالقواعد الفوقية ليست لعبة، يجب الثبات معها.

الظنون المحرمة والمحللة ونهي الشارع عنها

نعم، الشارع أخرج قسماً من الظنون واستبعدها عن كونها طريقاً للأحكام، سواء كانت محرمة كالسحر والشعوذة والكهانة (من تكهن أو تُكهن له برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله)، أو كانت محللة في نفسها ولكن لا يعتمد عليها في الشرع كالرمل والتنجيم والجفر. فهذه الظنون -ولو شكلت اطمئناناً- أبعدها الشارع، لا بنحو الحجية ولا حتى التأييد أو الترجيح. أما الظنون العادية المتعارفة التي لم تقم عليها أدلة المنع، فالأصل فيها ليس عدم الحجية (ما دام الاحتمال منجزاً).

سيرة الاعلام في العلوم اللغوية واقوال الرجاليين وتكون الضروريات

لذلك لاحظوا سيرة علماء البشر والمسلمين والمذاهب. نعم، صاحب المدارك يتشدد في طلب شاهدين عادلين في التوثيق، ولكن نقول له: يا صاحب المدارك، التوثيق كله مرسل، والجرح مرسل، فأين الشاهدين العادلين؟ إن المسلك الذي مشى عليه الشهيد الثاني والمقدس الأردبيلي وصاحب المدارك وصولاً للسيد الخوئي فيه تدافع وتناقض شديد، بخلاف مسلك المشهور الذي هو منهج متناسق ومتين. لاحظوا "الشيخ آقا بزرك الطهراني" -وهو نابغة في الصناعة- يقول في كتابه "النقد اللطيف": إن هذه المراسيل في التاريخ وعلوم اللغة هي التي شكلت الضروريات عند كل مذهب ودين. والذي يترك المراسيل لا دين له أصلاً. هذه الضروريات تشكلت بالتراكم، والتراكم يولد اليقين والضرورة. هل تستطيع أن تصطدم مع الضرورة بدعوى أنها مراسيل؟ كل النسب والقضايا مراسيل بهذا المعنى، وباب التحريات والتحقيقات البشرية قائم على هذا.

علوم اللغة جلها مراسيل

في علوم اللغة (نحو، صرف، معاني، بيان، مفردات)، هل عندنا أسانيد مسندة؟ أبداً، جلها مراسيل وأقوال الرجاليين 80% أو 90% منها مراسيل، وبالمراسيل نحاكم الاسانيد؛ أي عقل علمي يقبل هذا؟ مع احترامنا للكبار، لا يمكن أن نشطب على عقولنا. فالسيد الخوئي يقر وفاقاً للنائيني والعلماء بأن الطرق العادية المعتادة البشرية (منظومة طرق النقل) حجة. وهذه المنظومة تعتمد على التراكم لا على الظن بمفرده. على كلٍ، البحث طويل، وأنا عمداً أتريث فيه لوعي أهمية هذه الخارطة الصناعية. هذا البحث بعينه بحث في الحجية وليس شيئا آخر.

 


logo