« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/20

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص / وجوب الفحص وحقيقة منظومة الحجج

 

الأدلة العامة للحجية هي أدلة وجوب الفحص

قبل الدخول في تفاصيل أدلة وجوب الفحص، توجد نقطة ماهوية تفسيرية أهم من التفاصيل، وهي أن أدلة وجوب الفحص عنوان آخر وعبارة أخرى عن "أدلة حجية الحجج". فوجوب الفحص بالدقة هو أثر لحجية الحجج، وحجية الحجج أثر للإرادات التشريعية الواقعية لله عز وجل. فالبحث عن وجوب الفحص هو بعينه بحث في أدلة حجية الحجج بنحو منظومي -لا بنحو العلم الإجمالي المصطلح-، وهو في الحقيقة أول بحث عن حجية الحجج وليس شيئاً آخر، والفرق أن هذا بحث بالإجمال وما سيأتي في مباحث الحجج بحث بالتفصيل. إذن، وجوب الفحص ليس مسألة منفكة أو مباينة عن أدلة الحجية، بل هي نفسها بالضبط، وعلينا أن نلتفت صناعياً لهذا الأمر.

منهجية أصول العقائد في مبحث الانسداد

من أعظم البحوث في علم الأصول في الحجج على الإطلاق هو "مبحث الانسداد"، بغض النظر عن نظرية الانسداد نفسها. فالبحث في الانسداد في الحقيقة بحث عما "فوق الحجج" أو "ما وراء الحجج". وللأسف الكثير يتركون هذا المبحث وهذا خطأ؛ لأن منهجية أصول العقائد يبحثها الأصوليون في مبحث الانسداد، فليبلغ الشاهد الغائب. إن منهجية أصول الاعتقادات يبحثها الأصولي في الانسداد، وفي أواخر الظن، وشيئاً ما في تنبيهات القطع، لمن أراد أن يلتفت إلى كيفية تدخل علم الأصول في المنهجية المنطقية الصناعية لكل العلوم الدينية.

منهجية جميع العلوم الدينية في علم الأصول

علم الأصول مهيمن على علم الرجال، وليس الرجال مهيمناً عليه؛ لأنه يمنطق ويمنهج الخطوات الصناعية للاستدلال. وعلم الأصول مهيمن أيضاً في المنهجية على علم الحديث، وعلوم التفسير، وعلم الكلام. أما مواطن بحث منهجية علم الكلام (أصول الاعتقاد) في الأصول فهي المواطن الثلاثة التي ذكرناها (الانسداد، أواخر الظن، تنبيهات القطع)، وهناك موطن آخر يذكره الأصوليون كفائدة معترضة في تنبيهات الاستصحاب (استصحاب الشرائع السابقة)، حيث يدخلون في شؤون علم الكلام، لكن المورد الأكثر بسطاً هو مبحث الانسداد.

مباحث حجية الخبر ومنهجية علوم الرجال

تتميماً للفائدة التي يغفل عنها الكثيرون؛ إن مباحث حجية الخبر بالدقة هي مباحث عن منهجية علوم الرجال. فالشيخ الأنصاري في مبحث حجية الخبر دخل في مناهج علم الرجال في "الرسائل"، وسجل إشكالات بنيوية على مدرسة السيد ابن طاووس (التي تتبناها مدرسة السيد الخوئي والمقدس الأردبيلي والشهيد الثاني وصاحب المدارك)، وهي مدرسة الجرح والتعديل التي تعتبر ركناً من أركان علم الرجال.

الأنصاري والإشكالية الصغروية على مسلك حجية خبر الواحد

لدى الشيخ الأنصاري إشكالات صغروية قوية جداً على علم الرجال ذكرها في تتمة حجية خبر الواحد، حيث يرى هذا المنهج خاطئاً ويستدل بأدلة يراها قطعية. ومع أني لا أوافق الشيخ في تخطئة هذا المنهج، إلا أن الإشكالات التي ساقها قيمة وصحيحة على هذه المدرسة بخصوصها. حتى أن أستاذنا السيد محمد الروحاني انتهى لنفس نتيجة الشيخ الأنصاري وذهب إلى الانسداد بسبب هذه الإشكالات الصغروية (بمعنى تطبيق كبرى حجية الخبر). الشاهد هنا أن منهجية علم الرجال لا تطلبها من علم الرجال بل من علم الأصول، ثم تذهب إلى قواعد ومواد علم الرجال بشكل طولي رتبي لا زماني، وإلا قد تكون متبحراً في الرجال لكنك تفتقد المنهجية الصناعية الدقيقة .

بحث الأصوليين في مناهج علوم التفسير

إن علم الأصول يتكفل بيان منهجية العلوم الدينية، ومنها "مناهج علوم التفسير" التي يبحثها الأصوليون في "حجية الظواهر القرآنية" وحجية القراءات [6، 7]. لو جمعت أقوال الأصوليين لرأيت مباحث دسمة وجمّة ودقيقة حول قواعد علوم التفسير. كما توجد مباحث مشتركة مع علوم التفسير في مباحث الألفاظ (من البداية إلى الأوامر)، لأنها تبحث كبرويات الظهور والاستظهار ولها صلة وطيدة بالتفسير وعلم الكلام .

بحث الأصوليين في حجية الكتاب وسنة المعصوم ثبوتاً واثباتاً

موطن آخر يذكره الأصوليون لمبحث علوم التفسير هو "أصل حجية الكتاب". قد يسأل سائل: ما ربط حجية ظاهر الكتاب بحجية الكتاب؟ الميرزا القمي وصاحب المعالم وحتى صاحب الكفاية بينوا أن البحث في حجية الكتاب والسنة فيه بحث "ثبوتي" (وهو شبيه بالبحث الكلامي)، وبحث "إثباتي". فما معنى حجية الكتاب ثبوتاً؟ وما الفرق بينها وبين الإثبات؟ وما هو الثبوت في السنة المعصومية؟ هذا بحث آخر يطرحه الأصوليون.

علم الأصول منطقي لمعرفة العلوم الدينية وتطبيقي

إذا دقق الباحث يرى أن علم الأصول "علم تطبيقي" وليس مجرد تنظير، وحريٌ بالباحث عند دراسة القواعد الأصولية أن يتحرى التطبيق ليلتفت لخطورة هذه المباحث. فعلم الأصول بالدقة هو علم صناعي منهجي منطقي للمرفة الدينية، وتطبيقي في آن واحد. ويجب أن يكون الإنسان يقظاً؛ فحينما يطرحون اسم "كتاب" أو "رجال" أو "عقيدة"، عليه أن يلتفت إلى أن هذا تطبيق في العلوم الدينية، وأن هناك مدارس متعددة لدى علماء الإمامية في كل علم، ولا توجد مدرسة "وحدة لا شريك لها.

أهمية كتابة الأطروحات الأصولية بالشكل الجديد

من باب الفائدة المعترضة؛ إن العلوم الدينية تحتاج إلى كتابات جديدة في علم الأصول، وليس بالنمط التقليدي فقط. فالأكاديميون والمذاهب الأخرى والملل والنحل التي تريد التعرف على مدرسة أهل البيت، ستكون هذه الكتابات بصياغتها الجديدة مسعفة جداً لهم. هذه ليست ترفاً أو زيادة، بل فرائض علمية مهمة يجب إنجازها، وهي أبواب جيدة للبحث بصياغة وعنفوان جديدين، فالبشرية متعطشة لمدرسة أهل البيت .

تنقيح علماء الفقه لمباحث علم الكلام والعقائد

في علم الفقه أيضاً قائمة بمباحث علم الكلام بحثها الفقهاء؛ لأن علماء الكلام لم يحرروها وينقحوها، فاضطر الفقهاء لتنقيحها بلغة كلامية وفقهية مزدوجه تعطي بصيرة جداً. فبحث حوار المذاهب، والفقه السياسي المذهبي، وحوار الحضارات وتعامل الدول، كلها مباحث فقهية سياسية ابتلايه، ومن لم يحرر هذه المباحث في الفقه قد يقع في خلل في التنظير ويأخذ يميناً وشمالاً .

لطف الله والتضلع في تنظير الفقه السياسي

في عصرنا الحاضر، كان المرحوم الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله) ذا باع قوي في هذا النمط من علم الكلام الفقهي والفقه السياسي، وكان متقناً لهذا الجانب بشكل قويم. ومع أنه تلميذ السيد البروجردي إلا أن مساره في التنظير للفقه السياسي المذهبي لم يكن مطابقاً للسيد البروجردي، بل اختلف معه، ونستطيع القول إنه أقرب للعلامة الأميني، حيث كانت هناك وجهات نظر حادة مختلفة بين العلامة الأميني والسيد البروجردي رغم كونهما من الأكابر.

وجوب الفحص ومعرفة مراتب أدلة الحجج

نعود لأصل المبحث: حقيقة وجوب الفحص هي بداية للأدلة الإجمالية على الحجج. وتفسير ذلك صناعياً: أن أدلة الحجج ذات مراتب؛ بعضها "فوقية إجمالية هيمنية"، وبعضها "متوسطة"، وبعضها "تفصيلية". وهذا هو الصحيح المنطقي في كل علم قانوني. فالقاعدة التفصيلية لا بد أن تؤول إلى قاعدة إجمالية فوقية لكي لا تكون مقطوعة النسب العلمي. لذا، لا تقل لي "من أين جاءت أدلة حجية الخبر الواحد؟"؛ فهي وإن كانت أدلة تفصيلية، لكنها تستند لطبقات أدلة متوسطة، والمتوسطة تستند لطبقات فوقية، وهي "الأدلة الإجمالية القوية على الحجج". وهذا ما بحثه الأصوليون في "مقدمات الانسداد"؛ فتلك المقدمات (الأولى والثانية) هي عبارة عن "الأدلة الإجمالية للحجج" التي تُلزمك وتنجّز عليك التكليف، حتى لو شككت في التفاصيل الصغروية أو الكبروية. فالعلم الإجمالي (بوجود أحكام وحجج) يأخذ بحلقومك ولا مفر لك منه، وهو أعظم من خبر الآحاد.

إذن حقيقة وجوب الفحص هي: أننا ملزمون إجمالاً بالحجج المنظومية، ولا يسوغ لنا العمل بالحجج منفردة دون الاعتماد على بقية المنظومة، وهذا بحث يقر به حتى الانفتاحيون.

 

logo