47/07/17
كيفيات الفحص الواجبة متعددة/ وجوب الفحص قبل العمل بالعام /باب الالفاظ، مبحث العام والخاص
الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص / وجوب الفحص قبل العمل بالعام /كيفيات الفحص الواجبة متعددة
وجوب الفحص عن الدليل الاجتهادي بين الدليل الأول وما زاد
الكلام في حال وجوب الفحص عن الأدلة الاجتهادية بدءاً وانتهاءً؛ أي قبل أن يقف المجتهد والفقيه على دليل اجتهادي يجب عليه الفحص، وبعد أن يقف على الدليل الأول يجب عليه الفحص، وبعد وقوفه على دليلٍ ثانٍ يجب الفحص عن ثالث، وهلمّ جرّا، إلى أن يحصل لديه اطمئنان أو يأس من وجود دليل ثالث أو رابع. في الحقيقة، الفحص ليس في الدليل الأول فقط، بل حتى لو اجتمع دليلان أو ثلاث طوائف؛ لأن هذا يدل على أن الحجية -كما مرّ- ليست حجية فردية أحادية، بل الحجج والأدلة الاجتهادية "مجموعية منظومية". حتى لو توفرت أربع أو خمس طوائف، هذا لا يكفي في الفحص إلى أن يطمئن الفقيه أنه ليس هناك طائفة أخرى من الأدلة تدخل على الخط في هذا البحث. والمقصود من "طائفة من الأدلة": ربما يكون دليلاً واحداً ويُعد طائفة؛ لأن مفاده يختلف عن مفاد الأدلة الأخرى. فحينما يقال "طوائف الأدلة" ليس المقصود منها عدة روايات بحسب العدد فقط -كما هو اصطلاح المتأخرين- بل المراد أن لسانها ومفادها يختلف. فربما ثلاث روايات تُعد ثلاث طوائف لاختلاف مفادها، وأربع روايات قد تكون طائفة واحدة لعدم اختلاف لسانها. فالاطمئنان المطلوب هو الاطمئنان بالعدم، وعليه لا يُتوهم أن وجوب الفحص هو لأجل الدليل الأول، بل هو مستمر إلى أن يحصل لدى الفقيه أن منظومة المجموع قد اكتملت.
وجوب الفحص عن مراتب الأدلة العامة والخاصة
ليس المراد من الدليل الذي يجب الفحص عنه هو "الدليل الخاص" في المسألة فقط -كما قد يتبادر للذهن- بل ربما يكون دليلاً عاماً أو قاعدة عامة يعرفها الفقيه، ولكن المشهور لم يتنبهوا لربط هذه القاعدة بهذا المورد، فيلتفت الفقيه الحاذق لارتباطها بهذه المسألة. إذاً، تعدد الأدلة يشمل الدليل العام والدليل الخاص. والدليل العام أيضاً على أنواع؛ فقد يكون "متمم جعل"، أو عنواناً مشيراً، أو قضية حينية. قد لا يلتفت المجتهد البسيط في الوهلة الأولى إلى ارتباط هذا الدليل بالمسألة، ولكن الحاذق يلتفت. فالبحث عن منظومة الأدلة متنوع بزوايا وحيثيات مختلفة، وليس على وتيرة واحدة (دليل خاص ثم دليل خاص). وجوب الفحص يعني أن الأدلة طبيعتها منظومية ارتباطية وليست آحاداً، وحين تكون الطبيعة ارتباطية فلا كلام في اختلاف درجات الأمارية في هذه المنظومة، لكن المجموع يكتسب اطمئناناً أو علماً عرفياً.
الفحص وأدلة التشهد ووجوب الصلاة على النبي (ص) والآل (ع)
إن الأدلة التي أقامها الأعلام على وجوب الفحص -سواء قبل الوقوف على الدليل أو بعده، خاصاً كان أو عاماً- لها دخالة كبرى، لا سيما الأدلة العامة في الأبواب. فالتفطن لارتباط العموم بالمسائل الخاصة يحتاج إلى "حداقة فقهية" قوية. ومثال ذلك: حينما يريد الفقيه الالتفات إلى التشهد في الصلاة؛ هل يكتفي في أدلة التشهد بالروايات الخاصة في الصلاة؟ لا يكتفي. واتفاقاً، فإن نفس الأعلام في مسألة "الصلاة على النبي والآل" لم يتمسكوا لإثبات الوجوب بالأدلة الخاصة، بل تمسكوا بالأدلة العامة (وجوب الصلاة على النبي والآل). الأدلة الخاصة في التشهد -كموثقة سماعة وغيرها- وردت في سياق مستحبات عديدة، ودلالتها على الوجوب فيها كلام، بل إن كثيراً من الروايات الخاصة في التشهد لم يُذكر فيها الصلاة على النبي والآل، حتى توهم بعضهم أن الصدوق لا يفتي بوجوبها، وهو خطأ. لذا تمسك الأعلام بالآية الكريمة، وهي عامة وليست خاصة بالصلاة ولا بتشهد الصلاة. فالعلامة الحلي -مثلاً- يقول نستفيد من الآية وجوب ذكر الآل في الصلاة، وكذلك المحقق النراقي يستفيد منها كبرى كلية ويطبقها على الصلاة.
شمول وجوب الفحص عن مراتب الدليل العام لا مجرد الخاص
المقصود أن المراد من الفحص ليس الفحص عن الدليل الخاص فقط، بل يشمل الدليل العام في كل الأبواب إذا كان له ربط بالمسألة. فلا يُتوهم من إرادة وجوب الفحص مجرد البحث عن الخاص، بل كل ما له ربط، بدءاً من مباحث الصحيح والأعم، والمشتق، والتعبد والتوصل، واجتماع الأمر والنهي؛ فكل هذه المباحث عبارة عن ارتباط بالمركب العبادي، سواء بحكم العقل أو الشرع. المشهور الآن يبنون على أن "الولاية شرط صحة العبادات"، وهذا دليل عام يلحظ كل العبادات لا خصوص الصلاة. فالصلاة لها شرائط عامة تعمها وتعم الصيام والحج، ولها شرائط خاصة، ولطبقات العموم أدلة مختلفة ليست على وتيرة واحدة.
شمول وجوب الفحص عن الأقسام متمم الجعل
هذه نكتة مهمة جداً؛ فكما بنى الميرزا النائيني، "متمم الجعل" له خمسة أنواع (في التوصلي، في التعارض، في الترتب، وغيرها). صورته قد تكون أجنبية، لكن العقل يدرك الارتباط. المراد من الفحص -وهذا فرق بين الحشوية (من الإخباريين أو الأصوليين) وبين المحققين- أنك لا تكتفي بدليل أو دليلين، بل لا بد أن تفحص وتبحث عن مجموع الأدلة. مشكلة القراءة الاستنباطية أو الدينية إذا اقتصرت على بقعة خاصة من الأدلة أنها تنتج نتائج خطيرة. طبيعة التقنين "منظومة شبكية". فمثلاً، لا يصح في طريق حجية الخبر الاقتصار على مسلك السيد أحمد بن طاووس وصولاً للسيد الخوئي (رحمه الله) والبحث في السند فقط؛ هذا الدليل الواحد لا يكفي، بل يجب أن تقرأ على مستوى الأدلة العامة (القريبة، المتوسطة، والبعيدة).
الفحص بالتدبر في ملكية فاطمة (ع) لفدك فردية أو ملكية الولاية
من باب المثال: قضية فدك. إذا قرأتها بقعياً بأنها "ملكية خاصة" للسيدة الصديقة (عليها السلام)، ونزاع فردي بينها وبين سلطة السقيفة، ستكون النتيجة أن إدانة السقيفة هي إدانة لخطأ في قضاء فردي، وليست بطلان عقائدي. أما إذا قرأت الزهراء (عليها السلام) لا كفرد، بل كوليّة، وأن فدك "ملك ولاية"، هنا تحتج على بطلان المسار في أصله. قضية فاطمة ليست قضية مُلك فردي، بل البحث في "فيء ولاية الفيء" لفاطمة، وأن حقها في الولاية غُصب. أما أن تقرأها بشكل مبهم غامض مبتور عن خلفياتها وعن قوله تعالى ﴿(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)،﴾[1] فهذا فحص سطحي وخواء. الفحص يعني أن نفهم جذور المسألة ومنظومتها.
الفحص في الآيات والصلاة على النبي (ص) والال (ع)
كيف يقرأ أمير المؤمنين والإمام الرضا (عليهما السلام) قوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾[2] )؟ يقولون هذه الآية "اصطفاء"، أعلى اصطفاء ذكره الله لأي صفيّ ومصطفى. كيف نفسر هذه الآية مع (﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾)؟ الوحي يفسر بعضه بعضاً؛ القرآن يفسر بعضه، والحديث يفسر القرآن. منظومة الوحي كلها تفسر بعضها البعض. معنى الفحص ليس أن أبحث عن مخصِص وعام فقط، بل تتبع الأبواب وتتبع الحكومة بأنواعها التفسيرية وغيرها.
وجوب الفحص ودعاوى الاجماع والشهرة
من معاني الفحص المهمة ما يتعلق بالقواعد التي تسالم عليها القدماء ويشكك فيها بعض المتأخرين بدعوى "لا دليل عليها". الإجماع والشهرة -على مبنانا في الدورات السابقة وهذه الدورة- هما كاشفان ومنبهان على دليل تنبه له القدماء ووصل إلينا ولكنه خفي علينا، أو غفلنا عنه. مواطن الإجماع ملزمة للفحص، فهي منبه عقلائي. وكم وقفنا في "شرح العروة الوثقى" على قواعد قال المتأخرون إنه لا دليل عليها إلا الإجماع، والحال أننا وجدنا لها أدلة في أبواب أخرى غفلوا عنها (كمسألة من زنى بذات بعل). إذاً، أحد معاني الفحص ليس بالضرورة العثور على رواية جديدة، بل "التأني والتدبر" في القواعد المعروفة، وإجراء "فذلكة صناعية" للالتفات إلى الرابط. الفحص هو التنبه إلى ارتباط دليل معروف غفل الكثير عنه، ونفس التدبر التحليلي هو نوع من الفحص.
حقيقة كلمات القدماء الشهادة الثالثة في الاذان وغفلة عدة من الاعلام
نقطة أخرى في كيفية الفحص -غير التدبر في القواعد-: "ضبط الدليل الأول" نفسه (مادياً، روائياً، صناعياً). كثيراً ما يحصل تساهل في ضبط الدليل. المجلسي الأول (رحمه الله) يقول: "أنا أتعجب من عمالقة الأعلام في كل جيل كيف راجعوا متن (الفقيه) في الشهادة الثالثة وقالوا لم تصل إلينا هذه الروايات!". كيف لم تصل والصدوق ذكر متن الروايات في الفقيه؟ نعم، قد تقول لم تصل أسانيد صحيحة، لكن لا تقل لم تصل الرواية. الصدوق ذكر طائفة أولى وثانية، والمجلسي الأول دقق وقال إن كلام الصدوق يحتمل التقية بقرائن عديدة في نفس الكتاب. إذا ثبت بالنص الخاص الشهادة الثالثة في تشهد الأذان، فعندنا صحيحة الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) تقول: "التشهد الذي في الأذان هو التشهد الذي في الصلاة" (ثبت العرش ثم انقش). الأعجب من ذلك موقف الشيخ الطوسي في (المبسوط) الذي صوره الشهيد الثاني وكأن الشيخ يقول إن الشهادة الثالثة "خلاف الضرورة" أو باطلة! هذا انطباع سريع خاطئ للعجلة. الشيخ الطوسي بالعكس، يقول: "الذي يعمل بها (أي بالروايات الدالة على الجزئية) لا يأثم". فكيف يُنسب إليه أنها خلاف الضرورة؟ المرحوم السيد عبد الرزاق المقرّم جمع فتاوى عديدة، والمجلسي الأول تنبه لهذا، بل وجدت الشيخ حسين العصفور -الذي يُتهم بالإخبارية وهو أصولي صناعي- يذكر بدقة أن الشيخ الطوسي لم يُخالف الضرورة. هذا عدم ضبط لنفس الدليل الأول (متناً، نسخاً، وأقوال قدماء). هذا نوع من الفحص جداً مهم؛ فالفحص ليس مجرد البحث عن دليل آخر، بل له أنواع وكيفيات، وسنواصل الحديث عنها غداً إن شاء الله.