« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/16

بسم الله الرحمن الرحيم

 وجوب الفحص و حقيقة منظومة الحجج/ مبحث العام والخاص /باب الالفاظ

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص / وجوب الفحص و حقيقة منظومة الحجج

 

حجية الأدلة الاجتهادية الواجدة للشرائط غير فعلية

كان الكلام في أنَّ من المتسالم عليه والبديهي عند الكل أن الأدلة الاجتهادية - ولو كانت واجدة للشرائط - لا تكون حجيتها فعلية، فضلاً عن الأصول العملية، بل لابد من ارتباطها، ولابد من الفحص عمّا يربطها بمنظومة الأدلة. وهذا مطلب جداً هام؛ إذ ليس لدينا حجية مستقلة، بل الأمر أكثر من ذلك عند كثير من الأعلام حتى عند السيد الخوئي رحمه الله.

المقتضي في الأدلة الاجتهادية لا يتم منعزلا عن منظومة الأدلة

فرق المقتضي عن المانع في الحجية والمركبات

ذهب صاحب الكفاية والميرزا النائيني إلى أن "المقتضي" للحجية في الأدلة الاجتهادية موجود وتام، وإنما يلزم الفحص عن "عدم المانع". ولكن السيد الخوئي سجل عليهم إشكالاً في محله، وهو أن هذين العلمين فرّقا بين الأدلة الاجتهادية والأصول العملية (الفقاهتية)؛ حيث رأوا أن الموضوع والمقتضي في الاجتهادية موجود، والبحث إنما هو عن المانع. والشيء بالشيء يُذكر لتوضيح الفرق بين المقتضي والمانع؛ فأصل الموضوع لأي حكم يعبر عنه اصطلاحاً بـ"المقتضي"، سواء في الأحكام الواقعية أو الظاهرية. أما "المانع" فهو شيء برّاني، والشرائط أمور متممة؛ إما لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل، والمانع يرجع في حقيقته إلى "شرط عدمي". وهذا بحث مهم يفيد في الأبواب الفقهية والعقائدية.

ممانعة الاب في عقد البكر الرشيدة

ومثال ذلك في "عقد البكر الرشيدة"؛ إذ ذهب أحد الأقوال إلى أن ممانعة الأب "مانع"، فإن لم يمانع أثر المقتضي أثره، وفرقٌ بين أن يكون إذن الأب "شرطاً" وبين أن تكون ممانعته "مانعاً".

في الأدلة الاجتهادية المقتضي غير تام وتسويقها مع الأصول العملية

وعلى أي تقدير، نعود للمطلب: صاحب الكفاية والنائيني قالوا إن المقتضي لحجية الأدلة الاجتهادية مقرر ونفحص عن المانع، بينما أصر السيد الخوئي - والحق معه هنا - على أنه حتى في الأدلة الاجتهادية فإن المقتضي ليس بتام، ولا فرق بينها وبين الأصول العملية.

بيان السيد الخوئي متين جداً، ويا ليته التزم به في كل ممشاه في علم الرجال والعلوم الدينية وفي حجية خبر الواحد وهلم جرا. يقول السيد: إن الوجه في ذلك هو علمنا من دأب الشارع أنه لا يبين حكمه في دليل واحد، أو آية واحدة، أو سورة واحدة، بل يعتمد دوماً على المخصصات والمقيدات المنفصلة، والأدلة الحاكمة والواردة. وهذا ليس دأب الشارع المقدس فحسب، بل هو دأب المشرعين حتى البشريين.

العلوم والعلوم الدينية منتشرة في الأبواب والمسائل

أتذكر اجتماعاً حصل قبل ثلاث سنوات في قم مع أساتذة "للدكتوراه" كان لديهم إشكالات على العقوبات الجنائية، وذكروا أموراً فقهية، فقال أحدهم معترضا: "هذا مذكور في باب، وذاك في باب آخر، لماذا لا يذكرون كل شيء في باب واحد؟". فقلت له: لا يمكن أن يحشد لك كل الضوابط في مسألة واحدة! طبيعة علم القانون - بل حتى الفيزياء والعلوم الأخرى - أن تكون الأمور منتشرة، ولا توجد كل الزوايا في فصل واحد، وإلا لما كان هناك علم وفصول وأبواب. طبيعة العلوم "شبكية"، ولابد من الإحاطة لربط المعادلات، وهو شبيه بالقضايا "الخوارزمية" في الذكاء الصناعي.

وذكرت لكم سابقاً الاستفتاءات التي جاءت من المهجر حول "ابن الزنا"؛ هل هو ابن أم لا؟ وقد كلفني السيد الروحاني (رحمه الله) بالبحث، فكانت حصيلة البحث في جل الأبواب أن المشهور يقولون "ليس ابناً" ولا نسب شرعي له، ولكن وجدنا في باب واحد أن المقصود هو نفي النسب "الطاهر الحلال" وتوريثه، لا نفي النسب التكويني، فالتكوين موجود وتترتب عليه آثار. فطبيعة الفقه هكذا، لا تحيط به إلا بالالتفات للأبواب المختلفة. وكذلك في القضايا العقائدية؛ ما مراد الفقهاء من "الإسلام الظاهري"؟ مر علي البحث في حياتي ست أو سبع مرات، وفي المرة السابعة اكتشفت أن لديهم "تسعة أقسام" من الإسلام، بينما في المرة الأولى كنت أظنها ثلاثة أو أربعة. فالأعلام لا يتحدثون من جيوبهم، بل لأن لسان الأدلة هكذا.

حجية الخبر الواحد والالتزام بتراث الحديث

إذن طبيعة الأدلة والمباحث "شبكية منظومية"، وهذا هو أساس الدين. وهذه مشكلة الوهابية، أو الحشوية، أو القشرية - وأقصد الحشوية لا الإخبارية المحققين - وكذلك هي مشكلة "الأصوليين الحشويين"؛ الذين يبنون على أن الدليل الواحد هو كل شيء إذا كان واجد الشرائط! يا أخي الدليل الواحد ليس كل شيء، ولا القاعدة الواحدة هي كل شيء، لابد من مجموع القواعد والأدلة لتتضح الصورة.

وكلام السيد الخوئي متين؛ لا يمكن الاكتفاء بباب واحد، ولا بمسألة واحدة ولا طائفة واحدة فضلاً عن أن تقول لي "خبر واحد"! ما عندنا شيء اسمه "خبر آحاد" يصمد لوحده، كما يقول الشيخ المفيد "لا يغني من جوع". نظرية الآحاد هذه نظرية صورية، نحن عندنا "مجموع أخبار" بين ضعيف وقوي تتكامل لتشكل لوحة. حتى في الأدلة اليقينية - كالفلسفة والفيزياء - لا يعتمدون على دليل يقيني واحد، لأن كل دليل يكشف زاوية واحدة، فلابد من الإحاطة بكل الزوايا.

باب المضاربة (الاستثمار) وانتشاره في أبواب أخرى

من باب المثال ذكر الفقهاء في باب الشركة وفي باب الاجارة أمور خطيرة في الاستثمار والمضاربة اعظم بكثير مما ذكروه في باب المضاربة لان طبيعة الأدلة والمعادلات والفتاوى منتشرة في كل العلوم المنظومية والنظامية وهو حال جميع العلوم. فالبحث عن المخصص والمقيد بحث عن تتميم المقتضي وهو كلام متين.

الابتعاد عن علوم الوحي والانحباس على الناتج البشري

لذا، يشكل القدماء كالشيخ المفيد والسيد المرتضى على من يعتمد على خبر واحد في الدين، ويسفّهون هذا الرأي. وهذا يجري في في الأدلة القطعية العقلية كما أن الشيخ الأنصاري في "تنبيهات القطع" يصرّح بأنه لو اكتفى الإنسان بالأدلة العقلية البشرية في العقائد واستبدّ بها عن الوحي، فهو مخطئ وغير معذور، بل يخلد في النار! لأنه ترك "المعلم الأكبر" (الوحي) وساواه بالمعلم البشري. فهل من العقل أن تترك تراث أهل البيت وتذهب لتأكل على موائد بئيسة من نتاج البشر؟! هذا سفه عقلي. فالقطع لا يعتمد عليه بمفرده، وطبيعة القضية "خوارزمية" وشبكية عنكبوتية مفتوحة الاتجاهات بكل الاشكال بلا حد. كما يعبرون حديثاً (Ecosystem)، أي نظام ترابط الطبائع. بل كلام الشيخ في اليقين فضلا عن القطع. (باليقين اقطع) لا بالظن.

صاحب الجواهر وغيره من الفقهاء في باب القضاء، نقض حكم القاضي قالوا: حتى لو استند الحاكم اللاحق الى القطع النظري يمكن ان يكون قطعه خاطئا. فالقطع لا يعتمد عليه بمفرده.

فدعوى صاحب الكفاية والنائيني بتمامية المقتضي غير صحيحة. نعم، يستدرك السيد الخوئي بأن في "الشبهات الموضوعية" للأصول العملية قد يكون المقتضي تاماً والبحث عن المانع فقط - لأنها شبهة تطبيقية مصداقية لا حكمية - بخلاف الشبهات الحكمية. والصحيح أن كلاً من الأدلة الاجتهادية والأصول العملية (في الشبهات الحكمية) محتاجة للفحص عن "تتميم المقتضي" وعن "عدم المانع".

التفسير الصناعي لوجوب الفحص هو أنه ليس لدينا حجة مستقلة بذاتها واقتضاءها، بل الحجج مترابطة في الطريق والظهور وجهة الصدور وسبع جهات او احدى عشر جهة حتى على مسلك السيد الخوئي وسيأتي فرقها عن تراكم الاحتمالات.

الفرق بين مباحث الالفاظ ومباحث الحجج

سبب اقحام وجوب الفحص في مباحث الالفاظ

وهنا تساؤل هيكلي مهم: لماذا ذكر الأعلام "وجوب الفحص" في مباحث "الألفاظ" (العام والخاص) ولم يذكروه في مباحث "الحجج" كالقطع والظن؟ ولماذا أخّروه في الأصول العملية؟ الجواب: لأن مباحث الألفاظ هي بحث في "الموضوع" (أي الظهور) -بشكل غالبي والا الملازمات الخمس بحث في المحمول-، بينما مباحث الحجج هي بحث في "المحمول" (الحجية) غالبا. وبما أن الفحص - على رأي السيد الخوئي والمشهور - هو "تتميم للمقتضي" وللظهور المراد الجدي، فمكانه الصحيح هو مباحث الألفاظ (الظهور) وهذا دليل على ان المشهور يرون ان الفحص تتميم للمقتضي لا كما يرى الميرزا النائيني وصاحب الكفاية.

طبيعة وجوب الفحص تكليفي او وضعي محض او كلاهما

وأخيراً، هل وجوب الفحص "تكليفي" (يوجب الإثم) أم "وضعي" (شرط في صحة الحجية)؟ سنرى في الأدلة أنه "كليهما"؛ فليس وجوباً تكليفياً محضاً، ولا وضعياً محضاً، بل يجمع جنبة العقوبة (إن لم تفحص تعاقب) وجنبة الصحة الوضعية للحجية، وهذه نكتة مهمة.

logo